أحمد رباص – حرة بريس

قبل إعطاء الكلمة لمصطفى بوعزيز، الأستاذ الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة الحسن الثاني عين الشق، طلبت منه الصحافية بشرى مازية أن يحاول في مداخلته الإجابة عن أسئلة حول علاقة مجتمع المعرفة بالمواطنة كمفهوم حداثي والأفق المنشود من طرف النخبة وعلاقته بالعلم كسلطة تحاول توجيه المجتمع، ولماذا علينا أن نمر من صراع ثقافي من أجل التغيير وربح الرهانات المطروحة علينا في هذه الألفية الثالثة؟
مستحضرا لهذه الأسئلة وغيرها، بدأ الدكتور مصطفى بوعزيز مداخلته بتقديم تعريف للمعرفة واردفه بتعريف آخر للواقع، وبتعريف ثالث للعلم.
بخصوص المعرفة، تساءل الأستاذ عما هي المعرفة، قاصدا الإتيان بتعريف لها مكثف ومسهل لما يريد تبليغه في هذا المقام. والمعرفة في نظره تجريد وتصور ذهني، يعطي تصورا عن رؤية متشابكة لهذه البنية الضرورية للعيش.
وعن الواقع، هذه الكلمة الكثيرة الاستعمال، قال الباحث إنه تركيب إشكالي لمحسوسات البشر وتمثلاتهم لمعاشهم اليومي وفضاءاتهم المتنوعة، ليخلص من ذلك إلى أن الواقع ليس معطى ثابتا، وإنما هو بناء، أو بالأحرى تركيب مجتمعي.
أما العلم فهو عقلنة للنشاط الذهني لتفكيك الواقع، وطموح إلى تأسيس واقع متجدد باستمرار، وهذا هو دور العلم.
بعد ذلك، يعود مصطفى بوعزيز إلى المعرفة ليقول إنها ليست متساوية في كل لحظة وزمن، بل هي نتاج سيرورة وتراكم وتفاعل مجتمعات إنسانية فوق الكرة الأرضية، وتلك سيرورة طويلة الأمد، فيها مد وجزر، تراكم كمي، وقفزات نوعية، وتراجعات مهولة، وتيه مدمر.. وهكذا نستنتج مع المتحدث أن المعرفة ابتكار علمي، وإبداع فني وأدبي. وفي معادلة واحدة: المعرفة = العلم + الثقافة.
بعد هذه التوطئة من الأسئلة والتعريفات، بنتقل مؤرخنا إلى الحديث عن مجتمع المعرفة الذي تتمحور حوله هذه الندوة التي نظمها فرع الاشتراكي الموحد بالرباط. فما هو مجتمع المعرفة؟ وبماذا يمتاز؟ وقبل تقديم جواب عن هذين السؤال، أومئ المتحدث إلى تعريفات اليونسكو لمجتمع المعرفة وإلى محاولة إدغار موران صياغة تأملات حول ثقافة الغد التي اقترح بخصوصها 10 مفاتيح نشرتها اليونسكو عام 2018.
في نظر الأستاذ بوعزيز، يمتاز مجتمع المعرفة بمركزيتين: مركزية العلم ومركزية المواطنة. وهذا هو ما يجعل التمييز ممكنا بين المجتمعات البشرية، ويوضح كيف تتراتب المفاهيم في واقعيتها داخل مجتمع معين. وهنا يعد الباحث الحضور بالعودة إلى هذه النقطة عند توقفه عند الواو ودلالتها النحوية في اللغة العربية، ودلالتها المجتمعية من الناحية السوسيولوجية.
وبالرجوع إلى آخر التعريفات في المعجم الفلسفي، يورد المتحدث تعريفا مكثفا لمجتمع المعرفة يقول إنه مجموع المعارف والأبحاث المنهجية التي تهدف إلى اكتشاف قوانين الظواهر بعد أن وجد العلم في التجربة مبدء خاصا به وملازما له، يستخرج منها وقائع ولوازم أعماله والقوانين التي ينسق بها الوقائع، دون وسيط آخر من غير النشاط الذهني العادي، وهنا الفرق واضح مع التصورات التي تعتبر أن المعرفة تأتي من العقل أو من الوحي.
لذلك يكون العلم عقلنة للنشاط الذهني الإنساني، يتطلب بطبيعة الحال النقد العلمي والتحليل والتفكيك وإعادة الترتيب، ويتطلب انظمة وبرامج وتكنولوجيا، ورياضيات وتجريدا نظريا، ويركز على الحقيقة العلمية التي هي في كل الأحوال حقيقة نسبية. ودور العلم الكشف عن الواقع القائم وظواهره كموضوع يؤسس لواقع ممكن ومحتمل بناء على التغييرات الممكنة التي يدخلها العلم، على أن يبقى المقصود بالواقع ذلك المفهوم الذي حدده الباحث أعلاه كتركيب.
وفي موضوع مركزية المواطنة، تساءل الباحث مصطفى بوعزيز: كيف نغرف المواطنة؟ في إطار الجواب، قدم تعريفه الخاص به وطرحه للمناقشة.
يقول في تعريفه لمفهوم المواطنة: “المواطنة ممارسة جماعية مستنبطة تشرعن المساواة بين أفراد ومكونات مجتمع ما عبر التساوي المطلق أمام القانون والاحترام التام للاختلاف والتميز، وعبر تحديد واضح للفضاء العام والفضاء الخاص في إطار شفافية تجعل حرية الممارسة والفعل مقرونة بالمسؤولية والاستعداد لتحمل تبعاتها”.
لذلك، تعد المواطنة ركنا من أركان الحداثة في منطوقها الكوني، وهي غير التحديث، مع التنبيه إلى أن التضارب بين الحداثة والتحديث شكل في المغرب أحد العوائق في المخيال العلمي العام.
إن حديث مصطفى بوعزيز عن مركزية العلم ومركزية المواطنة نابع من الارتباط الممكن والمنتج بين العلم والمواطنة. يتجلى ذلك، اولا، في الارتباط بسيادة العقلنة في العلم والمواطنة كليهما، وثانيا، في سمو إنسانية الإنسان. ففي كل لحظة من لحظات التفكير والإنتاج، سواء في النموذج المجتمعي للمواطنة أو في الابحاث العلمية، لابد من طرح أسئلة من هذا القبيل: أين إنسانية الإنسان؟ كيف تسمو هذه الإنسانية على أي مبرر آخر، سواء كان ربحا، أو سبقا، أو تكنولوجيا مبدعة، ..إلخ؟
كيف ارتبطت المركزيتان، عبر الاتجاه الطويل لتاريخ البشرية، في تفاعل المجتمعات البشرية على هذا الكوكب الأرضي؟ من اجل الإجابة عن هذا السؤال، استعار الباحث من لسانيين مغاربة وعرب وظائف الواو المستعمل في عبارة ” العلم والمواطنة”. ما دلالة هذه الرابطة؟
في النحو العربي، لدينا واو العطف. الموجود في المجتمعات الحداثية. يؤشر على تساو، على استقلالية نسبية بين الحقول، ذلك أن الحقل العلمي مستقل نسبيا عن الحقل السياسي، نسبيا عن الحقل الديني، نسبيا عن الحقل الفني.. هذه خاصية المجتمعات الحداثية، متمثلة في استقلالية نسبية للحقول، فكل حقل يحكمه منطق معين خاص به. في هذا الإطار، بطبيعة الحال، تعطي المجتمعات دورا للعلم مجسدا في العقل الناقد والعقل المفكك للبنيات المترسخة، المتكلسة احيانا، وتفتح دينامية التطور، وتخلق مجتمع المعرفة، وبدون هذه الدينامية لا وجود لمجتمع المعرفة.
عندما تكون الواو واو معية، فذلك موجود في المجتمعات ما قبل الحداثية، ومن ضمنها مجتمعنا الحالي. وبعبارة أخرى، المجتمع الموجود يطمح إلى ألمواطنة، لذا يكون العلم موجودا، ولكن هناك تراتبية بينهما، العلم مهمش، وإن كان في مرتبة اولى وله دور معترف به، والحقول التي تحدثنا عنها على أساس أنها نسبيا مستقلة، تكون متداخلة ويهيمن عليها حقل معين، كالحقل الديني، كما كان الحال في مغرب ما قبل الاستعمار، والحقل السياسي، كما هو الحال اليوم. ومن هنا لا يعتبر الوسط الجامعي المغربي (communauté scientifique)، لأنه مخترق من طرف البنية السياسية.
في اللغة العربية والنحو الغربي يوجد واو الاستئناف، وهو خاص بمجتمعات القرون الوسطى، بالنسبة لنا كما لأوربا. هنا العلم، موجود وعنده وظيفة ويتطور في واقع مثقل بثوابت معيقة: احتقار العلم، تبديد الزمن، تبدير المال العام والخاص، توسيع الفضاء المقدس، سيادة العلاقة النفعية، قهر المرأة والطفل، تهميش الأقليات، سيادة الفعل الموسمي، حتى في أوساطنا اليسارية، واستراتيجية الساعة (sratégie de l’heure).
وعلى هذا المستوى، تكون المحددات الثقافية والإديولوجية هي الأساس في العلاقة مع الآخر، مع العالم، مع الكون، مع الأرض، مع الطبيعة، أو مع المحيط الطبيعي.
وبالتسبة للقيم المنشودة للانطلاق إلى مجتمع العلم والمعرفة والمواطنة، فقد حددها مصطفى بوعزيز في احترام الاختلاف، مسؤولية المواطن الفرد، تثمين العمل كقيمة محررة، احترام الزمن كرأسمال يجب صونه، تقليص فضاء الخاص، تقليص فضاء المقدس، تدبير عقلاني للمال، سيادة رابطة القانون، المساواة بين المراة والرجل، ضمان حقوق الطفل، صيانة حقوق الأقليات، تدبير الزمن وبرمجة الفعل.
وبطبيعة الحال، يجب أن تكون العلاقة مع الآخر قائمة على المصلحة الموضوعية. ومن هنا يخلص الباحث إلى أن هناك ضرورة لصراع ثقافي عميق من أجل تغيير جذري للعقليات، خصوصا لدى النخب وليس لدى الشعب، لأن الشعوب تقودها نخبها، والحال أن ثمة تكلسا لدى نخبنا في هذا الإطار.
لإنهاء مداخلته، اختار الأستاذ مصطفى بوعزيز التوقف عند قضية التعليم، ليتساءل: لماذا لم تعط الإصلاحات الأساسية في هذا المجال نتيجة، علما أن المدرسة عنصر جوهري لبناء الأجيال القادمة وتغيير العقليات؟
الجواب هو أننا لا زلنا في ميدان التربية والتكوين، في مجال التربية ككل، نقر بمركزية الهوية، نعطي لها الأسبقية على مركزية المعرفة، في حين أن الانتقال إلى مجتمع المعرفة يتطلب مركزية المعرفة.
بعض العناصر العلمية موجودة عندنا، ولكن ما يهيكل الأنظمة التربوية من الابتدائي إلى البحث العلمي هو مركزية الهوية. وفي ذلك تكبيل من التكبيلات الجوهرية التي يجب تجاوزها.
شهدت الجامعة المغربية إصلاحات تمت بشكل تقتي من أجل تغيير برامج امتحانات، ولكن ليس هناك أي نقاش حول الحقول المعرفية، مع أنه أمر أساسي. وهنا يقول الباحث للزملاء في فرنسا: إذا أردتم أن تروا الحال التي كانت عليها جامعاتكم قبل ماي 68، فمرحبا بكم في المغرب، نحن أرشيفكم. وبينما تقدمت حقول معرفية وتغيرت وخرجت منها وسائل تربوية جديدة، نستعيرها ونخافظ على الحقول المعرفية القديمة، فوقع لنا ما وقع للغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة فلا هو اتقنها ولا هو حافظ على مشيته الأصلية.

(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube