علي حرب

برحيل حسن حنفي يغيب علم من أعلام الفلسفة، مارس حضوره، طوال نصف قرن، على ساحة الفكر العربي، بمشروعات وأعمال، تناول فيها مختلف القضايا والمشكلات التي ولَّدها صعود الغرب على المسرح العالمي: العقيدة والثورة، الإسلام والهوية، التراث والتجديد، الغرب والحضارة، الواقع والمستقبل.
التقيت الدكتور حسن حنفي، لأول مرة في جامعة القاهرة، عام 1970م، وكنت في زيارة لمصر سائحًا لا كاتبًا. وقد أهداني يومئذ أطروحته لنيل الدكتوراه في جامعة باريس حول «مناهج التفسير» وكانت بالفرنسية. فيما بعد التقيته، بوصفي كاتبًا يشتغل بالفلسفة، في أكثر من ندوة فكرية. أذكر من بينها الندوة التي عُقدت في مدينة القاهرة، عام 2004م حول الفيلسوف ابن رشد. وكان الدكتور حنفي مديرًا للجلسة التي سوف أتحدث فيها، وقد عرّف بي بالثناء عليَّ بقوله: «علي حرب أحسده على صياغاته الفكرية، ولكنه ينتقدني، ويا ما في السجن مظاليم»، وقد نطق العبارة بالعامية.
بعد هذا الثناء والعَتْب، وجدت نفسي أفتتح مداخلتي بقولي: أنا أتيتُ من حسن حنفي، ومن نظرائه، الذين تمرّستُ بقراءة نصوصهم وأفدت من أعمالهم ومنجزاتهم، كالجابري وأركون والعروي وصفدي، وسواهم من أصحاب المشروعات الفكرية. ولكني، إذ أنتقدهم، فلكي أسلّط الضوء على مأزقهم، الذي هو مأزقنا جميعًا، كوننا لم نستطع خرق السقف الوطني، المحلي والعربي، بابتكار ما يؤثر عنا ونخلق به مساحتنا التداولية على ساحة الفكر العالمي، من النظريات والمفاهيم أو المدارس والمناهج.
وقد حال دون ذلك عوائقُ، متعددة الرؤوس، تجسدت في تغليب الاعتبارات الأيديولوجية والأنثروبولوجية، القومية والدينية، النضالية والتحررية، على المشاغل المعرفية والصناعة المفهومية.
الهوية والفلسفة كرد فعل
أتوقف عند رأس العوائق كما يتمثل في التمركز أو التمترس حول الهوية الدينية. ولذا ترانا نعرّف بهويتنا على أساس الدين، في عصر حلت فيه الديمقراطية محل البيعة، ونموذج المواطن محل نموذج المؤمن، كما حلت القوانين الوضعية محل الشرائع الدينية. وهكذا نريد أن نكون مسلمين في زمن لم يعد لا زمن الأديان، ولا زمن الإسلام الذي استهلكت صيغه واحترقت أوراقه، وكما تشهد المآلات الكارثية للعمل الديني، كما تمثّله وتقوده الحركات السلفية والمنظمات الجهادية، فضلًا عن الحكومات والإمارات الإسلامية. ولا غرابة أن يكون المآل كذلك. فلا شيء يبقى على ما هو عليه، أو يعود كما كان. وهذا شأن الفكر الإسلامي كقارة معرفية وتراث غني وهائل. إنه يحتاج إلى العمل عليه؛ لكي يصلح لحياة معاصرة، بمنطق التحويل الخلاق والتجاوز البناء، أو بلغة التداول الفعال والتبادل المثمر.
لا أخرج عن الموضوع، إذ أقول: إن الكلام عن الهوية الإسلامية وعوائقها يتصل أوثق الاتصال بمشروع الدكتور حسن حنفي؛ لأن هذه الهوية كانت هاجسه أو عقدته التي لم يستطع تجاوزها أو التحرر منها، تمامًا كما كان نهوض العالم الإسلامي حلمه الذي سعى لتحقيقه طوال حياته.
ولكني لا أريد تكرار نقدي له في مقالة شئتُها تحيةً بعد رحيله. فمما آخذه عليه في نقدي لمشروعه ومشروعات غيره أنهم يشتغلون بالهجوم على الغرب أو الرد عليه، ثقافةً وسياسةً، فيما هم صنيعة الثقافة الغربية بمصطلحاتها ومفاهيمها وفلسفاتها، أكثر مما هم صنيعة الثقافة الإسلامية. من هنا كانت محاولته تأسيس علم الاستغراب للرد على علم الاستشراق. ولكن علمه هذا قد وُلِد ميتًا؛ لأن علم الاستشراق، الذي هو أضعف علوم الغرب، قد فقد مصداقيته وولى زمنه. وهكذا فنحن انشغلنا بالرد على الغرب، ونسينا أن مهمتنا الأولى، كفلاسفة، هي العمل على تجديد أو تطوير أو تحديث فروع المعرفة ومناهج البحث وصيغ العقلنة.
ومما أخذه عليه أيضًا إصرارُه على التعامل مع الإسلام كعنوان حضاري أو شعار سياسي أو دليل عملي. من هنا دعوته لقيام يسار إسلامي. وهذه الدعوة هي ضرب من التوفيق الهش، بل المستحيل، بين مشروعين كلاهما استُهلِك وأخفق، وهو ما يعني أن التحالف بينهما يجمع مساوئ الواحد منهما إلى الآخر. هذا الهاجس التحرري الهوياتي، هو الذي جعل الدكتور حنفي يتخيل أن الحضارة الغربية استهلكت نفسها وأوشكت على الوصول إلى نهايتها، وأنه أتى دور الحضارة الإسلامية لكي تحلّ محلّها وتمارس حضورها على المسرح العالمي. فإذا النتيجة، بعد أربعة عقود من هذا الوعد، أننا نستنجد بالغرب لكي يضع حدًّا لحروبنا، أو لكي يساعدنا على حل مشكلاتنا المستعصية. ولا أظلمه إذ أقول: إن مشروعه للنهوض والتجديد والتحرير، لا يجدد تراثًا ولا يغير واقعًا أو يبني حضارة.
مأزق الفيلسوف الفقيه
لا يفوتني مأخذ ثالث يُحسَب للدكتور حسن حنفي لا عليه، وهو أنه قدَّم نفسه عالمًا مسلمًا بإمكانه أن يؤدي الدور الإحيائي والتجديدي نفسه، الذي لعبه الفقهاء والمتكلمون إبّان ازدهار الحضارة الإسلامية. هذا هو منطوق مشروعه. ولكن منطق خطابه، أي ما يسكت عليه القول ويحجبه أو ما يستعصي عليه دركه وفهمه، هو أنه في النهاية صاحب عقل فلسفي مرجعه النظر العقلي لا الوحي الديني.
من هنا فله تحليلات وتفكيكات، أو فلتات والْتِمَاعات تنويرية، عقلانية، علمانية، يتفوق بها على كُثُر من دعاة العلمانية. والشاهد على ذلك هو حديثه المفاجئ والصادم عن الآيات الشيطانية، وفيه ينسف ظاهرة الوحي، بتعامله مع الدين الإسلامي كنتاج تاريخي يحتاج إلى الفحص العقلاني والتحليل النقدي أكثر مما يحتاج إلى التقديس والتمجيد. ولذا فإن إسلاميته لم تقنع الإسلاميين الذين هاجموه وأصدروا فتوى بتكفيره.
وتلك هي إشكالية حسن حنفي الذي يحسب المشكلة حلًّا وبالعكس. لقد أراد توظيف أدوات الفلسفة لتحرير الإسلام، كما أراد مزاولة نشاطه الفلسفي بارتداء عباءة الفقيه أو المتكلم. نحن هنا إزاء نمطين هما ضدان لا يجتمعان، كما أدرك ذلك أبو العلاء المعري، وكما أثبتت أيضًا محنةُ ابن رشد. فالنمط الفلسفي قوامه ممارسة حرية التفكير بالتعامل مع الحقيقة بوصفها قدرتنا كبشر على الخلق والإنشاء والابتداع، لإدارة شؤوننا وقيادة مصايرنا. يقابله النمط الديني، حيث الحقيقة المطلقة أو النهائية قد نطق بها غيبٌ أو وهمٌ، نصٌّ أو شخصٌ، وما علينا سوى التقديس والتسبيح أو الاتباع والتقليد أو السمع والطاعة، أي إسدال الستار على عقولنا.
ولذا لا مخرج من المأزق إلا بالخروج من الفلك الديني، بالتعامل مع الإسلام لا كعنوان أو مرجع، للحياة والوجود، بل كمادة للتفكر توضع على مشرحة النقد والتجريح، للكشف عما عاقَ ولا يزال يعوق مشروع النهوض من الخرافات المتأصلة والعلل الراسخة أو العقد المستعصية التي تجعلنا نشازًا في هذا العالم.
خطورة المشروعات الشمولية
كان من الطبيعي أن يكون للدكتور حنفي نقده لي. ولم أقرأ له شيئًا في هذا الخصوص. ولكن ما قاله وسمعته منه أنه لا يصنّفني بين أصحاب المشروعات الفكرية، كما هي حاله مع أركون، والجابري، والعروي، وسواهم. وأنا لم أطرح نفسي بوصفي صاحب مشروع، ولم أفكر في ذلك. فأعمالي ومقالاتي تتناول بالدرس والفحص ظاهرة أو قضية أو مشكلة، أو تهتم بالاشتغال على مفهوم أو نص أو كتاب، وكما تشهد عناوين مؤلفاتي.
من هنا كان اعتراضي على المشروعات العريضة والشاملة، سواء على المستوى المعرفي، أو على المستوى السياسي والتحرري. فهي تنطوي على قدر من الحجب والاختزال أو الادعاء والوهم. فليس بوسع فرد، أيًّا كانت مواهبه وخبراته واتساع ثقافته، أن يحيط بتراث ضخم كالتراث الفكري العربي، أو أن يشتمل على عالم ثقافي شاسع ومتنوع كالعالم الإسلامي، أو أن يملك مشروعًا لإدخال المجتمعات الإسلامية في فضاء الحداثة والمعاصرة. وإذا كنا نعترف، على كثرة المشروعات وتعدد البرامج، أننا ننتقل من أزمة إلى أزمة أو من إخفاق إلى إخفاق، فالدرس هو أن نتحلى بالتقى الفكري والتواضع الوجودي.
لقد ولى الزمن الذي ينظّر فيه فرد، فيلسوف أو سياسي أو إستراتيجي، لتنوير أمة أو تحرير مجتمع أو إصلاح بلد… مثل هذه الهموم والهواجس آلت بالمشروعات إلى قيام الأنظمة الشمولية التي دفعت البشرية أثمانها الباهظة، فقرًا وتخلفًا، صراعات وحروبًا، جلدًا وصلبًا، تحت شعارات التقدم والتحرر أو العدالة والسلام. واليوم تفضي المشروعات الشمولية، تحت شعارات الهوية والسيادة، إلى الشعبوية التي هي الشكل الأحدث للنزعات العنصرية والفاشية.
زمن الفكر الأفقي
لنحسن القراءة: لقد تجاوزت البشرية العصر النخبوي لأيديولوجيات التقدم وحركات التحرر، التي أخفقت بعد أن ترجمت الشعارات الطوباوية بأضدادها على أرض الواقع الذي يفاجئ النخب الفكرية، ليكشف عن سذاجتها وجهلها بالواقع وبالإنسان نفسه. فمع الدخول في العصر الرقمي، عصر العولمة والمعلومة والشبكة والمنصة والتغريدة، قد فتحت إمكانات جديدة أمام البشر انكسرت معها ثنائية النخبة والجمهور أو العامة والخاصة أو الزعيم والحشد. لم يعد الفرد مجرد متلقٍّ للمعلومات أو الأوامر من النخب التي تفكر عنه، وتدّعي تمثيله والنطق باسمه أو الدفاع عن مصالحه وحقوقه.
نحن ننخرط في واقع أصبح فيه المواطن الفرد، يتصرف كلاعب فاعل، يسهم في بناء مجتمعه أو تغيير عالمه، بقدر ما هو منتج أو مبتكر في مجال عمله؛ ويشارك في صنع ذاته وَقَود مصيره بقدر ما يمارس حريته في التفكير ولا يتخلى عن عينه النقدية في قراءة ما يحدث. ومن لا يتاح له أن يفعل بصورة إيجابية وبناءة، فإنه يفعل بصورة سلبية ومدمرة.
بهذا المعنى فالمجتمع لا تغيره النخب، وإنما يغير نفسه بنفسه، بالطول والعرض والعمق، في مختلف قطاعاته ودوائره وقواه الحية، التي تنسج فيما بينها علاقات على أساس المباحثة والمداولة أو الشراكة والمبادلة، وبخاصة أننا نتجاوز المجتمع النخبوي العامودي، البيروقراطي، نحو المجتمع التداولي، الذي هو شبكة تأثيراته المتبادلة وصيرورة تحولاته المتواصلة.
لا أدعي أنني قرأت كل ما كتبه الدكتور حسن حنفي، الذي ترك نتاجًا فكريًّا ضخمًا متعدد الجوانب والحقول والميادين. والعمل الفلسفي، الذي يتمتع بالأصالة والجدة، إنما يختزن إمكانياته وينفتح على احتمالاته. إنه يتعدى أطروحته ويتجاوز مقاصد مؤلفه. ولهذا السبب خاصة، فإن أعمال حسن حنفي تتجاوز الجدال حولها، بقدر ما تفتح الإمكان لإعادة التفكير فيما كنا نفكر فيه، بحيث نقرأ فيه ما لم يقرأ، فنجدد المعرفة به وبالمعرفة جملة.
بهذا المعنى، نحن نفيد من قراءتنا لأعمال الدكتور حنفي، ليس بالضرورة مما أراد طرحه وإقناعنا به أو مما قرره من الحقائق، بل مما خلقته أعماله من الوقائع على ساحة الفكر، بغناها واتساعها، بطياتها وطبقاتها، بصمتها وفراغاتها، بإيحاءاتها ومفاعليها.. وهذا شأن المفكر القدير. إن أعماله لا تختزلها توجهاته الأيديولوجية أو مواقفه السياسية، بل تشكل منبعًا لا ينضب للتفكير. ولذا فهي تحضنا دومًا على أن نعيد النظر فيما كنا نعرفه لكي نجدد المعرفة بذواتنا وبالواقع، بالآخر والعالم.
ثمة درس آخر يستخلص من العودة إلى أعمال الدكتور حسن حنفي، وهو أن الفشل الذي نبحث عن أسبابه، لا يكمن فقط في أننا نهتم بالماضي وننسى الحاضر، وإنما يكمن أولًا في كوننا لا نعرف كيف يُصنع الحاضر أو كيف يسير العالم. ما زلنا نتطارح أو نتداول أفكارًا ولّى زمنها، ولذا فمآلها أن تُترجم بتدمير الحاضر وتلغيم المستقبل. وتلك هي مفاعيل التعلق القدسي أو المرضي بأصول وثوابت أو بمذاهب ونماذج، قديمة أو حديثة، فيما نحن تعدّينا الحداثة نحو موجات جديدة مختلفة وغير مسبوقة، تتغير معها علاقتنا بمفردات وجودنا. والرهان أن ننخرط في المناقشات العالمية، لكي نقدم قراءتنا لما يحدث ويفاجئ، على وقع ما نجابهه من التحديات المصيرية والتحولات الهائلة.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube