بقلم :لحسن الجيت

                                                                         

من أمام محطة القطار المدينة الرباط إلى منتزه ابن سيناء المعروف “بغابة هيلتون” تفصلك فقط مسافة خمس دقائق على متن السيارة. الموقعان شهدا هذه الأيام حدثين متناقضين الأول تمثل في خروج باهت كالعادة لعشرات من الأشخاص يرددون شعارات منددة بما يسمونه بالتطبيع مع إسرائيل مستغلين بذلك مناسبة زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي السيد “بيني غانتس” للمغرب، ومن الموقع الثاني في منتزه هيلتون جاءهم الرد كالصاعقة من المسؤول الإسرائيلي الذي تعمد أن يخرج في نزهة رياضية تقاسم فيها الأوكسجين مع عامة المغاربة الذين ركدوا إلى جانب معالي الوزير، وليس أي وزير بل ذاك الذي ركد معهم  هو الآخر بكل أمان وثقة وبادلوه التحية بأفضلها.

فماهي دلالات أن يخرج مسؤول أمني وعسكري إسرائيلي من العيار الثقيل إلى فضاء عمومي في قلب العاصمة المغربية؟ فالحدث ليس عاديا ولا هو عابر بل إنه ينطوي على رسائل في غاية الأهمية لا تقاس إلا بأهمية الخصوصية المتميزة في العلاقات ما بين المملكة المغربية ودولة إسرائيل الصديقة والحليفة.  

1 ـ أولى رسائل غابة هيلتون توحي لك بأن المغرب واحة تزخر بالأمن والأمان. ولا غرابة في ذلك فطبع الإنسان المغربي  جبل في الأصل على أن يكون صاحب شخصية مسالمة ومتواصلة مع الجميع لاعتبارات تاريخية وجغرافية وتربوية وثقافية. إنها عقلية مجتمع بأسره، وهي العقلية التي أثارت الطمأنينة لدى المسؤول الإسرائيلي وشجعته على الخروج ليختلط بالعموم بكل أريحية وسخاء وهو على علم مسبق بأنها سمة من سمات الشعب المغربي. كما أن هذه الخرجة لم تكن من باب الصدفة بقدر ما هي نتاج لتشاور مسبق مع رئيس البعثة الإسرائيلية بالرباط الذي سبق له أن شارك في مباريات كرة القدم مع لاعبين مغاربة دوليين، كما اعتاد هو الآخر أن يجوب شوارع العاصمة آمنا مطمئنا مشيا على الأقدام يشتري من بائع متجول فاكهة ومن آخر كوب عصير، وعلى نفس الحال تراه حرا طليقا في مدن أخرى.

2 ـ المنتزه الذي ذهب إليه السيد الوزير لممارسة رياضته المفضلة وهي رياضة الركض هو منتزه مفتوح في وجه كل شرائح ساكنة الرباط  من طبقة مخملة بحي السويسي إلى طبقة أخرى متوسطة من حي أكدال وأخرى من فئة يقال عنها فئة المستضعفين تسكن أحياء شعبية كحي التقدم و”دوار الحاجة”. فالمشهد كما هو في تجلياته الاجتماعية وسط غابة هيلتون ما هو إلا مرآة لمجتمع مغربي مصغر حيث يوحي لك المشهد بتناقضات مظهرية لكنها تلتقي على أرضية مشتركة مفعمة بمشاعر الوطنية والمحبة وبعيدا عن مشاعر الكراهية أو التصادم. على الأقل هذه هي الصورة الجميلة التي كونها المسؤول الإسرائيلي الذي خرج بانطباعات جيدة وعد في تغريدة له على أنه سيروي قصته تلك لأحفاده.

3 ـ العفوية التي قوبل بها معالي وزير الدفاع وكذلك هي التحيات التلقائية التي انتزعها من شباب ومن متوسطي الأعمار ومن متقدمي السن ومنهم من التقط صورا للذكرى كل ذلك ما هو إلا تزكية لخيارات الدولة المغربية وهي خيارات قبل أن تكون رسمية فهي انعكاس وامتداد لخيارات أساسها ذلك التعايش الذي طبع لقرون خلت جميع المغاربة أكانوا مسلمين أم يهودا. ولعل المسؤول الإسرائيلي قد وقف على هذه الحقيقة التاريخية في لحظة من حياة شخص بينما هي حقب ضاربة في القدم على أرض أرادها الله أن تكون نبراسا لكل دول العالم في القيم الإنسانية وفي التعايش بين أبناء الديانات السماوية. وإن كانت غابة هيلتون تسجل حدثا استثنائيا بوجود شخصية يهودية بارزة، فما قبله كان يركض وما زال يركض يوميا في هذا المدار عشرات المسيحيين من الرعايا الأجانب المقيمين ومن دبلوماسيين أمريكيين وأوروبيين رجالا ونساء في أجواء تبعث عن الطمأنينة والارتياح. فهذا التمازج وهذا التعايش والاعتراف بالآخر لا يمكن أن يكون إلا على أرض اسمها المملكة المغربية.

4ـ المغاربة ليست لهم  لا عقدة الإسرائيلي ولا عقدة اليهودي ولا عقدة أي جنس آخر. فهو شعب لا يحمل ضغينة لأحد ولا يتعامل بخلفيات سياسية ولا عقائدية. وما يوحي به هذا الخروج العلني للمسؤول الإسرائيلي في غابة هيلتون هو  رغبته في معاينة حقيقة لطالما ترددت على ألسنة اليهود المغاربة وهو أن المغرب أولا بلد آمن وثانيا شعبه يؤتمن له على خلاف شعوب أخرى. 

5 ـ هذا التواصل المباشر مع عموم الناس وفي أجواء رياضية تبعث على الارتياح وبعيدا عن إطار البروتوكولات الرسمية، يشير إلى أن العلاقات بين البلدين تتجاوز كل ما هو اتفاقيات ومذكرات تفاهم أو سلام على الورق بين الأجهزة الرسمية للبلدين بل هو سلام دافئ، سلام ينزل إلى مختلف شرائح المجتمع المغربي. ومن تجليات ذلك السلام نلاحظ على مدى عام من استئناف العلاقات تبادل الزيارات على مستوى رجال الأعمال ورجال الإعلام وإرسال طلبة مغاربة للدراسة بالجامعات والمعاهد الإسرائيلية. فالأمر ليس تطبيعا كما يتوهم البعض  بل هي علاقات رسمية لها امتدادات شعبية.

6 ـ ولكل قاعدة شواذ. والشواذ في هذا المجتمع هم سماسرة الدين لهم هيئة تسمي فسها “بهيئة علماء المسلمين” والله أعلم بعلمهم، يؤازرهم إخوان لهم في الغدر والمكر من القومجيين. وقد خرج هؤلاء القوم خلال هذه الأيام لنصرة القضية الفلسطينية بشعارات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع أصحاب القضية، لكنهم في نفس الوقت حينما نبحث عنهم في الأيام العصيبة التي يمر بها الوطن لن تجد لهم أثرا وكأن الطير على رؤوسهم. أشهر مضت والمؤامرات تحاك ضد المغرب من شماله وشرقه بينما شركاؤنا في الوطن يتغامزون من وراء الوطن متتظرين ذلك اليوم ليشمتوا فيه. إنهم أعداء الوطن إنهم خونته. فهل القضية الفلسطينية، على الرغم من عدالتها، أولى من قضيتنا الوطنية لكي تستحوذ على اهتمامهم. وتدفعهم إلى الخروج من أجل نصرة القضية فيما هم يشوشون في واقع الأمرعلى خيارات المغرب. فما موقفهم من النظام الجزائري الذي لا يتوقف في كل لحظة وحين من معاداة المغرب في وحدته الترابية ومن التلويح بخيار الحرب ضده ومن إطلاق سيل من الاتهامات الرخيصة. كما لم نر هؤلاء القوم في أزمة الكركرات التي راهن عليها النظام الجزائري كثيرا لتضييق الخناق على المغرب، بل اكتفوا بالوقوف وقفة متفرج ينتظر لحظة السقوط وكأن الوطن إن سقط لا يغنيهم في شيء.

7 ـ لا أحد بمقدوره أن يزايد على المغرب في نصرته للقضية الفلسطينية سواء كانوا من الداخل أو من دول الجوار. تاريخيا أثبت المغرب وبشهادة الفلسطينيين أنفسهم أنه يكاد يكون البلد العربي الوحيد الذي استطاع أن يخدم القضية من مختلف المواقع بسبب ما يتمتع به من مصداقية لدى أطراف هذا النزاع. ولقد سبق لنا أن أكدنا في عدة مناسبات أن استئناف المغرب لعلاقته مع دولة إسرائيل كان وما يزال هو العمل على مواصلة الجهود من أجل حل عادل ودائم يقوم على أساس إقامة دولتين. ومادامت إرادة المغرب بادية كما هي واضحة للعقلاء فلا أستطيع أن أستوعب أي موقف يعارض الخط الرسمي المؤيد للحل العادل إلا إذا كان المحتجون لهم حسابات سياسية أخرى تلتقي على قاسم مشترك مع النظام الجزائري. ومن الممكن أن نجد تفسيرا للحملة التشهيرية والعدائية التي يشنها النظام الجزائري بسبب العلاقات القائمة بين المغرب وإسرائيل حتى ولو كان ذلك التفسير مبنيا على اعتبارات واهية،  فإنه يصعب علينا أن نستوعب المواقف المجانية التي يتخذها شركاؤنا في الوطن ويسمحون لأنفسهم بالوقوع عن وعي أو جهل في الشراك الجزائري ليتخندقوا معه لخدمة مخططاته العدائية. فهذا النظام الجزائري يطرح مسألة تقوية العلاقات بين المغرب وإسرائيل في إطار التجاذبات الإقليمية والدولية التي يمكن أن تفضي إلى عودة بلادنا بقوة إلى المشهد الشرق الأوسطي. ولذلك يجب على شركائنا في الوطن أن يفهموا هذه المعادلة وأن يدركوا أنه لكي يتأتى للمغرب أن يقوم بالأدوار الطلائعية في حلحلة القضية الفلسطينية، إن كانوا معنيين بالحل، لابد أن تكون له علاقات متينة مع إسرائيل لكسب ثقتها تمهيدا لإعادة الثقة بين طرفي النزاع بعد مضي سبع سنوات من القطيعة وتوقف المفاوضات بينهما. ولذلك، فإن المغرب يبقى البلد الأكثر تأهيلا لاستضافة المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، كما نصت على ذلك الرسالة الملكية إلى رئيس اللجنة الأممية المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف.

أما النظام الجزائري فهو نظام مخادع يعمل على استخدام القضية الفلسطينية كمطية لمعاكسة المغرب. ليس إلا. فحديث المدعو رمطان لعمامرة مؤخرا عن إدراج القضية الفلسطينية في جدول أعمال القمة العربية إلى جانب ما يسميه بالقضية الصحراوية لا يخدم القضية الفلسطينية بل يؤذيها .فالمخطط الجزائري همه أن يمرر قضية الانفصاليين على حساب قضية الشعب الفلسطيني في المنتظم العربي. ثم أن هذا النظام الذي يتظاهر بتأييده لقضية العرب الأولى لم يقدم لها من الدعم سوى الوعود الكاذبة في حين أن ما قدمه من دعم للانفصاليين في شراء الأسلحة والذمم لا يبقى في حدود الدعم المتعارف عليه بل يكشف عن وجود خطة مبيتة يراد بها النيل من المغرب. فلا القضية الصحراوية ولا القضية الفلسطينية ما هما إلا أدوات للاشتغال في يد النظام الجزائري لأغراض تخص هذا النظام. ولذلك فإن الجزائر حينما تدعو اليوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس لزيارتها فهي ستعمل بذلك إلى جره لاستقطابه وإدخاله في صراع تريده الجزائر أن يكون طرفا فيه ضد المغرب، على غرار ما قام به النظام الجزائري من قبل مع الرئيس ياسر عرفات ولا مع سفير فلسطين مؤخرا المعتمد لدى الجزائر. كلها سلوكيات تعني تسخير القضية الفلسطينية من طرف النظام الجزائري لمعاداة المغرب.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube