أحمد رباص – حرة بريس

في ختام لعبة التبصر هاته المحفوفة بالمخاطر، يقتبس الأستاذ محمد الطوزي من أندريه مالرو جملة مفادها أن “القرن الحادي والعشرين سيكون دينيا أو لن يكون”، ليؤكد أنها لن تسعفنا بأي شيء، حتى ولو شهدت كل المؤشرات المرصودة على حضور قوي للدين في بداية هذا القرن.
وبالفعل، فإن أهمية الهويات الدينية، المزعومة أو المختبرة، في القضايا الجيوستراتيجية والسياسية، الإقليمية والدولية على حد سواء، لا غبار عليها. الفرضية التبسيطية لعالم بلا اسرار قائده العقل العلمي وحده لم تعد مقبولة منذ منتصف السبعينيات. سوف يستمر الدين في احتلال مكانة أساسية في تحديد الرهانات السياسية لأنه سيشكل مصدرا مهما لنزع الشرعية عن الأنظمة السياسية القائمة كما لو كان من أجل تغذية اليوتوبيات الاحتجاجية.
لذلك يشهد المغرب سلسلة من التطورات المهمة في هذا المجال يمكن تلخيصها في سلسلة من الملاحظات الختامية.
اول ملاحظة سجلها الأستاذ الباحث تتمثل في أزمة المؤسسات الدينية النابعة من كون نموذج التنظيم المؤسسي للدين في شكل بيروقراطية دينية مع احتكار إنتاج خيرات الخلاص، وتاويل العقيدة والتنشئة الاجتماعية للمؤمنين بات مهددا، أكثر مما كان عليه في الماضي، من خلال ظهور كنائس جديدة (بالمعنى المحدد في سوسيولوجيا الأديان).
في الحالة الخاصة بالمغرب، حيث تتولى الدولة إدارة العبادة، فإن القدرة على اختلاق ونشر أرثودكسية دينية مبنية على وحدة العقيدة ستكون محدودة بشكل متزايد. إن الضغوط الأصولية، خاصة الأمريكية، التي تناضل من أجل الحرية الدينية، ستصبح أقوى شيئا فشيئا لتدفع المغرب إلى مراجعة الحماية التي يوفرها للمسلمين ضد المشاريع التبشيرية للكنائس الأجنبية.
الملاحظة الثانية خاصة بتدويل العرض الديني وتفتيت الطلب الديني، وهي تعود إلى إن الجمع بين عدة عوامل مثل الثورة التكنولوجية ووجود جاليات كبيرة من أصل مغربي في الخارج وانفتاح المشهد الإعلامي سيجعل المغاربة متحررين من الأنماط التقليدية للتنشئة الاجتماعية الدينية.
إن توفر عرض ديني متنوع لا تتحكم فيه الدولة بالكامل سيؤدي بالمغاربة إلى تكوين “قائمة” دينية خاصة بهم والسماح لأنفسهم بالتوفيق بين المعتقدات في إطار الديانة الإسلامية (في اتجاه التقارب مع المذهب الشيعي) وربما مع الأديان الأخرى، إما في إطار عملية علمانية تضع الممارسة الروحية في المجال الخاص، أو ضمن إطار حركة إصلاحية دينية كما هو الحال بالنسبة للبهائية.
يغلق الأستاذ الطوزي قوس الملاحظة الثانية بقوله إن المدرسة تتحمل
مسؤولية كبيرة لمنح الشباب الأدوات اللازمة للتنقل في هذا السوق الحر الخاص بالقيم الدينية.
اما الملاحظة الثالثة فيلخصها الكاتب في التعايش بين طلب العقلانية وطلب التعويذة. وتقتضي هذه الملاحظة ان حضور الدين وطلب التعويذة لا يعني التشكيك في عمليات العقلنة الجارية. يتم حل التوترات بين الاثنين على نحو براغماتي. المغاربة، مثل العديد من المجتمعات الأخرى، سوف يستمرون في الإيمان. من المرجح أن تتغير الممارسات الدينية، لتكتسب قوة لتحرير الفضاءات/الازمنة اللازمة لممارسة الأنشطة الأخرى غير الدينية.
وتبقى الملاحظة الخامسة مرتبطة بعلمنة الفكر السياسي والممارسات الاجتماعية. على هذا المستوى، سوف تتكثف العلمنة الحالية، دون التقليل من احتمالات استخدام الدين كأداة في المجال العام. وسوف يزداد الأمر سوء لأن عملية العلمنة الفكرية تتخلف عن عملية العلمنة الاجتماعية. هذا التناقض بين الفكر السياسي المتغلغل بعمق في النموذج الديني وبين تعبئة الماضي يغذي وسيستمر في تغذية استخدام العنف. وهذا يثير التساؤل حول الحاجة إلى توضيح مؤسسي للعلاقة بين السياسة والدين.
(انتهى)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube