أحمد رباص – حرة بريس

بواصل الأستاذ محمد الطوزي حديثه عن المسار الذي قطعته جماعة العدل والإحسان منذ البداية ليذكرنا بأنه خلال السنوات السبع الماضية؛ أي منذ 11 سبتمبر 2001، وفي مواجهة ظهور السلفية الجهادية، تمكنت الجماعة بصعوبة من احتلال مكانها في صفوف المعارضة ومن التملص من الالتزام بالمواجهة السياسية من خلال المشاركة في الانتخابات. وهكذا ظهر تباعد المصالح بين الشيخ وأتباعه الأكثر تسييسا، تلاه توتر معين، أثاره فتح ملف اختيار خليفة لعبد السلام ياسين بسبب نقدمه في السن .
ومن الوسائل التي اختارها المتنازعون لحل هذا التوتر الناتج عن رفض البعض إشراك الجماعة في الانتخابات، وحرب الشواطئ المفتوحة نهاية التسعينيات، والخرجات الإعلامية لنادية ياسين، نجلة للشيخ، نعثر، منذ فترة، على مسألة الرؤى الصوفية.
بهذا الصدد، يذكر الأستاذ الباحث أن عام 2006 تميز بما سمته الصحافة عادة “رؤية 2006″، وهو تعبير يشير إلى نبوءات أتباع العدل والإحسان التي توقع من وحيها العدليون وقوع “حدث كبير في عام 2006” من شأنه أن ينصب الشيخ في السلطة.
من خلال تحليل مجموعة من حوالي ستين رؤية منشورة على موقع الجامعة وغيره على نطاق واسع، يصاب المرء بالصدمة من الانتهازية السياسية للمخيال الذي يقترحونه. أحيانا يكون النبي نفسه هو من ينصح بقراءة “المنهاج النبوي”، أو يشك في نصيحة تروم توجيه الجماعة أو يسمح لأتباعها بدخول الجنة، وأحيانا يكون للشيخ نفسه الأسبقية على الخلفاء الأربعة ويفرض نفسه كمن وقع عليه اختيار النبي في نور وهاج وتواطؤ بين الأماكن والفضاءات: بيت الشيخ في سلا وقد أضيف إلى لعبة تكافؤ الأماكن المقدسة في الإسلام.
عند التحليل، يبدو أن الدور الذي تلعبه هذه الرؤى سياسي للغاية. لا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن مشكلة العدل والإحسان تكمن في ازدواجية هويته. هوية حزب سياسي حقيقي، راسخ ومنظم ومهيكل حول دوائر سياسية يمكن لها، عندما تسنح الفرصة، أن تشتغل باعتبارها كذلك. تكمن قوتهم في مزابا أيديولوجيتهم المعبئة ونسبة حضور عالية من النشطاء الذين يستمرون لما يقرب من 5 إلى 6 سنوات؛ ينضاف إلى ذلك أيضا انضباط مضمون وهيكلة وطنية، إلخ…
باختصار، نحن امام مجموعة من النشطاء السياسيين المحتملين. ويبقى الجانب الآخر من هوية الحركة متعلقا بالزاوية، وهناك توتر حقيقي بين هذين الجانبين.
حاليا (2009)، يتعايش هذان الوجهان ويعيشان في وئام بفضل حضور الشيخ ورؤاه التي قدمت طريقة لحل هذا التوتر. كان يُنظر إليها على أنها لصيقة بالواقع، ولديها واقع افتراضي وتنتج مشاعر رضا جسدية تقريبا.
لتوضيح هذه الفكرة، رسم الكاتب خطاطة بسيطة: هناك الشخوص، بمن فيهم المستمعون لقصة الرؤية والذين يظهروز فيها: النبي، بنته فاطمه، مولاي عبد السلام، مجلس الإرشاد، الملائكة.
إذا، هناك عمل ومكافأة. وبعبارة أخرى، بشرت الرؤى بنجاحات بعيدة كل البعد عن الواقع السياسي. لكنها، حتى الآن، نزعت فتيل اللعبة السياسية، مع الحفاظ على الضغط على الدوائر السياسية من خلال تحديد مواعيد نهائية واقتراح نظام لتحديد تراتبية لا علاقة لها بالممارسات على الأرض. النشطاء السياسيون يعرفون أن بإمكانهم التعبئة والفوز بالانتخابات المحلية، وأنهم أقوى من حزب العدالة والتنمية في قطاعات معينة. وهم يعرفون أيضا أنهم أكثر اتساقا وانسجاما، ولكنهم لا يستطيعون تأكيد هذه الاعتمادات في “محفظة الرؤى”. والشيء الأكثر إثارة في تاريخ الرؤى أنه ليس من قبيل المصادفة أن يختار العدل نشرها.
كما أن هناك عناصر سياسية جدا ساهمت في مجد الشيخ، تماما مثل هذا الوعد الأسطوري المسيحاني الذي يستجيب قليلاً لميل صوفي. لكنها قطعت شوطا طويلاً في إنشاء الروابط أولاً، وفي تحديد التراتبية داخل الجماعة. وبالتالي، “يتم استقطاب” المستمعين لقصة الرؤية أكثر من غير المستمعين.
في الوقت نفسه، أعطى محتوى الرؤى بخلاف التعبئة والتراتبية، نظرة عن العالم مثيرة للاهتمام. إنها تمثل نوعا من المخرج، وليست مجرد خيال سياسي، حيث ترى المجموعة نفسها في المرآة، سواء في المستقبل أو في الماضي.
ويعتقد الأستاذ الباحث أن العدليين يلجأون إلى الرؤية كلما كان التوتر لا يطاق ويظهر الانقسام بين الحاجة إلى ممارسة السياسة، الحاضرة لدى المناضلين العمليين الذين يتطلعون إلى النجاحات السياسية والريوع التي تنتج عنها كما هو الحال لفائدة الأخ العدو المجاور، والمقصود به حزب العدالة والتنمية وإرادة أتباع النزعة الصوفية.
لذلك هناك حاجة للمماطلة؛ نظرا لأن القائد ليس لديه مصلحة في اتخاذ القرار والخوض في تضاريس لا يسيطر عليها بشكل كامل، وبالتالي تستجيب الرؤية أولاً للحاجة إلى الاستهلاك الداخلي للمجموعة.
(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube