محمد صلحيوي/عضو المكتب السياسي للحزب الإشتراكي ألموحد.

يسعد جريدة حرة بريس الغراء أن تقدم لقرائها وزوارها كلمة الرفيق محمد الصلحيوي بمناسبة الذكرى ال 29 لاستشهاد الرفيق عبد السلام المودن التي احياها المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد بقلعة السراغنة بالتنسيق مع الفرع المحلي
للحزب يوم 7 نونبر 2021..

بالمناسبة،والمناسبة شرط، تحل الذكرى 29 للشهيد عبد السلام المودن عامنا هذا، في أجواء تخليد مئوية معركة أنوال الخالدة التي احتلت مكانة مركزية في فكر المودن، فالجميع يستحضر مقالاته العميقة الدلالة الفكرية/النظرية(جنون الخطابي) والتي أضاف من خلالها خاصية أخرى إلى الخاصيات التي حددها هيجل للشعوب التاريخية،خاصية المقاومة، و الخطابي يقول المودن أحد الأبطال التاريخيين كالإسكندر المقدوني وبوليوس قيصر وطارق بن زياد الذي أحرق سفن العودة.
يعتبر المودن أن الشعوب محتاجة لقادة تاريخيين، و الخطابي منهم، يتخذون قرارات تغير مجرى التاريخ، ويصفه في الوثيقة النظرية(قدمها للمؤتمر الثاني لمنظمة العمل الديموقراطي الشعبي 1990)بالرجل العملاق، وبأنه سبق عصره.
ولعل نص المودن “الزنزانة28” تحمل شيئاً من تلك القرارات، َإن على المستوى الذاتي الخاص بالمدن باعتباره سجيناً سياسياً.
يفتتح المودن الزنزانة28 بمايلي:
(في أوج الشقاء الأسود أسمع الديك يغني
أحمل النصر في قلب كارثتي
أحمل الشمس في ظلامي
(لويس أراغـــــــــون)..
إن اختيار الفقيد عبد السلام المؤدن للصورة التعبيرية للويس أراغون،وبإيغالها البلاغي/الفكري للتعبير عن حجم الصدام بين إرادتين،إرادة تدمير الإنسان،وإرادة تغيير منحى حياة الإنسان ..إختيار متجاوز لماهو ثقافي عام، إلى، ماهو فكري تأملي لعلاقة الزنزانة بالمتواجد داخلها،”إن قانون التناقض يوجد في أحشاء كل شيئ” ( من الوثيقة النظريةالتي قدمها المودن للمؤتمر الثاني لمنظمة العمل الديموقراطي الشعبي 1990)وهوالقائل بأن أبشع ما أوجدته الإنسانية في تاريخ تجربتها هو السجن كمكان لتدمير الإنسان.
“إن اعتقالي أحدث ثورة عميقة في حياة ووعي والدتي، فهي التي كانت بدوية[…. ] اليوم تستعمل في قاموسها اللغوي كلمة بورجوازية بنفس التلقائية التي تستعملها وهي تتحدث عن نهر كايـنو بقلعة السراغنة.”إنه قانون التناقض الذي يخترق كل شيئ؛فالزنزانة28قلبت الوضع إلى نقيضه،من وعي الوالدة الضيق، إلى، الوعي بالصراع الطبقي الكامن وراء اعتقال الإبن.
[….] ” إن صديقتي الألمانية تشبه والدتي من ناحية الوفاء والالتزام. فمنذ أن تعرفت عليها، أو بالأحرى تعرفت علي لم تتخلف عن مراسلتي.إنها تقول بلغة ألمانية أنيقة: يا للسرعة التي يمر بها الزمن!” فالزمن لدى الإنسان خارج السجن،غير الزمن لدى السجين؛إنه العدو رقم واحد بالنسبة للمعتقل، لكنه،وكأي معطى،يحمل في جوفه جرثومة(بلغة المودن)دمار وطأته،
” ليس من عادتي أن استمع إلى الموسيقى عندما أكون بصدد القراءة والكتابة، لكن في تلك الليلة، ليلة مرور 14 سنة على اعتقالي، في تلك الليلة بالذات تملكني شيطان الخروج عن عادتي وخرقها. لقد سيطرت علي رغبة الجمع بين بيتهوفن وتشيكوف. وضعت السمفونية الرابعة في آلة التسجيل، وعلى أنغامها شرعت أقرأ العم فانيا. بهذا النحو رغبت إحياء ـ على طريقتي الخاصة ـ ذكرى مرور أربع عشرة سنة على اعتقالي. .
قرأت الصفحة تلو الصفحة إلى أن أوقفتني تلك الفقرة التي أخذت أتأملها بذهن شارد: تعرف عندما يكون المرء سائرا في الغابة في الليل الحالك، يكفي أن يتراءى له شعاع ضوء من بعيد حتى ينسى التعب والظلام والغصون الشائكة التي تصفع الوجه.”ولأن قانون الأشياء لا يرحم، فإن سبب التواجد داخل الزنزانة28، يصبح موضوعاً للقراءة والتقييم؛والتجربة أفادتنا بوجود مسارين لتلك المراجعة:
مسار التراجع ومسار التصحيح والتقدم.
عبد السلام المودن إختار المسار الثاني” بالنسبة لتجربتي الشخصية في السجن، فقد انطلقت في التفكير في ملء وقت الفراغ في التفكير في وضعي السياسي الشخصي ووضع الحركة السياسية التي أنتمي إليها.”والمعروف لدينا أن المودن لم ينحدر في إنتماءه لمنظمة 23مارس من الحركة الإتحادية أو التحرر والإشتراكية،كان إنتماءه مباشرة لحركة اليسار الجديد.
“إن تفكيرا طويلا في المسألة قادني إلى القناعة التالية:
إن السبب الجوهري لتعطل حركتنا السياسية من وجهة نظري على الصعيد الذاتي يكمن في كون مواقفنا وبرامجنا السياسية توجد بدون أساس فلسفي. وفي غياب الأساس الفلسفي يصبح البرنامج السياسي مجرد ركام من الأفكار المجردة الذاتية والموضوعية.”. ففي مقالة تأسيسية بعنوان(نظرية بناء الحزب الثوري، نشرها بجريدة أنوال) يوجه نقداً راديكالياً لحركة اليسار الجديد،إذ اعتبر ولادته ولادة غير مكتملة، لأنه-اليسار-تبلور كتيار فكري يقف على نفس الأرضية السياسية التي ينطلق منها الإتحاد الوطني للقوات الشعبية والتحرر والإشتراكية،لذلك،كان تطوره تطوراً مشوهاً، والعطب فكري إيديولوجي،متمثل في عدم مغربة الماركسية لتصبجح نظرية مغربية. وانطلاقاً من هذا المأخذ، وجه المودن إنتقاداً راديكالياً ثانياً لحركة اليسار الجديد،ففي مقالة(إشكاليات التحديث والديموقراطية)يعتبر أن عطب العدمية اليسراوية يكمن في عدم قدرتها الإمساك بالجوهر النظري،الموجه للسياسي ، الأمر الذي غيب عنها الإمساك بمنطق تطور المعطى الموضوعي،و المرتبطة بقوى الإنتاج والمهام المطروحة إنجازها.
“.. ومن هنا طرحت على نفسي مهمة تكوين نفسي تكوينا صلبا، وذلك بدراسة علم المنطق الجدلي. لقد قرأت كل ما كتبه ماركس وإنجلز ولينين في مجال علم المنطق، ولدى دراستي لكتاب الرأسمال، اعترضتني إشكاليات نظرية ومنطقية بالغة التعقيد. لقد بذلت جهدا كثيرا لفهمها وحلها بوسائلي الخاصة، لكنني لم أفلح. الأمر الذي دفعني إلى التفرغ لدراسة منطق هيجل. ومع هيجل بدأت رحلة العذاب. لكن بشيء من الصبر والمثابرة أحرزت بعض التقدم في فهم هيجل. وكلما تقدمت في فك الأسرار الهيجيلية إلا واعترضت سبيلي إشكالية منطقية اللغة الألمانية.. إن أبرز إشكالية كانت إشكاليةالمترجمين الفرنسيين، اتخذت قرار تعلمم اللغة الألمانية[….]لم يكن ذلك القرار نابعا من مشكلة الترجمة وحدها، فحبي الشديد لماركس وهيجل قد حفزني لتعلم اللغة التي يكتبان بها ويفكران بها. ثم هناك شيء آخر: كنت أريد أن أتراسل مع صديقتي الألمانية باللغة الألمانية. خلال تلك المسيرة الطويلة الفكرية الشاقة أرهقت دماغي إرهاقا شديدا، وفرضت عليه إيقاعا في العمل يفوق طاقة تحمله مما قادني توا إلى انهيار عصبي حاد جعلني أقف على عتبة الجنون. لكن الأهم أنني بلغت كل أهدافي، وأصبح في مقدوري قراءة ماركس وهيجل وغوته في لغتهم الأصلية، ولقد تمكنت من تصور فلسفي للتاريخ والمجتمع قادر على الصمود في وجه رياح الزمن.”
وإدراكا المودن لفعل الزمن في المدى الطويل،دفعه للتنبيه القوى لمنظمة العمل الديموقراطي الشعبي،الزاخرة، كما قال،بطاقات هائلة، بالتحول إلى مجرد دولاب من الدواليب السياسية، إن لم تطور وتعمق إرتباطه بالشعب؛وبلغة وقتنا التحول إلى دكان من الدكاكين السياسية(الوثيقة النظرية).
إن وصول عبد السلام المودن لامتلاك تصور فلسفي للذات والموضوع، أهله لمواجهة صلبة لزنزانته و للإجابة الصافية الواضحة على سوال:
” متى سأخرج من السجن؟
إن علم ذلك عند أصحاب الأمر والنهي، وبصفتي بشرا، فإنني ككل البشر المسجونين مشتاق شوق كل العشاق إلى تلك اللحظة التاريخية التي أتوحد فيها مع المرأة والجبل والبحر. أما ما أعلمه شخصيا، فهو أن في قلبي وجسدي خزان من الطاقة الهائلة التي تمكنني من الصمود سنين طويلة إذا لزم.”
إن تجربة عبد السلام المودن الفكرية،بوأته مكانة القطبية الفكرية في التاريخ الفكري والنضالي لشعبنا…

الناظور في:5-11-2021

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube