أحمد رباص – حرة بريس

ما زالت فضائح التجسس المثارة في الصيف الأخير تتناسل وترخي بذيولها على المسار السياسي للكثير من الشخصيات النافذة في سائر أرجاء المعمور، والتي وجدت نفسها مدعوة للحضور أمام المحاكم بتهمة استعمال التطبيق المثير للفضائح لأجل التجسس على الصحفيين والمناضلين والمحامين والطلاب والمعارضين السياسيين.
آخر حلقات سلسلة المحاكمات من نفس القبيل تجري أطوارها حاليا في الهند، حيث قامت صوفيا لاندري، مراسلة جريدة “لوموند”، بتغطية ومتابعة أولى جلساتها من نيودلهي.
في مستهل مقالها الذي رأى النور مؤخرا على صفحات النسخة الإلكترونية من هذه الجريدة الذائعة الصيت، كتبت صوفيا أن القضاة أمروا بإجراء تحقيق مستقل بعد الكشف عن نظام تجسس واسع النطاق في شهر يوليوز الماضي، وهو ما ترفض حكومة ناريندرا مودي الرد عليه.
إلى ذلك، تضيف المراسلة أن أعضاء حزب المؤتمر استنكروا استخدام الحكومة الهندية لبيجاسوس في نيودلهي يوم 20 من نفس الشهر المذكور.
لإجلاء الحقيقة وتحديد المسؤوليات في ما جرى، قررت المحكمة العليا الهندية، يوم الأربعاء 27 أكتوبر، تعيين لجنة خبراء مستقلة للتحقيق في استخدام برنامج بيجاسوس ضد الفاعلين المومئ إليهم أعلاه، ومن بينهم راهول غاندي زعيم الكونغرس، الذي كان لمرتين خصما للوزير الأول ناريندرا مودي في الانتخابات الجهوية، توضح موفدة “لوموند” إلى نيودلهي.
بناء على ما ورد في هذا المقال من معلومات، سوف تتكون هذه اللجنة من متخصصين في الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، تحت إشراف قاضٍ متقاعد.
وتخبرنا المراسلة بأن الاختيار، وفقا للقضاة، كان “صعبًا للغاية” بعدما رفض العديد من الخبراء وضع أيديهم في القدر.
وهنا تذكرنا صوفي بكون الكشف عن قضية التجسس واسعة النطاق وقع خلال شهر يوليوز من قبل كونسورتيوم مكون من 17 وسيلة إعلامية، من بينها لوموند.
بعد أيام قليلة، تواصل صوفيا، تقدم تسعة مطالبين هنود كانوا ضحايا التجسس على هواتفهم بشكاياتهم أمام المحكمة العليا. ودعماً لقرارهم، أكد القضاة أن الاتهامات خطيرة بما يكفي، لأنها تمس بحرية التعبير لدى وسائل الإعلام واحترام الحياة الخاصة وأنها تثير “مخاوف مفزعة”، على حد تعبير ريمانا، رئيس المحكمة العليا.
بعد ذلك تشير إلى أن هناك شكوكا حامت حول الحكومة الهندية، خصوصا وأن شركة NSO الإسرائيلية قامت بتسويق تطبيق بيجاسوس للحكومات والجيوش ووكالات إنفاذ القانون والاستخبارات.
وعلى الرغم من الطلبات المتكررة من نظام العدالة الهندي، والتي دامت ثلاثة أشهر، رفضت حكومة ناريندرا مودي تأكيد أو نفي استخدام البرنامج. على النقيض من ذلك، هي تفعل كل شيء من أجل منع العدالة من التحقيق في القضية من خلال التذرع بمقتضيات الأمن القومي. بل إنها اقترحت أن ينشئ القضاة لجنة خبراء خاصة بها، تضيف المراسلة.
بالنسبة لقضاة أعلى سلطة قضائية، لا يمكن للدولة الاستفادة من جواز مرور في كل مرة يهتز فيها عرش الأمن القومي.
في نفس السياق، تحيطنا كاتبة المقال بأن الحكومة الهندية، بعد ظهور قضية بيجاسوس، تهربت كذلك من إطلاق النقاش في البرلمان، كما طالبت بذلك المعارضة، حول “ما إذا كانت الدولة اشترت برنامح بيجاسوس وتجسست به على الهنود”.
من جانبه، أعتقد راهول غاندي، الذي وصف تشكيل لجنة الخبراء بأنه “خطوة جبارة”، أن بيجاسوس شكل “محاولة لسحق الديمقراطية”.
وتلاحظ صوفيا أن قرار المحكمة العليا يبدو وكأنه دعوة صارمة لإصدار أمر للحكومة، إذ يرى القضاة أن الهند لا يمكنها أن تظل صامتة بشأن ما تم الكشف عنه في قضية بيجاسوس، وعليها أن تتعامل معها، على غرار البلدان الأخرى في جميع أنحاء العالم، التي واجهت هي الأخرى هذه الواقعة مع ما ترتب عن استعمال برنامج التجسس من خروقات متنافية مع ما تقتضيه حقوق الإنسان من احترام، (عليها أن تتعامل) معها على محمل الجد.
وختمت مراسلة “لوموند” متابعتها الأولية لهذا الملف بإيراد جزء مما نشرته المحكمة العليا في بيان لها، حيث نبهت إلى أن أعضاء المجتمع الديمقراطي المتحضر لديهم توقعات معقولة بشأن الخصوصية التي ليست الشغل الشاغل للصحفيين أو النشطاء وحدهم، وشددت على واجب حماية كل مواطن هندي من انتهاك حياته الخاصة، مؤكدة أن هذا هو التوقع الذي يسمح لهم بممارسة خياراتهم وحرياتهم، مع نفيها لوجود من ينكر أن مراقبة الإنسان ومعرفته بكونه معرضا لخطر التجسس، كل ذلك يمكن أن يؤثر على كيفية اتخاذه قرارا بممارسة حقوقه.
وفي الأخير، تعلم كاتبة المقال قراءها بأنه تم تحديد موعد جلسة استماع جديدة بعد ثمانية أسابيع، وبأن القضاة يأملون في الحصول على الاستنتاجات الأولى للخبراء قبل حلول الموعد المحدد.
لكن، ما الغاية من كل هذا الاهتمام بقضية تجسس معروضة على المحكمة العليا للهند؟ وبماذا تفيدنا هذه المعلومات الواردة في هذا المقال؟ في إطار الجواب، أرى أنه من المناسب في هذا الصدد التقدم بعبارات الشكر للدكتور المعطي منجيب على تمكيننا من رابط المقال الموزع على شبكة الفيسبوك، وقد صدره بهذه الملاحظة:
“البلدان التي لها مؤسسات، لا حل للإدارة وللقضاء إلا التحقيق في فضائح الحاكمين. أما في المغرب، فيتم الهجوم على كل مطالب بالتحقيق واعتباره خائنا لأنه يعري عورات النظام”.
متمنياتي لكريمة الدكتور المعطي منجيب بالشفاء العاجل، “والله يكعد وسادها”..

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube