أمام التحديات الوطنية المستجدة، تتمظهر الضرورة القصوى غير القابلة للتأجيل، تلكم الرامية إلى تحديد المدخل الثقافي كمفتاح حضاري لإنجاز النموذج التنموي الجديد. إذ أمام ما نشهده من تراجع مهول لقيمة ” الثقافة “٬ بعد تغييبها شبه الكلي عن تأطير جل البرامج و المخططات التنموية قديمة كانت أو جديدة. حيث تمّ اعتبار المدخل الثقافي في أكرم الأحوال، ضمن آخر اهتمامات المعنيين بتدبير الشأن العام.

ممّا ترتَّبَت عنه حالة التّشكي و البُكائية من نوازل التهميش الفَج و الاقصاء المُمنهج، التي لَطالَما رَدَمَا سرديات المثقف المغربي العضوي في غياهب المظلومية الشقيّة حتى غدا يَجْتَر أسطوَانتها المَشروخة إجْترارًا.

إن ضرورة رد الاعتبار للثقافة الوطنية التَّثْقِيفيّة، لَهِيَ بغرض تنوير خطط التنمية البشرية بمكارم التمدن الحضاري و رفعة الذوق الإنساني. و تمتين استثمارها في صميم الخطط الإنمائية المعتمدة، كوسيلة لتأطير السجالات الهوياتية المستعارة، و تحفيز التلاحمات الاجتماعية المفقودة ضمن سياق سوسيو-ثقافي ملموس و مُتَناسقِ العناصرِ. مما يتيح إمكانية تحقيق رواج مشاريع المعرفة الرَّحبَة و الصناعات الإبداعية المُنتجة.

ففي مقابل الاهتمام الأممي المتزايد بالبوصلة الثقافية، تستَشري كوارث تغييب الجواب الثقافي المحلي. و كذا افتقار المؤسسات التنفيذية لأية رؤية ثقافية متماسكة، حاملة لوضوح قيمي ذي أمد قريب أو متوسط أو بعيد. بل .. أنها خزائن الثقافات المحلية٬ قد لا تتاح لها الفرصة الوطنية كَيْ تُنير ظلمات أنفاق البَلْقَنَة الثقافية٬ و تعالج ذيوع السلوكيات الانتهازية، و تمنع اختزالُ جِذْعِ مُرَبَّع الجواب الثقافي في شعبوية المواسم الترفيهية. فيكون مصير المحاولات الوطنية التّثْقيفية الجادة و الرصينة مَقدُورًا بأَسَى الضمور القيمي و نكبة العقل و الجيب. بما يؤدي إلى شيوع الإنزياحات الهوياتية غير المتوازية٬ و هي أخطر من كل أشكال العزوف الذي قد يفرغ هيكل الشعوب من عمودها الفقري الإنساني( المواطن- المحلي). 

و عليه٬ بإسم الثقافات المحلية نناشد مجموع المثقفين بإنسيابية تمثلات المفهوم العضوي النبيل. و ذلك من أجل المساهمة في إذكاء روح المُبادرة التَّثْقِيفِية عبر الهَبَّة المُنَافِحة عن رصيدنا الثقافي الحضاري المثمر، و من أجل الترقي به نحو تحقيق صيانة الهوية المغربية المتعددة الروافد، في أفق ملامسة أَخْلاقِ المَرحَمَة و معرفة مجتمع التنوع البشري.

و ذي حركة لكل المثقفين ٬ إذ أَنها تُصر على مَلحمَتها الثقافية المِلحاحَة. فإنما تدعو إلى هَبَّة المثقف الوطني اعترافا بجَميل إنتمائه للمغرب الأقصا(ى)، و أن لنا كلمة ” ثقافة أخرى” نُبدعُ في تأويل أَحَاديثِها من أجل وحدة الوَطن و التَّوسُّع في الديمقراطية. من أجل التنمية المجتمعية بِأُسِّهَا الثقافي الشعبي، بما أنه حقلُ المواطنة الدستورية الفَسيح٬ و مجال للإنتاجية الخلاقة قد يستحيل العطاء خارجه٬ أو خارج لمساتِه المحلية الخاصة. 

و إنه نداء الوعي التثقيفي، من أجل تجميع الرؤى الإبداعية القادرة على معالجة النواقص الحاصلة بطرح المداخل الثقافية البديلة، حتى لا يتواصل مسلسل تراكم الخيبات، فيظل معها المثقف على هامش كل أشكال التدافع القيمي المشروع. و هو ما لا يتحقق إلا بتقديم مبادرة تثقيفية مسؤولة واعية بقنوات تصريف تجربتها الإبداعية، و بكل أبعادها المعرفية. و ذلك حتى لا ينفصل الفعل الثقافي على العضوية داخل الحراك المجتمعي٬ و يصير الإنتاج الثقافي مجرد بدعة حالِمة.

عن السكرتارية التشاركية
عبد المجيد موميروس
abdelmajidmoumer9@gmail.com

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube