عزيز أمعي –كاتب وروائي

عادت طالبان التي ظلت ولمدة عقدين من الزمن مختبئة في مغارات جبال أفغانستان إلى الواجهة وبعد انسحاب الجيش الأمريكي تمكنت في سرعة قياسية من السيطرة على جميع محافظات ومدن أفغانستان، لتصل إلى العاصمة كابول، وأحكمت السيطرة عليها .

فر الرئيس الأفغاني أشرف غني بأربع سيارات ومروحية، حاملا معه ما استطاع من مال على طريقة بن علي الرئيس التونسي السابق . فرار الرئيس كان له تأثير سلبي على الجنود، الذين فروا بدورهم دون أن يقاوموا، ليتركوا الساحة خاوية لمقاتلي طالبان .

السؤال الذي لا شك أن الكل يطرحه، كيف سمحت الولايات المتحدة لحركة طالبان، التي اتهمتها بالوقوف وراء أحداث 11ستبتمبر2001 التي أرخت لأول هجوم دموي مروع ضد الولايات المتحدة. ضربت أكبر قوة في العالم في عقر دارها، وكان أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة هو المتهم الأول في الهجوم، وبما أن طالبان كانت تأوي هذا الزعيم وتسانده، فقد قرر جورج بوش الابن حينها القضاء على التنظيمين معا، القاعدة وطالبان. أرسل بوش جيشا جرارا إلى أفغانستان، لتقضي الولايات المتحدة عقدين من الزمن مدعومة بمختلف دول العالم في محاربة أصدقاء الملا عمر.

لم تتمكن إدارة البيت الأبيض من القضاء على الإسلاميين المتطرفين، على الرغم من كل ما أعدت من رجال وأسلحة متطورة و ما أنفقت من مال جزيل، لتعرف نفس المصير الذي عرفه الاتحاد السوفياتي سابقا حين غامرا باقتحام أفغانستان للسيطرة عليها ونشر ايديولجيته الشيوعية، مما جعل الولايات المتحدة تساهم في إنشاء تنظيم طالبان. سلحته ودعمته بقيادة بن لادن ليحارب نيابة عنها الروس. وبعد حرب ضروس دامت سنين رحلت قوات الاتحاد السوفياتي عن أفغانستان .

واليوم وكأن التاريخ يكرر نفسه، ويجعل من أفغانستان بلدا يستعصي على سيطرة الكبار رحلت الولايات المتحدة صاغرة من أفغانستان. كيف لنا أن نفهم تخلي البيت الأبيض عن الهدف الذي رسمه لنفسه وهو القضاء على تنظيم طالبان الذي كان سببا في ضرب هيبة الولايات المتحدة في الصميم يوم 11سبتمبر 2001. كيف نفهم السماح لطالبان بالعودة بسرعة البرق للسيطرة على أفغانستان. وكيف يمكن لبايدن ان يوافق على انتصار تنظيم إسلامي لا تعترف به أمريكا عليها. انتصار هذا التنظيم سيعطي أملا كبيرا لكل التنظيمات الإسلامية المتطرفة، كالقاعدة وداعش و بكو حرام في أفريقيا، كي تعود إلى الواجهة، وسيحذوها الأمل في الانتصار في الأماكن التي تنشط فيها كما تمكن تنظيم طالبان من الانتصار على الولايات المتحدة والغرب عموما.

أسئلة كثيرة يصعب الجواب عنها، وبايدن الذي لم تغب عنه هكذا أسئلة، رد مدافعا بقوة عن وجاهة قراره بالخروج من أفغانستان، وأكد أنه لم يندم عليه. وإذا كان الرجل بالفعل مقتنعا بما يقول، فهذا يعني أن الولايات المتحدة، اتخذت قرارها من منظور يخدم مصالحها. قد تكون إحدى فرضيات هذا القرار أن البيت الأبيض قد توصل مع تنظيم طالبان في محادثات الدوحة التي أشرفت عليها قطر،إلى التزام التنظيم الإسلامي بأن لا يهدد أمن وسلامة الأراضي الأمريكية، سواء من قبله أو من قبل أي تنظيم إسلامي أخر متطرف.

قد يكون القرار ينطلق من نظرة شمولية، لما تريد أ ن تصبح عليه الولايات المتحدة في المستقبل في ظل تحولات عالمية أصبحت تنذر بظهور قوى جديدة تهدد بإنزال الولايات المتحدة من عرش سيطرتها على العالم. قد يكون قرار الانسحاب يهدف إلى نشر الفوضى الخلاقة، وجعل العالم الذي يعاني شرقه من حروب ويلات فتن لا تنتهي بؤرة تهدد سلامة المعسكر الشرقي بما فيه الصين. قرار الانسحاب سيضع أوربا بدورها أيضا، تحت ضغط تسونامي المهاجرين من أفغانستان نحو دول أوربا فرارا من بطش طالبان واستبدادهم .

لا ينفع في السياسة على الدوام ترتيب أمور العالم سياسيا من أجل تحقيق الأهداف المتوسطة والبعيدة المدى التي تخدم القوى العظمى، فحتى الفوضى الهدامة قد تفيد في بعض الحيان. هدم كل شي من أجل بناء عالم يظل فيه الضعيف ضعيفا والقوي قويا قد تلجا إليه الولايات المتحدة للحفاظ على مكانتها وكبح جماح كل من يحاول أن ينتزع منها صدارة قيادة العالم .

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube