أحمد راص – حرة بريس

ربما بإيعاز مما قرأته منتصف هذا اليوم على الفيبسبوك، استوحيت فكرة ضمنتها تدوينة كتبتها كما يلي:
القادة النافذون مصرون على نهجهم وتمشيهم غير المناسبين ولو طارت معزة، ولو طرأت أزمة..
تعلمت من تجاربي المتواضعة في هذه الحياة أن أبادر بالعمل غير عابئ بتقاعس من هو أولى بالمبادرة بحكم رتبته ومنصبه وموقعه..
وهكذا اشعر بأني املأ الفراغ وان لي دورا أؤديه في غير نظر واهتمام بما يقع حولي من تكاسل وإهمال..
ألم تلاحظوا ان شبابا وكهولا وشيبا من خروب بلادنا من كلا الجنسين يبررون نفورهم من القراءة بالحالة البئيسة التي توجد عليها البلاد؟ هؤلاء سيظلون على هامش التاريخ طالما أنهم يواجهون واقعا سيئا بموقف سلبي فيزداد الواقع سوءا، أما لو قابلوه بموقف إيجابي لكان أحسن أو نقص سوؤه على الأقل..
الواقع خايب وبنادم اخيب منو، وأنا ما لي؟ خاصني نتحرك باش نصلح أو نساهم في الإصلاح.. اما إذا بقيت مكتوف اليدين مبررا جمودي بجمود الواقع وتكلس العقليات فسوف احكم على نفسي بالإقامة في الهامش..
بطبيعة الحال، حظيت تدوينتي باهتمام الأصدقاء والصديقات، لكن ما حفزني على تطويرها وتحويلها إلى مقال هو التفاعل المكثف مع تدوينتي الذي انخرط فيه صديقي توفيق بوشري رجل تعليم وكاتب روائي.
في تفاعله الأول قال هذا الصديق: لكن العبارة (رغم ما يلف الحياة الحزبية عندنا من غموض) تنسف كل شيء خاصة وأنه يتعذر إيجاد أثر حقيقي للاشتغال الحزبي وها أنت ترى انهيار الرؤى والقطيعة مع الواقع والشعب الهائم في التيه.
رددت عليه قائلا: ألا نقبل (نبوس) الكتاب المجلد؟ انا أتحدث عن المناضلين البعديين ولا أعني أولئك القبليين الذين يريدون كل شيء جاهزا..
للمرة الثانية، تفاعل معي بتعليق مفعم بصيغة التساؤال: وهل يتعلق الأمر بالقبول من عدمه؟ لا مشكلة في الحديث عن المناضلين ووجود المناضلين، ولكن ما قيمة المناضل البعدي في ظل شتات الرؤية؟ ما قيمته في ظل غياب المشروع؟ ما قيمته في غياب تصور جديد لمثقف
عضوي قادر على احتواء الفوضى؟
و في موضع آخر من شبكة الفيسبوك، وجدت صديقي توفيق قد تعفب تدوينتي ليخصها بتعليق جاء فيه أن المشكلة ليست في الفكرة، سي أحمد، بل في تمثلها والاقتناع بها، وهذا هو لب المشكلة خاصة في ظل عالم استهلاكي تمكن من إفراغ الناس من أرواحهم ومن نضاليتهم من أجل مبدأ معين.
لإغناء هذا الجدل الفيسبوكي ولتمديد نفسه، كتبت أقول لتوفيق بوشري: إذا كان الحال كما تقول فعلينا بمقاومته ليكون المآل ربما أحسن لصالح الأجيال القادمة من أولادنا وحفدتنا ..
لم يرد صديقي التوقف عن مجادلتي فانبرى يرد علي بهذه الكلمات؛ هذا ما يحاول البعض أن يثبت عليه في صور عدة مبادرات أغلبها فردي شخصي وتجارب غير مؤطرة لخلق نويات متنوعة للمقاومة والممانعة واستعادة متعة المبدأ والكرامة.
وفي تعليق أضاف محاوري: الأفكار التي تظل بعيدة عن الممارسة والإيمان العملي لا يمكن أن تصنع سوى استعدادت بالقوة غير ذات نفع مباشر.
لكن كلماته الأخيرة كان لها وقع استفزازي على مزاجي، فقلت له: أنت تحكم بانعدام النفع المباشر.. هذا حكم جائر، بعيد عن الواقع.. المناضل الحقيقي دائما يكون لعمله نفع مباشر.. حتى تقتنع بردي وتتخلى عن تشاؤميتك ادعوك إلى الاستماع إلى إحدى الوقائع التي عشتها في خضم التعاون مع جريدة “الاتحاد الاشتراكي” إبان الزمن الجميل. وبينما نحن الأصدقاء، الذين جمعتهم الدراسة وفرقت بينهم سبل الحياة في ما بعد، كنا نحتسي فناجين القهوة وكؤوس الشاي في مقهى “الفصول الأربعة” الكائنة بشارع الحسن الثاني الذي يشطر مدينة المحمدية إلى شطرين، ونتبادل أطراف الحديث إذا بأحدهم يحكي لنا عما وقع له وهو يتجول كأستاذ للفلسفة بين صفوف تلاميذه في ثانوية تأهيلية واقعة بمدينة الفقيه بن صالح، تلاميذه المقبلين على اجتياز امتحان الباكالوريا حيث لمح أحدهم منكبا على قراءة مقال فلسفي منشور بالجريدة سالفة الذكر وموقع باسمي. قال لهم إني سرقت منه الأضواء رغم غيابي جسديا وبفضل حضوري فكريا..ألم يكن مقالي نافعا لهذا التلميذ الذي ظهر من القصة أنه مولع بتوسيع معارفه، غير مكتف بما يمليه عليه الأستاذ في القسم؟

في ختام هذا الجدل اللفيسبوكي، ظهر بجلاء أن محاوري فارس مغوار لا يشق له غبار. فها هو يتجاوب مع تعقيبي الأخير بملاحظة على درجة عالية من الدقة والنباهة حيث كتب: لم نختلف بالفكرة هنا خرجت إلى الفعل والنفع بفضل وجود استعداد. لكن ما أتحدث عنه هو صعوبة اشتغال هذا الأثر المعزول عن خطاب عام ونفع موجه يشمل بالضرورة فئات موسعة ونابع عن عمل يتجاوز مبادرة فردية تنتظر هذه الالتقاطة الشاذة على جمالها. أنا أتفق معك تماما ولكن متى سنتمكن من توسيع دائرة النفع من المصادفة إلى القصدية والنية المسبقة التي لديها أهداف واضحة وتتجه إلى وجهة محددة.

وفي تعليق أخير قال صديقي الأستاذ: توثيق جاد ونقاش مثمر حقا. ما أحوجنا فعلا إلى نقاش مثل هذا متحرر هدفه يتجاوزنا كأشخاص إلى غايات تهم الجميع وتبني تصورا عاما يراجع ويعالج بالموازاة. لا يمكن التخلي عن المبادرة الفردية باعتبارها حصنا أخيرا أمام التمييع والتجهيل. ولكن في الوقت نفسه لا بد من ارتقاء بها إلى عدوى تنحو صوب أفق التعميم.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube