محمد المباركي

تمهيد

لقد طلب مني بعض الأصدقاء المحترمين وهم مشكورين في هذا، سواء كأفراد أو فاعلين في منابر اشعاعية، المساهمة في النقاشات والحوارات الحاصلة بصدد وضعية اليسار المغربي الذي يعاني من الضعف والفعالية الشيء الذي يثير الحزن والألم في جوف كل من عانق آماله الواعدة بالتحرر والعيش الكريم في بلد تسوده الديمقراطية الحقة المبنية على المساواة الفردية والجماعية أمام وداخل القانون المنبثق من إرادة الشعب. آمال تبخرت حسب البعض، كما يتبخر حلم جميل لما يستيقظ المرء من غفوته ليجد نفسه أمام واقع بشع. واقع مزي طابعه الأساسي سيادة القبضة الأمنية لنظام استبدادي، لضمان استمراريته ينهج سياسة قمعية تهضم الحقوق الفردية والجماعية. سياسية مستدامة تسمح المزيد من اغناء الغني ومضاعفة تفقير الفقير الذي يعيش المزيد من القهر والاستغلال. كل هذا في مناخ يعمم ثقافة الجهل وتفسخ الأخلاق. مشروع مناقض لما يدعو اليه اليسار ومن أجله كلف نفسه عناء مواجهته وتجاوزه عبر توعية الجماهير الشعبية الحصن المنيع لمشروعة الديمقراطي لأنها صاحبة المصلحة العليا لأهدافه.

كانت آخر هذه المنا الداعية للمساهمة في الحوار القائم بشأن اليسار، مساره وضعه ومستقبله، المبادرة التي جاء بها منبر اليسار المغربي والنشرة الالكترونية حرّة بريس الملخصة في تدشين سلسلة من الحوارات حول وحدة اليسار ومآله المستقبلي. حوار مفتوح يشارك فيه مسؤولي التنظيمات السياسية اليسارية وفاعلين عاشوا ولا زالوا يعايشون حياة اليسار. مبادرة هادفة تحمست لها، كما هو الحال كلما رأيت فكرة أو عمل فيه خير اليسار والشعب. لكن الحالة الصحية التي أمر منها لا تسمح التركيز طويلا حيث يلزم الاستراحة لمدة تطول أو تقصر. ومنه أصبحت المشاركة المباشرة غير محتملة لانعدام القدرة على المتابعة. لذا ارتأت المساهمة كتابيا بتحرير بعض التخمينات الحرة حول اليسار بشكل عام.

تنبيهات ضرورية

الغاية من التنبيهات التالية هي تنبيه القارئ الكريم الفضاء لذي يجول فيه ما أطرحه بصفته أساسا حوارا مفتوحا. وككل حوار وخاصة منه الحر، فانه ليس هناك تبويب لفصوله كما هو شأن البحث العلمين مع ابداء المراجع والشهادات المعتمدة. لا شيء من هذا، وان فانه سيكون من باب التأكيد لا غير. بمعني أني سأترك الخيال وما احتفظت به الذاكرة التجوال كما بطلاقة متجاوزة مختلف الحدود والضوابط التي تقزم حرية الفكر والرأي. لأن المقصود من هذا المخطوط، مع التسطير على كلمة مخطوط بمعنى تداخل ما هو عقلي بما هو مثالي والموضوعي بما هو لا شعوري حين الصياغة.

تنبيه أول

ان الكاتب أو الباحث من حيث يدري أو لا يدري، يعبر عن مشاعر واحساسات وانتماءات واختيارات معينة. وهذا رغم أراده في التشبث بالعقلانية الصرفة. فهذا “اميل دركايم” واضع أسس علم الاجتماع، أو “ماركس فيبر” واضع أسس علم الاجتماع السياسي، و”لويس هانري مرغن” واضع أسس علم الأنثروبولوجيا، مرورا “بسكموند فرود” واضع أسس علم النفس الحديث وغيرهم من مؤسسي علوم الإنسانية الحديثة. كلهم كانوا يهدفون وضع قوانين علمية محضة، كما هو شأن العلوم الدقيقة والتجريبية كما هو شأن الرياضيات والفيزياء والكمياء… وهذا تأثرا بما حازته العلوم التطبيقية من إنجازات عظيمة خلال القرن التاسع عشر. قرن تأليه الإنجاز الصناعي ومنه إرادة تطبيق قوانين العلوم التطبيقية على باقي ميادين المعرفة، التاريخية منها والفلسفية والطبية وحتى الأدبية عند البعض. ولقد نحت المادية الجدلية التاريخية عند “لودويك فورباخ”، “ميخائل باكونين”، كارل ماركس” و “فردريك أنجل” وغيرهم كثيرون ممن اعتنقوا المادية التاريخية. اعتمدوا البحث العلمي انطلاقا خلفية أيدولوجية الممثلة في الصراع الطبقي ليتوصلوا الى خلاصات تعاكس الباحثين والمحللين البرجوازيّين. الذين هم أيضا انطلقوا من نفس المعطيات المجتمعية والاقتصادية والسياسية للوصول الى نتائج تخدم المصالح المادية والثقافة للبرجوازية السائدة. أما في المجتمعات التابعة مثل مجتمعاتنا العربية الإسلامية، ومنها المغرب، لا زالت تعيش رواسب العقلية والثقافة الاستبدادية اللاهوتية ولم تدخل بعد المفاهيم والقوانين العقلية بما فيه الكفاية للحديث عن مدارس واتجاهات علمية مادية قائمة الذات. كل ما هناك ارهاصات وخلاصات أولية للمناهج العلمية السائدة في المجتمعات الحديثة. هناك مجموعة من الباحثين والمفكرين المتنورين، خاصة اليساريّين منهم، قاموا باجتهادات محترمة في ميدان المادية التاريخية والعلوم الاجتماعية الحديثة.

مما سبق يتبين أن البحث العلمي المحض في ميدان العلوم الإنسانية، خاصة التاريخية الاجتماعية السياسية يستحيل فيه حياد الباحث والمتكلم فيها بدعوى النزاهة العلمية. فهو أي الباحث أو المحلل ملزم، أراد أم لكره، التموضع في مدرسة ومنهجية معية. مما يجعل الباحث او المحلل في المجتمعات التابعة، حيث سيادة الاستبداد لا مخرج له غير التموضع مع أو ضد النظام القائم. هذا الاختيار له عواقبه الوخيمة للذي يقول الحقيقة وينتقد الخروقات الحاصلة، والمزايا المادية والمعنوية بالنسبة للموالي للنظام. لذا اذا كانت أهداف اختيارنا واضحة من النظام القائم، الا أن هذا الوضوح وهذا الاختيار لا يعفينا البحث على الحقيقة التاريخية الاجتماعية والثقافية السياسية وضمنها إيجابيات وسلبيات اليسار المغربي. لأن العملية التنويرية تفرض ذلك، لأن أساسها هو النقد الموضوعي والاستكشاف العقلي.

تنبه ثاني

كما تمت الإشارة الية، النصوص اللاحقة هي عبارة عن حوار مفتوح. حوار مفتوح مع الذات أولا، كيف فهمت الأمور سواء التاريخية، أو التي عايشتها، وكيف أحاول وعيها اليوم. كما أنه حوار مفتوح مع الأخر، هذا الآخر الذي له نفس الإحساس أو عكسه. نفس الاهتمام والتطلّع أو غيره، لكنه مستعد قبول أو نفي ما أعبر عنه وهذا عبر التكامل أو النقد. لأن الهدف هو مسايرة السيرورة التنويرية التي تتقدم وتتعثر. لكن الملاحظ هو ظاهرة تراجع اليسار خلال العقود الأخيرة. والحقيقة أن ظاهرة ضعفه واكبت وجوده إذا استثنينا الفترة الوجيزة التي عقبت تحرر المجتمعات التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار. قد تم فتح بعض الثقب في جليد الجهل الذي كان مخيما لقرون. وذلك أساسا، عبر توسيع دائرة التعليم ومجالات المعرفة. كما أن بوادر النهضة التي بدأت بالشرق العربي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وصل اشعاعها ليمتزج بالإشعاع الفكري الوطني المطعم بما وفد عليه من أفكار التنويرية الآتية من الغرب وخاصة فرنسا. هذه النهضة التي عمت بعض الفئات المثقفة من كتاب وفنانين وبعض المناضلين السياسيّين الذين كان لهم حضورا وازنا على مصير شعوبهم. نذكر منهم سعد زغلول في مصر ومحمد بن عبد الكريم الخطابي والحركة الوطنية بالمغرب.

الشعور الذي يخالج الفرد وهو يعالج مضوع اليسار، شأن من يرمي بنفسه في زوبعة بحر متلاطم الأمواج. حيث حظوظ النجاة لشط النجاة تظهر كأنها مستحيلة. لكن كما قال لسان الدين بن الخطيب:

“جـاءت معـذبي في غـيهب الغـسق

وكأنها الـكوكـب الــدريّ في الأفــق

فــقــــلت نـوّرتــني يا خـيــر زائـرة

أما خشيت من الحـراس في الطــرق

فجــاوبـتــني ودمع العين يســبــقــهـا

من يركب البحر لا يخشى من الغرق”

كمعشوقة لسان الدين التي تزوره رغم الغسق ورغم الحراس، فكذلك الأفكار التي أعشقها تزورني ضدا على ظلمة الجهل المخيم على العقول. وكأني وكأن هيامي بها يوازي هيام لسان الدين بن الخطيب الشهيد من أجل أفكاره. أو كحال أبي الفتح الشهرستاني الفيلسوف المقتول والحسين بن منصور الحلاج المحروق، وغيرهم كثيرون ممن ذابوا في الكلمة فانتصروا لها.

تنبيه ثالث

يخص هذا التنبه الكلمة المشار اليها أعلاه بالضبط. الكلمة مجردة في حذ ذاتها. تعني الشيء وضده أو ما شابه ذلك. تعرّف المشخص والغير المشخص. الكلمات هي مواد الخام، منها تصاغ المفاهيم والتعبيرات كأدوات للبناء الفكري. كما لكل مهنة أدوات اشتغالها. أدوات النجار عكسها عند البنّاء وأدوات الميكانيكي عكسها عند الكهربائي وهاك دوليك. الكلمة أداه التعبير والفهم والاتصال هي في الأصل محايدة. فهي ذات جامدة في الأصل، تنفخ فيها الروح لتصبح حية ذات بأس عظيم. خير مثال لهذا، ما جاءت به الكتب السماوية كفهم مثالي لتفسير الكلمة. وما جاءت به الأفكار الوضعية كفهم عقلي لتفسير الكلمة. تقول في أول ما تقول الكتب السماوية ومنبعها التوراة، والتي لم يخالفها القرآن في هذا، أنه في البدء كانت الكلمة. فالكلمة معظمة بشكل قدسي لأنها أصلا كلمة الرّب الأعظم عبرها خلق الكون والانسان. حيث يقول ” كن فيكون”. هكذا نجد كل الرسل والأنبياء، سواء من كلموا الله تكليما أو من أوحيّ إليهم، يبلّغون عنه بالحسنى أو بالقوة، وهذا حال من تبوؤوا النبوة والسلطان، كداود وسليمان ويوسف الصديق من قبلهما، ومحمد الأمين من بعدهما. (راجع في هذا الباب الكتاب القيم للشيخ علي عبد الرازق “الإسلام وأصول الحكم “. أول آية في التوراة تقول ” الألف واللأّم: ألف وهومك”. كما نجد أو أول آية في أول سور القرآن، بعد الفاتحة: “ألف لام ميم”، علما أن أول ما أنزل على نبيّ الإسلام هي كلمة: “اقرأ ” والقراءة لا تكون الا للكلام. ما معنى هذا؟ معناه أن الثقافة التي تأطر أقوال وأفعال الناس، وتعاملهم حسب الأعراف المتوارثة بينهم والأحكام التي تضبط علاقتهم منبعها المعنى المعين الذي تحمله الكلمات في مجتمع ما. لذا لما أصبحت المطالبة بحرية التعبير هي المطلب الأساسي للحصول على باقي الحريات وعبرها، أي حرية التعبير، يمكن الحكم على كون هذا المجتمع حر أم لا، هل هو بلد ديمقراطي أم لا. حرية التعبير يعني مراجعة محتوى الكلمات لإعطائها معنى ومفهوم جديد يتماشى والتطور المجتمعي. لذا الإسلام هو ماهو عليه المسلمون اليوم وليس ما كانوا عليه في أزمنة غابرة. كما أن اليسار هو ما عليه اليساريّين الوم وليس مانوا عليه في حقب ماضية.

مقابل الفهم المثالي واللاهوتي لمعاني الكلمات والأفكار الناتجة عن بنائها المعرفي، يأتي الفهم الذي يعطيه لها المنظور العقلي. في حين وضعت الكتب السماوية أن كلمة الرب الأعظم هي العليا، جعل العقل كلمة الانسان هي العليا. ومنه يمكن تفسير كلمة ” فريدريك نتشة ” القائلة ” ان الانسان هو من خلق الاله”. ما معناه الانسان هو من حدد معاني الأشياء الظاهرة منها والخفي. وهذا أيضا ما ذهب الية علماء الأنثروبولوجيا وضمنهم دعاة الداروينية، أن هناك حلقة معقدة الادراك الحلقة الرابطة بين طبيعة الانسان الحيواني والانسان البشري. بين الانسان الذي لا يعي ما ينطق به كسائر الحيوان وان كانوا يعبرون ويحسون. الا أن تعبيرهم محدود. عكس الحيوان الغير الناطق، طور الانسان البشري البدائي تعبيره وفهمه للأشياء ومحيطه. وهذا ما يشرح تطور حجم جمجمة رأسه عبر ملايين السنين، لتصل الى ما هي عليه اليوم. خلال هذا التطور في الادراك والفهم سيحصل للإنسان الذي أصبح بشرا أي يفكر، صدمة وجودية كبيرة لا زالت قائمة ليومنا هذا، والممثلة في كونه وعي أن الفناء ملاحقه. لمواجهة الموت المحدق به وهذا عبر خوف أكيد وتفكير طويل في أمره الفاني، استسلم لتصورات غيبية. فتصور نهاية الأمر أنه سيبعث بعد الموت. من أجل هذا المعتقد تفنن، أينما تواجد على وجه الأرض، في صياغة تصورات مختلفة عبر أساطير تخيلها. والتي يكثر الحديث عنها في هذا الحيز من حديثنا. لكن أمكن القول إن الانسان البدائي خلق عدة طقوس وأساطير يؤكد بها أنه غير ميّت لأن روحه أزلية، فمن الأساطير ما جعل روحه الأبدية تتناسخ من جسم لجسم بشري غيره أو لجسم حيوان أو نبات أو حجر أو أننا تتبر لتستقر في السماء تعود حين يطيب لها في صور مختلفة. ومنها ما جعله يبعث في كالم أبدي. لكن رغم الاعتقاد العام، ظلت فكرة الموت تراوض العقول بهذا الشكل أو ذاك، لحد أن بعضهم أخذ يشك في المعتقدات المطروحة. هذا الشك كان يأخذ عدة طرق. منها ما كان يطرح كمعتقد جديد متطور ع كان سابقا عنه. ومنهم من رفض ما هو مشاع، اجتهد بعقله ليصل الى الحقيقة القائلة، أن الانسان ليس في العمق سوى نتاج الطبيعة كسائر المخلوقات وهو بذا سائر للفناء. انها قوانين الطبيعة الحتمية. كل ما هو مطروح، فهم تطور هذه الظواهر الطبيعية، بما فيها النشأة الأولى. كيف جاء الانسان الى الوجود كغيره من الحيوان. ثم كيف تطور عبر خلق ثقافات معينة ومختلفة من مجموعة بشرية لأخرى. وعبر تطور الفهم لذاته وبذاته، توصل الانسان الى إعطاء مفاهيم أخري للكلمات جسدها في الحكمة والفلسفة. ومنه الوصول الى الاعتقاد بعدم وجود الجنة والنار. كل ما هناك حياة فوق هذه الأرض، وواجب البشر هو التعايش، فيما بينهم، بسلم وتآخي. هكذا أخد الكلام معنى عقلي غير ناف للاعتقاد الروحي. لأن الاعتقاد الروحي مغروس في الشعور البشري منذ ملايين السنين. أما مقولة ماركس “الدين عفيون الشعوب”، فإنها أخرجت من عقالها كما أخرجت مقولة “ويل للمصلّين” من آيتها. فماركس قصد في تحليله كيف وظف الاستبداد الدين كمخضّر لعقول الشعب لضمان استمراره في السلطة. هكذا لما تمت التعرية عن خدعة الاستبداد بتواطؤ الكنيسة كمرجعية أيدولوجية دينية، على يد فكري وفلاسفة عصر الأنوار، تخلص الناس من بطشهم. أحسن دليل على ذلك هي القوانين التي جاء بها دعاة الفكر العقلاني اليساري بداية القرن الفائت، حيث أدخلت هذه القوانين العقلية الدين ضمن الحقوق الخاصة بالفرد وبه تمّ إقرار الدولة الفرنسية كدولة علمانية. العلمانية كما سنفصل لاحقا، تعني فصل الدين عن الدولة. والعلمانية في أساسها حماية للمعتقدات من الغلاة والتطرف والاستحواذ على عقول الناس باسم العقيدة. وفي هذا المضمار العقيدة الإسلامية الحقة لا تعاكس العلمانية كما تدعي الاسلاموية وتجار الدين الإسلامي. فهذا” مانويل كانت” أكبر فلاسفة عصر الأنوار، وكذا “فردريك هيجل” أكبر فلاسفة العصر الحديث وكلالهما يرتكز على القوانين العقلية للمادية الجدلية أي الديالكتيك، بمعني الشك كتعبير عن التفكير. “أنا أفكر، اذن أنا موجود” وهو عمق الفلسفة الكانتية. ما معني هذا أن كبار الفلاسفة ومعهم العديد من الفلاسفة والمفكرين الماديّين العقلانيين، كانوا يؤمنون بالوحدانية وأن هناك قوة الاهية تدير الكون. هذه القوة التي جسدها الفلاسفة الاغريق في الطبيعة، والمعتقدات السماوية في الاله الواحد الأحد مبدع السماوات والأرض. كما نجد قريبا منا علامة من حجم “ألبير أينشتاين” الذي فسّر وحدانية الكون بوحدانية الله. و “سكمونت فرود” واضع علم النفس الذي انتقد الدين كحالة نفسية مرضية شاذة، لكنه لم يذهب لحد الالحاد. اذن يمكنا أن نكون عقلانيين، علمانيّين، لأيكين، أي أحرار في أفكارنا، من ذوون أن يمس ذلك بتاتا إيماننا الروحي الذي تقرّه وتحميه المجتمعات الديمقراطية كحق أساسي للمواطنة. لأن حرية الاعتقاد أو عدمه، حق من الحقوق الشخصية.

خلاصة القول إن اليسار أينما تواجد وضمنه اليساريّين بمختلف توجهاتهم الفكرية، لا يعادون الدين في شيء، كما يزعم ذلك غلاة الإسلامية، من اسلامويّين وتجار الدين. لذا من المهام الأساسية المطروحة على اليساريّين خوض معركة تنويرية للرد الإيجابي على الاستبداد الديني كمخضر لعقول الناس وسرائرهم. وأن الإسلام الروحي بريء من الجهل الذي يحاك حوله وباسمه، براية الذئب من قميص يوسف. كما على اليساريّين خوض معركة توضيحية أن الإسلام الحقيقي ليس دين ودولة. انها مغالطة فكرية وسياسية كبرى يلزم توضيحها من دون أن يمس ذلك ايمان الناس. الايمان شيء والمعتقد الديني شيء. الايمان يخاطب الروح أي السيكولوجية الباطنية للفرد التي هي مغروسة في كيانه لحد لا يمكنه العيش والاستقرار النفسي بدونها. والمراد احترامها وصيانتها والدفاع عليها كتجسيد معنوي ومادي للفرد. لكن الدين كمعتقد دهري دنيوي بمعنى دولتي أي قوانين شرعية دهرية فذلك مطروح للتفحص والنقد والتجاوز في الأشياء التي لا تساير حياة الناس في زمانهم الحالي كشعب أو أمة متواجدة في الزمان الراهن بين مجموع الشعوب والأمم. وليس في زمان غابر أو ما تنسجه مخيّلة مريضة، أي انفصام الذات المجتمعية عن الذات الموضعية / الكونية في وقتنا الحاضر.

تنبيه رابع

كتنبه أخير، أمكن القول إن الفسحة التي سنجول عبرها عرض بعض جوانب اليسار المغربي، الفكرية منها والسياسية. التاريخية. سواء ما خص صراعه مع القوى الخارجية أو قوى الاستبداد والظلامية والطبقية في محيطه الداخلي. الذي لا يعفينا كنقد الحديث عن الصراعات الخاصة بمكوناته. ان اليسار لم ينزل من السماء مطهرا بريئا، بل وليد الحركيّة المجتمعية عبر حقب تاريخية معينة وهو بذا يحمل رواسبها المتفشية. فالمنخرطين والمنخرطات في مكوناته وتنظيماته حالهم، حال من يدخل الحمام ليخلع عنه ما علق بجسده من وسخ. لكن إذا لم يعاود الاستحمام والنظافة يوميّا توسخ جسده من جديد. فكذلك المناضل أو المناضلة والعضو والعضوة، اذا لم تكن هناك ممارسة يومية وتفكير يومي لبناء وعي متقدم وجماعي، تفشت الممارسات والأفكار المشينة الدخيلة والتي يريد مقاومتها التنظيم السياسي أو النقابي أو الجمعوي. فاذا تكاثرت كالجراثيم الممارسات والأفكار المشينة طغت داخل التنظيم السياسي ومنه الارتدادات والانحرافات الفردية والجماعية. فمواقع الأفراد كما التنظيمات ليس قارة، لأن اليسار هو قوة التغيير يتفاعل مع المحيط الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يتواجد داخله، يؤثر ويتأثر. وحسب قوة وديناميته الفكرية والعملية / البراكسية بالمفهوم الغرامشي، يمكنه الفعل والتطور، أو بالعكس عدم التأثير بالشكل المطلوب فيتم التراجع عن مواقع التواجد داخل المجتمع.

وطبعا، لا بد من كلمة ولو عابرة لما يروج بين بعض مكونات فيديرالية اليسار الديمقراطي. ليس هذا بصرد الأحداث والأقوال وما أكثر هذه الأخيرة مع قلة الأولى. لكن لإعطاء نظرة عامة والتي يمكن تلخيصها، أن ما يحصل بين مكونات فيدرالية اليسار الديمقراطي، إذا استثنينا بعض النعوت والأحكام الغوغائية المشينة، هو عملية صحية عكس ما ذهب اليه من ينظر الى الأمور في محيطها الصغير دون ربطها بالمسار الجسد اليساري والمجتمعي عامة. وكما تقول الحكمة القرآنية ” الفتنة أشد من اقتل”. وبالفعل وانطلاقا من معاينتي عن قرب لما كان يجري، أمكن القول أنه كانت هناك فتنة داخل المكون الأساسي لفيديرالية اليسار الديمقراطي الذي هو حزب الاشتراكي الموحد، وأن المكونين الآخرين لم يقوما بدور الحياد. ناصروا فيئة على أخرى داخل الموحد، بجعل قرارات الفيديرالية فوق استقلالية الأحزاب، الأمر الذي يتعارض ومفهوم الحزب والتحالف. التحالف مهما وصلت درجته ولو على أبواب الاندماج، لا يرقي لمستوى أخد قرارات تعاند استقلالية القرار الحزبي. قد يحق التأويل كما تقدم به العديد، لكنه يبقى رغم ذلك عبارة عن تبريرات ما دام الحزب لم يحل نفسه فهو سيد قراراته ولو ما خص التي تمّ حولها الاتفاق بين الحلفاء. قد يظهر هذا موقف متحيز لمكون معين، لكنه قبل كل شيء هو بالفعل، تحيز للموضوعية. والملاحظ أنه منذ أخد القرار داخل الموحد، رغم المناوشات والاتهامات التي عقبت القرار بصيانة استقلالية قراره، قد حصلت دينامية حديثة تجاوزت ردود الأفعال لتعم طرح تحاليل ومواقف جادة اتجاه مختلف القضايا. سواء داخل الموحد أ خارجه عبر شبكات التواصل. ما يعني أن هناك طفرة إيجابية، كعملية جراحية أزالت داء الفتنة، لتسرح مختلف الطاقات الكامنة عند المناضلين والمناضلات. سواء من ظلوا متشبثين بالحزب الموحد، أم الذين انسلخوا عنه للالتحاق بالمكونين الآخرين. ولقد لقد عبرت عن موقفي في غير مناسبة، وهذا منذ أن احتد النقاش حول مسألة الاندماج غداة المؤتمر الرابع للموحد. ويمكن الرجوع الى ما كتبت في الموضوع. خلاصته أن الوحدة الاندماجية لمكونات سياسية كالزواج الموفق، تخضع للقناعة الطوعية وليس لمساطير أو قرارات معية. وأكدت أنه إذا كانت هناك قناعة جاهزة عند البعض فليندمجوا في ما بينهم والابتعاد عن فرض ذلك على من لم يصل لتلك القناعة. بعبارة جامعة، الوحدة الاندماجية لمكون سياسي مع مكون سياسي آخر أو أكثر، لا تخضع لمنطق الأقلية والأغلبية، بل للقناعات الخاصة بكل مجموعة. عدم احترام هذا البند المنطقي يدفع الى التهافت على مقاليد التنظيم، مما يضر بالوحدة العضوية للمكون الذي تحصل فيه هفوات أشدها خندقة مجموعات عصبية مكان تيارات حول اقتراحات برنامجيه، مما يتولّد عنه خلق صراعات جانبية تخل بالعلاقة الرفاقية. هذه الصراعات الجانبية هي ما أشرت اليها بالفتنة عندما تحتد حد شل التنظيم. حيث يصبح الصراع مع الذات الحزبية وليس لفرض وجوده في المجتمع والتأثير في سير الأحداث السياسية والاجتماعية. وكما تقو حكمة قرآنية أخرى ” عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”. وهو نفس ما يقوله المثل الفرنسي الشائع “في كل شيء سلبي هناك شيء إيجابي”. المطروح الآن بين رفاق الأمس داخل الحزب الموحد الاحتفاظ بعلاقات نضالية داخل اليسار بهدف فرض ميزان قوى لصالح التغيير الديمقراطي. لأن ما يجمعهم في ساحة النضال أقوى مما يفرقهم. المهام المطروحة على قوى اليسار جد جسيمة تتطلب رصّ الصفوف بالشكل الذي يتلاءم واختيارات كل فصيل أو تنظيم. ان الوضعية المزية التي يمرّ بها المغرب على كافة المستويات السياسية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية تفرض العمل المشترك الواعي لكافة اليساريّين، حتى يتسنى بناء جبهة نضالية عريضة جامعة قوة وفاعلة. هذه الجبهة العريضة لن تتحقق الا عبر توحيد الجهود والتي هي أساسا نضالية واعية، قبل أن تكون تنظيمية.إذا كان التنظيم هو العربة، فان النضال السياسي المشترك هم الخيل. ولا يمكن وضع العربة قبل الخيل. فلتتفتح مائة زهرة.

يتبع

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube