نادية بوشلوش عمران

نعم، لقد مر زمن طويل و أنا لا أعرف اي شيء عنك، صديقي.. و في هاته الليلة، أحببت أن أتلصص ،و أن أدخل عالمك الأزرق، علني أجد خبرا عنك يملأ فضولي و يسكنه و لو قليلا. فأنت يا صديقي تعرف معزتك عندي، و قد تتلمذت على البعض من أفكارك. لازالت رناتها كالجرس في الكنيسة، حينما تدق التانية عشر ليلا.
لا يكفيني، يا صديقي، الصمت ،فقد حرت في أمرك. و هذا الليل الذي يحملني لمتاهات أخرى، بعيدة عن التفكير فيك، يحملني إلى فلسفة الوجود و فلسفة الموت، وأرى بعين العقل، لماذا نتقاتل ونحب كرسيا ونقطع عرقا فيسيح دمه ،و لماذا ولماذا ولماذا نكذب ونحرق الآخرين لنتسلى ونعذبهم أشد العذاب، و في الواقع كلنا طين….
أو لسنا مخلوقات من طين ؟؟؟!!، ومن ماء لزج يخرج ما بين الصلب والترائب؟ و بعدها نتقاتل من أجل ارض، تراب و جغرافية و وطن و هواء و سماء ونحن في الأخير لا نعيش فيها إلا سنتين أو أكثر أو خمسين او سبعين و بعدها نموت ملايين السنين.
تذكرت، يا صديقي، صديقا لي إسمه Candido من القرية Confrides، رجلا مسنا، كان عمله هو دفن الموتى. و في يوم من الأيام كنت بالمقبرة في جنازة، و عند الدفن، أخرج كانديدو، غطاء بلاستيكيا و من حفرة في الحائط أخرج عظاما بشرية، و بهدوء، وضعها في الغطاء البلاستيكي، ثم أدخلها في تابوت ماما خوليا، التي توفيت قبل وقت قصير.
و بعد مرور مدة زمنية، سألت صديقي Candido: ألا تخاف حينما تأخد العظام؟ ألم ترتبك يوما عندما رأيت هؤلاء الموتى، وعظامهم وجماجمهم؟! ألم يقشعر بدنك عندئذ؟
تبسم Candido، وقال لي:
لا، الموتى و عظامهم لا يهددونني ولا يتكلمون عني بسوء، وليست لهم أيتها نية بالغدر. هم مسالمون..فعلا، هذا عملي، و أنا افتخر به.. فقط أنا اقدم السلام للموتى و هم هادئون لا يستطيعون شيأ.. من يؤدي، يا نادية، هؤلاء الأحياء، هنا في المقبرة، أنظم القبور..
كلما مرت خمس سنوات حملت عظامهم، للحفرة الكبرى ،a la Fosa Mayor، بجانب المقبرة، ليرتاحوا.. هم أصدقائي، وأنا لفخور بجميع الموتى، لأنهم مسالمون….
ودعته، و أنا أفكر في هؤلاء الموتى الذين كانوا يوما مثلي، يضخكون، يمشون، يأكلون، يركضون، ولعلهم يكتبون مثلي ولهم إحساس ولهم حياة ولهم أسرة وأبناء وأجداد.
آه، يا صديقي، لكم هي الفلسفة لعينة، عنيدة تدور بالرأي ألف مرة، تطير بي في مساحات التفكير ومن تم الجنون.. و لكم هو الفكر لعين جدا ، يشردني، يحملني معه إلى بحار جبارة، مغرية بزبدها و بجمالياتها وبين ريحها وإعصارها وعواصفها الرعدية، و بمزاجياتها و بعمقها وبسكينتها، فلسفة بحث عن الذات وعن الهوية وعن الحياة وعن الموت، وحتى عنك يا صديقي، ففي زمن الوباء، هناك أشخاص قد إختفوا من حياتي، لم تبق منهم سوى ذكرى عابرة، و رحمة، و خيال شاسع عنهم، رحلوا بدون أن يقولوا وداعا…
نعم يا صديقي، و أنا في خضم الحياة التي توهتني، عاتبتني، لامتني و قصصت أجنحتي إربا إربا، وحركت في كل منابع الحياة. قد يثبت أني غابة، قطعها منشار كهربائي ببرودة، ولربما إحترقت مرارا و عدت شجرة خضراء، ولربما عدت كشجرة عيد الميلاد يا صديقي، مزينة بشتى الزينات البراقة الجميلة..
وحتى أمام مرآتي، وضعت أحمر الشفاه وعلى جفوني الكحل العربي، وعلى رموشي الأخضر والأزرق، ورقصت يمينا و شمالا مائلة مع أغصان شجرة الزيتون ، على أغاني أم كلثوم، و عبد الحليم حافظ، وتناسيتك وأنستني الدنيا فيك ولم تخبرني عنك شيأ..
نعم يا صديقي، في هذه الليلة، صرت أتلصص، كعادتي بين الصفحات، وتذكرت صديقي الكاتب عبد الحق طوع.. فبعدما ما تم تهكير الحساب الخاص بي على الفيسبوك، و بعدما بقيت أربعة أشهر بدونه، و كأنني حية بدون رأس تتلوى، و بعد كل هذا و ذاك، في هاته الليلة، أكدت لنفسي بالعزم على رؤية ماذا جرى لأني لم أعد أرى هنا منشوراتك، منشورات أصدقائي..
نعم يا صديقي،
لقد تلصصت ، ودخلت إلى صفحتك، و عرفت بأنك على فراش المرض، في المستشفى وقد أجريت لك عملية جراحية.. أكيد، يا صديقي، اتمنى لك الشفاء، و لربما لا تعرف بأنني أكتب لك هاته السطور الآن لأقول لك بالشفاءا إن شالله…
نعم،
يا صديقي ، لقد كنت أقرأ معاناتك، حرفا حرفا، سطرا سطرا، و تأكدت من هاته المعاناة، و هذا الحوار النفسي الداخلي المحترق المتألم، الذي يتخبط، يترنح، و احيانا يكون حوارا مسالما عطرا، وكأنك راض عن نفسك وعن الأشياء التي مرت بك في حياتك. شعورك يختلط بالفلسفة و بتاريخك في مدريد و بالمزرعة وبكرامن و بإبنتك عائشة، خليط فيه حب و دفء ومزيج من الآلام المريرة التي عشتها بين الدار بيضاء ومدريد؛ ولربما بعض من السعادة في المزرعة و أنت تعمل وتحكي عن الحيوانات، عن الفرسان وعن الخنازير و غيرهم.. لربما المزرعة، بالرغم من العمل الكثير، قد أعطتك فرصا للسعادة والمزيد من الفلسفة، وكيف كنت تدخل للحانة وتلتقي بالأصدقاء، في القرية الصغيرة، آه من الذكريات يا صديقي…
صدقني يا صديقي، ذكرياتك جميلة، بالرغم من المعاناة، إلا أنها مختلفة، فيها فرح، إستثنائي جميل ،فيه شجن و حب و سحر و ألم لذيذ كلذة الخمر، التي تعطي إبتهاجا، سكرة، وتنسيك الألم و خصوصا، بيرة إسبانيا Servesa, Coniac, Mari brezit و El herbero….
نعم يا صديقي، مرضك و ألمك ومحاوراتك النفسية الداخلية، جعلتني أكتب إليك ، و أتذكر رسائل مي زيادة و خليل جبران ، و كأنها قد عادت للحياة ، ليكتبا من عبرنا ، ولربما كذلك قد تشابهت مع رسائل كافكا إلى ميلينا
نعم يا صديقي ، المرض شيء قاس، وقد ألم بك ، و لو كان الطبيب الجراح الذي أجرى لك العملية، لو كان يعرف ما يدور في رأسك ، لحاول إنقاد تفكيرك من التشتت ومن الرحلة الطويلة الفلسفية ، لكنك يا صديقي طبيب جراح أكثر مهارة من هذا الجراح، طبيب يعرف خفايا النفس ، صائل جائل في الحياة و قد عرفت مقرها وشحنتها والقليل من السعادة، يا صديقي ، أنا مثلك ،او قاب قوسين أو أدنى منك.. تجرعت السم كل صبح، كل ضحى وكل مساء، وشربت العديد من الأدوية و لازالت إستثنائية في يومي، في لومي، في فرحي وفي مرضي ، نعم يا صديقي ، لقد عشقت مذهب تفكيرك و طريقة رؤيتك للأشياء و شاعريتك و ألامك و تقربك من الله و من عيسى و سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، تفكير مخضرم براق في الصورة ، الأقلية هم من لديهم نفس الشيء في الحياة..
نعم يا صديقي ،الموت فلسفة وخلاصة لحياة عابرة، لربما أنت لا تخافها و لا تنهار أمامها، الحياة كما قال Candido كالخمر و كالمرأة الجميلة، و لربما أنا أفكر فيها كثيرا و لربما إقتربت و إبتعدت عنها، الموت شيء دافئ أو بارد ، مخيف مفزع و فراغ من جسد ، من تنفس و استراحة من فلسفة.. تعب من كانوا يتفلسفون فيها بالقسط و بالجنون و بالعاصفة وفي الظلام و في النور، لقد تعبوا و لربما زكوا فلسفاتهم و خواراهم ،او لم يزكوها ،حتى جاء الطوفان و لم تنفع سفينة نوح و لا براءة الذئب من دم يوسف.
نعم يا صديقي ، حينما حكيت عن الخمر وعن العمل على إعدادها ، في قرى إسبانية ، في موسم العنب وإعداد الخمور .. تذكرت Gwadalest القرية الإسبانية السياحية الجميلة و موسمها لعصر الخمور، و تذكرت الفتيات الشقراوات الجميلات و هن بلباسهن الأبيض يصعدن للمعصرة و يرقصن رفسا على العنب ، فتتطاير لطخات الخمر على صدورهن وعلى جيدهن و على فساتينهن البيضاء و هن فرحات بذلك ، و أتذكر روائح الأكلة الإسبانية بالأرز Al Palla, بفواكه البحر و بالحلزون و بالأرانب البرية و بالدجاج.. أمممممم، رائحتها كم هي زكية و على الطاولة الكبرى، أناس يأكلون و يشربون الخمر الأحمر وفينوا طينطوا El Vino tinto و لا كاسيرا la Casera , و يتمازحون و يغنون و يفرحون ،و كأنهم على مائدة العشاء الأخير لسيدنا عيسى، على حسب الديانة المسيحية . حينها يا صديقي تذكرت عناء أبناء شعبنا ، و فقرهم و ألمهم الذي سيبه لهم هذا الوباء وهذا الظلم و هذا الحزن.. حقا يا صديقي ،أمران مختلفان و شيأن لا يتشابهان،
الإسبان بالرغم من كل شيء إلا أنهم يتضامنون و يساعدون بعضهم البعض، و نحن شعب مسلم يا صديقي. نسينا التآزر و الحب و إبتعدنا عن الله كليا، فقدنا الخوف والهلع من الوباء..
يضرني أن ارى هذا في زمن الوباء ،و كل هذا يا صديقي شدني لقصتك و لأدبك و لحوراتك و لفلسفتك ،و أنت لازالت على فراش المرض ولكنك أديب كبير، قطعت أواصر المرض بمحاوراتك الجميلة الراقية وقضيت على الجرح وعلى الألم…
نعم يا سيدي، أنا اللصة التي بحثت عن الحقيقة، وقد كنت أظنك بخير، ولكن لتكن بخير، كما كنت تقول لكارمن Carmen إنك ستكون بخير .

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube