أحمد رباص-حرة بريس

تلقى المصريون بدهشة بالغة كلمات فاسيلي نيبينزيا، مندوب روسيا في الأمم المتحدة، خلال جلسة مجلس الأمن بنيويورك الخميس الماضي، بشأن أزمة سد النهضة الإثيوبي.
وحاول سامح شكري، وزير الخارجية المصري، تفسير رفض موسكو خطاب التهديد بين أطراف الأزمة بما يرضي شعبه وحكومته، معتبرا أن فاسيلي وجه حديثه إلى إثيوبيا لأنه كثيرا ما يصدر عنها تهديد بالملء دون اتفاق أو حمايته ضد خطر افتراضي، أحيانا تكون هناك عبارات تؤخذ بشكل مبهم، يسأل فيها من يصدرها, على حد قوله.
ولم تحل محاولات شكري التقليل من الموقف الروسي – خلال تصريحاته المتلفزة – دون أن تصيب المصريين الدهشة نظرا إلى العلاقات المصرية الروسية التي يشيد بها النظام المصري طوال الوقت، ويتحدث عنها الإعلام المصري بوصفها من إنجازات نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ولعل ما يزيد التساؤلات إزاء الموقف الروسي حدة هو توقيع وزارة الدفاع الإثيوبية اتفاقية تعاون عسكري في أديس أبابا مع وفد من إدارات القوات الفنية للجيش الروسي بغرض رفع كفاءة الجيش الإثيوبي.
وحسب بيان لوزارة الدفاع الإثيوبية، فإن الاتفاقية تستهدف تحديث قدرة الجيش الإثيوبي في المعرفة والمهارات والتكنولوجيا.
يذكر أنه عقب اجتماع مجلس الأمن، أشادت وزيرة الدفاع الإثيوبية، مارتا لويجي، بالموقف الروسي الذي كان مؤيدا لإثيوبيا في مختلف القضايا والساحات الدولية ومن بينها الانتخابات العامة الإثيوبية، وسد النهضة، على حد قولها.
وفي سياق التفسيرات المفترضة، يرى المحلل السياسي محمد أبو النور أن هناك أسبابا محتملة تفسر الموقف الروسي الذي ظهر غير ودّي لمصر. ذكر منها مشاركة مصر بمناورات الناتو وهي مناورات جرت في البحر الأسود يوم 28 يونيو الماضي وشاركت فيها أكثر من 30 دولة، منها 4 دول عربية بينها مصر، وضمّت أوكرانيا العدو اللدود لروسيا.
وشاركت أميركا في هذه المناورات رغم احتجاج روسيا الرسمي حيث رأت في هذه المناورات استفزازا لها وضد الأمن الوطني، إذ صرحت بأنها سترد إذا استدعى الأمر لحماية أمنها، وبالطبع كان لهذا أثر في الغضب الروسي من مصر التي شاركت رغم مطالب روسيا بعدم المشاركة.
وهناك سبب آخر مرتبط بالغاز الطبيعي. فبعد تشكيل مصر منتدى غاز شرق المتوسط عام 2019 والاهتمام الكبير الذي أولته مصر لاكتشافات الغاز والحقول الموجودة، أسفر ذلك عن اتجاه مصر للتصدير إلى الخارج، ومن ثم الدخول في فلك المنافسة على تصدير الغاز، وأصبح ذلك بمنزلة عنصر تهديد لصادرات روسيا من الغاز الطبيعي لأوروبا، وهو ما تسعى مصر لاقتناص جزء من كعكته من خلال نشاط منظمة الغاز في شرق المتوسط.
وأدرج المحلل السياسي ضمن الأسباب المفسرة للموقف الروسي من أزمة سد النهضة التوسع بالقرن الأفريقي، إذ تهتم روسيا بأن يكون لها موطئ قدم في إثيوبيا لمنافسة الوجود الأميركي وتعزيز الاقتصاد الروسي من خلال المشاركة في استثمارات بسد النهضة لذلك, لم تجد روسيا أنسب من إثيوبيا، خصوصا أن أميركا كانت قد أقنعت السودان سابقا بإلغاء اتفاقية مع روسيا لإنشاء قاعدة عسكرية هناك، وكانت روسيا تأمل أن يكون لها نفوذ في منطقة البحر الأحمر.
ولعل ذلك ما حاولت السودان تداركه الإثنين الماضي، عبر زيارة وزيرة الخارجية السودانية مريم المهدي إلى روسيا، حيث أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن خطط إنشاء قاعدة بحرية في السودان تحرز تقدما
وعلى مستوى مواقع التواصل، كان
للموقف الروسي صدى واسع بين الخبراء والمحللين المصريين، حيث تحدث عماد جاد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات عن إلغاء الاتفاقيات الاقتصادية بين مصر وروسيا، وتساءل عن الاتجاه للرد على روسيا من القاهرة بتوقيع اتفاقيات جديدة مع واشنطن التي تتطلع إلى ذلك وكسب تأييدها في ملف مياه النيل بكل تبعاته.
أما الكاتب الصحفي أحمد السيد النجار، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام سابقا، فقد رأى أن روسيا التي تتفهم حاجة مصر إلى مياه النيل ترفض العمل العسكري كخيار لضمان التدفق الحر لها، وهي تحاول إرضاء كل من مصر والسودان وإثيوبيا معا بموقف مائع لا فرق بين وجوده وعدمه ولا يرضي أحدا، مضيفا أن مواقف دول الاتحاد الأوروبي لا تختلف عن الموقف الروسي، كما أن الموقف الإيطالي أكثر قربا من إثيوبيا بخاصة أن إحدى أكبر شركاتها (ساليني) تقوم بالدور الرئيس في تنفيذ السد.
وفي هذا الإطار، أصدر مركز الدراسات العربية الأوراسية المتخصص بالشؤون الروسية ورقة بحثية ذكر فيها أنه في ظل نظام عالمي جديد يتشكل، تحدد القوى الكبرى، ومن بينها روسيا، علاقاتها مع الآخرين وفق معيار قوة تأثير الطرف الآخر- إيجابا أو سلبا- في مصالحها، لا وفق معيار الصداقة والعلاقات التاريخية، أو التوافق في المواقف المعلنة دون فاعلية على الأرض، وبهذه الصورة يمكن فهم طبيعة تحالفات روسيا في المنطقة.
المركز الذي يترأسه المذيع عمرو عبد الحميد المقرب من الأجهزة الأمنية٤ المصرية ذكر أسبابا عدة لما وصفه بانحياز روسيا لموقف إثيوبيا، أبرزها:

لم يعد لدى مصر نفوذ يذكر في المناطق الساخنة التي لروسيا مصالح فيها، أو أوراق يمكن أن تستخدمها ضد موسكو وتخشى منها، بخاصة أن نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحترم خصومه الذين يمتلكون أنيابا ومخالب يمكن أن تؤذي المصالح الروسية حال اختلف معهم، فالنظام الروسي الحالي لا يؤمن سوى بالقوة، لظروف تاريخية وموضوعية، وطبيعة شخصية بوتين وخلفيته التي قدم منها.
إثيوبيا بلد ناهض ولروسيا إرث كبير فيه منذ تأسيس النظام الجمهوري، ويمكن القول إن إثيوبيا الحالية بنظامها السياسي الفدرالي استنساخ من النموذج الروسي البلشفي، وروسيا تريد العودة إلى القارة من بوابتها، واستغلال حالة الجفاء الأميركي مع أديس أبابا بسبب حرب إقليم تيغراي.
روسيا ما زالت تتلمس طريقها في القارة الأفريقية، ولا تمتلك نفوذا يمكنها من فرض رؤيتها الخاصة لحل أي صراع، ولا سيما في موضوع معقد وممتد التفاوض مثل سد النهضة، ومصر فضلت منذ البداية الوساطة الأميركية، وإثيوبيا لا تقبل سوى الوساطة الأفريقية، وسواء أيدت موسكو موقف القاهرة أو أديس أبابا، فلن يغير ذلك من الواقع شيئا، ولكن روسيا تتمسك بما يبدو موقفا حياديا يحمل في طياته تأييدا للرؤية الإثيوبية، ويمكن أن تحقق به مكاسب عدة لمصالحها القومية كما سلف.
ويمكن عزو الموقف الروسي المجافي لمصر والمدلل لإثيوبيا إلى غياب حديث النخب بين مصر وروسيا وعدم وجود علاقات بين المجتمع المدني المصري ونظيره الروسي.
وعند الرجوع قليلا إلى الوراء، نجد أن مصر كانت تعتمد على روسيا لوقف الإجراءات الأحادية لإثيوبيا. غير أن موقف موسكو الحالي يبرهن على أن المصريين يشعرون الآن بأن روسيا خذلتهم.
خلال شهر أبريل الماضي وفي مؤتمر صحفي مشترك عقده مع نظيره الروسي سيرجي لافروف في القاهرة، أعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري عن أمله في وقوف روسيا إلى جانبهم من أجل ربح قضية سد النهضة الإثيوبي لصالحهم.
بهذا الصدد، قال وزير الخارجية المصري سامح شكري إن بلاده تعول على روسيا لوقف الخطوات الأحادية الجانب التي تتخذها إثيوبيا بشأن قضية سد النهضة.
هذا ما خرج به المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده شكري مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، بالعاصمة القاهرة، على هامش زيارة رسمية قام بها لافروف لمصر.
قبل أن تيأس مصر من روسيا، كانت في ما مضى تعتمد على قدرة روسيا على الضغط ضد الإجراءات الأحادية لإثيوبيا بشأن ملف سد النهضة الإثيوبي. وقال شكري إن القاهرة أبدت مرونة في مفاوضات السد.
من جانبه أكد لافروف أن بلاده تولي “اهتماما كبيرا لتطورات قضية سد النهضة الإثيوبي، وتتابع عن كثب الحوار بين الدول الثلاث، للتوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف”.
وأضاف: “نحن مقتنعون بوجود حل لأزمة سد النهضة، قادر على ضمان المصالح المشروعة للدول الثلاث”.
وتابع بقوله:: “نعول على دور الاتحاد الأفريقي في استئناف المفاوضات” ، مذكرا أن بلاده لم تتلق سابقا دعوة للتدخل في ملف السد.
وقبل أسبوع من هذه الزيارة الرسمية، فشلت السودان ومصر وإثيوبيا في التوصل إلى اتفاق بشأن أزمة سد النهضة، خلال مفاوضات احتضنتها عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، كينشاسا.
لكن أديس أبابا رفضت ما اقترحته الخرطوم وأيدته القاهرة من وساطة رباعية ضمت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.
للتذكير، فقد تتزامنت زيارة لافروف للقاهرة مع تقارير إعلامية متكررة عن وشيك استئناف حركة الطيران (الرحلات الجوية غير المنتظمة) من روسيا إلى مطارات البحر الأحمر بشرق مصر، بعد تعليقها لأكثر من 5 سنوات، إثر تحطم طائرة روسية بالقرب من شرم الشيخ حيث قتل 224 شخصا.
وإلى حدود شهر أبريل الأخير، شهدت العلاقات المصرية الروسية، في السنوات الأخيرة، تطورا غير مسبوق، خاصة بعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقاهرة نهاية عام 2017، والتي شهدت توقيع سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية، خاصة ما تعلق منها بالطاقة النووية.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube