منعم وحتي.

في تاريخ الشعوب والحضارات، تبرز بين الفينة والأخرى أفكار ومعتقدات، تتجه أحيانا نحو قتل الأب “ليس بيولوجيا”، ولكن بكل حمولته المجسدة للموروث وسطوة التحكم العقائدي في مسار المستقبل بعقلية الماضي. بالمقابل ظهرت للوجود نصوص وخرافات تاريخية دعت بالمقابل لقتل الابن بكل حمولة الخطيئة والتضحية التي أُلصقت به، كاغتيال للمستقبل ونفيا لتجدد الحياة.

إن نفس العقلية المتأرجحة بين التصورين، ظلت مرافقة لتجاذبات الأفراد والمؤسسات بين إحياء رفات أب سياسي، وقتل نُطفة في مهدها الأول..

لماذا كل هاته المقدمة الطللية ؟ بكل بساطة هي محاولة لفهم بعض التصورات الخاطئة التي تعمل عل تفكيك بناء فيدرالية اليسار.. أحيانا بوعي وغالبا بدون وعي يصل حد لعب دور معاول الهدم.

إن محاوة البعض تبرير هدم تراكم الوحدة في نموذج فيدرالية اليسار، والانكفاء في الحنين إلى الأصول الأولى لمنظمة العمل، أعتبره نوعا من السلفية النفسية، والتي تحكمها نوسطالجيا الزمن الغابر أكثر من تحليل الواقع المتحرك والمتجدد.. فعلا يبقى الأب وحتى الجد بحمولتهما الرمزية، لكن أن تصل أصولية تقديسهما إلى قتل أي جنين تلوح ريادته في الأفق.. فلا يمكن تلخيص ذلك إلا في خانة قتل جذوة الأمل ووأد آمال الشباب في بناء مستقبل واعد.. شباب ونساء تعددت أنهار أصولهم بين اتجاهات اليسار الجديد وتنظيمات القاعديين ومشارب الحركة الاتحادية.. فلا ترهنوا مصير شبابكم بقداسة زائفة للأب، وفي حديث آخر يمكن لسطوة الأب أن تكون مؤنثة.

حتى نحافظ على توازن فكرة قتل الأب أو الابن، دون تحامل يمكن أن يختل به منطق التحليل، فحتى دعاة العودة للروافد الأولى للحركة الاتحادية، كنوع من صفاء الأصول هو أيضا نوع من إحياء الجثت من قبورها، فلقد نحتنا تجارب جديدة، وسالت مياه كثيرة تحت الجسر منذ ذلك التاريخ التي كانت فيه أرض الله واسعة، وهي واسعة فعلا أكثر مما نتوقع، فلقد تجددت مشارب وتجارب الاتحاديين السابقين بشكل غني خارج الجسد الأول، فكراً وممارسة وتناقحا مع اتجاهات اليسار..

إن هذا الجيل الجديد من الشباب والنساء المتعلق بأطروحة اليسار، له خصلة متحركة بشكل إيجابي، فهو مرتبط بتطور نسيج المجتمع المغربي، وتفاعلات الشبكة العنكبوتية عالميا، إنه يحب الوضوح، غير مرتهن لثقافة الشيخ والمريد، جيل يقتل استبداد الأب “ولو مؤنثا” ويحيي فورة الشباب وتجدد طاقاته المستقبلية، جيل يؤمن بالعيش المشترك والتمازج الإيجابي للثقافات والمشارب..

إن مشروع فيدرالية اليسار حقق تمازجا فرض نفسه على كل الذوات المعتلة بتقديس الماضي المشخصن في الأفراد ومؤسسات بائدة.. إنه مشروع المستقبل لليسار المغربي المنغرس في نسيجه المجتمعي، نحتناه بكثير من التعب والحلم، ولن نسمح بانهياره..

فلا يمكن أن نستحم في نفس النهر مرتين.

وكل الاحترام لكل رغبات الانزواء في خيوط عنكبوت كهف الذكريات..

فيدرالية اليسار تتجه نحو المستقبل.. بكل ثبات.. كونوا متأكدين أن الثبات يتلخص في فكرة جديدة بذراع فكري وممارساتي ينهل من أطروحة لليسار متجهة للمستقبل تحترم الأب لكنها لا تقدسه.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube