بقلم عمر بنشقرون، مدير مركز المال والأعمال بالدارالبيضاء

مما لا شك فيه أن النموذج التنموي الجديد أخرج موضوع الجهوية إلى الواجهة وبات تفعيله رهينا بتحقيق إصلاح جهوي حقيقي و فعلي يستجيب لتطلعات المجتمع المدني بمختلف مكوناته الثقافية واللغوية.
لقد أفضت مقتضيات النموذج التنموي الجديد إلى أن التنمية الإجتماعية الشاملة وخلق الرفاه الإجتماعي مبنيان على أساس تطوير الديموقراطية المحلية التي ترعى حقوق السكان المحليين و الإعطاء الفعلي في التسيير الجهوي لمجالس الجهات وكذا التخلص الحقيقي من المركزية الضيقة.
و لا ريب لنا في أن الجهوية هي أساس تدعيم التنمية المحلية، وأن التنمية المحلية هي ضمان للتنمية الوطنية. فمن المؤكد أن الجهوية المعمول بها حاليا في مغربنا الحبيب جهوية سياسية قادرة على الحفاظ على الوحدة الترابية للدولة. و أن سياسة اللامركزية أضحت أهم وسيلة للحفاظ على وحدة الدولة من خلال اعترافها بذاتية المجتمعات المحلية التي قد تكون أقليات سياسية اجتماعية في إطار التضامن والانسجام الوطنيين. ومن التاريخ، نأخذ مثلا الدول التي عانت من المركزية الشديدة الى الديكتاتورية في التسيير والحكم هي التي تبنت أرقى أشكال الجهوية العصرية كإسبانيا وإيطاليا وألمانيا. ومن هذا نستنتج أن الجهوية السياسية، أي اللامركزية، تتوفر فيها مناطق الجهة على سيادتها وبالتالي فهي وسيلة لتحديث الدولة وتنمية عيش المواطنين دون تجزئة سيادتها.
و الجهوية تحت رعاية صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله، هي ضمان التنمية المحلية وبالتالي الوطنية. وتسعى بذلك إلى هدفين: -خلق دينامية في التعددية السياسية والثقافية،

  • الحرص على الاندماج الاجتماعي والتضامن المجتمعي.
    فالجهوية السياسية في بلادنا أساسها دستوري، و تعد أرقى أنواع الجهوية الحديثة في الدول المتقدمة، فهي تمثل سلطة سياسية حقيقية متميزة عن سلطة الدولة. بمعنى أنها جماعة ديموقراطية مسيرة من طرف أجهزة سياسية منتخبة بطريقة مباشرة. و هي أعلى مرتبة في مستويات اللامركزية الترابية إذ لا تتوفر فقط على اختصاصات إدارية وإنما أيضا لها اختصاصات تشريعية وتنظيمية أصلية محددة دستوريا.
    كما تتوفر الجهة باعتمادها الجهوية السياسية على سلطة تحديد نظامها القانوني وطرق عملها وأجهزتها و تتقاسم مع السلطة المركزية الوظائف السياسية خاصة في الميدان التشريعي والتنظيمي.
    و إذا كانت مسألة الجهة تثير تخوفا لدى البعض فإن هذا التخوف من كون إقرار جهوية متطورة من شأنه أن يؤثر على وحدة البلاد، تخوف غير مبرر، إذ أن العكس هو الذي يمكن أن ينطبق على هذه الحالة، حيث أن مركزة القرار فرض وصاية شديدة على الجهات يجعل هذه الأخيرة تتطلع إلى تحقيق أكبر قدر من الاستقلال، يكون مواجها بالرفض، وهنا يكمن الخطر من أن يكبر الشعور بالنفور بين الجهات والإدارة المركزية. لذا فالقول بأن سياسة الجهوية تشكل خطرا على وحدة البلد قول غير صحيح. و الوعي بإدارة شؤون الدولة مركزيا أصبح مستحيلا، إذ أن الحاجات والمتطلبات المتولدة يوما بعد يوم تدعو إلى تبني سياسة جهوية تستطيع أن تكون عاملا للتنمية المستديمة في مختلف المجالات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية وهذا لن يتأتى إذا استمر التعثر في مسلسل اللامركزية بالشكل التدبيري الحالي السياسوي. وفي هذا الإطار، يمكننا القول أن الإدارة المركزية بالنسبة للجهات هي بمثابة الأم الحاضنة التي ترعى احتياجاتها المادية، والحفاظ على علاقة روحية تجمعها بها، إذ تستطيع دعم الجهات الفقيرة عن طريق تحويل فائض الجهات الغنية إليها ورعايتها مثلما تقوم الأم برعاية أطفالها، وبذلك تستطيع الدولة بفضل سياسة جهوية ناجحة القضاء على الاختلالات فيما بين الجهات.
    ترتيب الجهات من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني بملايين الدراهم برسم سنة 2020:
  • جهة الدار البيضاء سطات 32.2%
    -جهة الرباط سلا القنيطرة 16.4%
  • جهة طنجة تطوان الحسيمة9.4%
  • جهة فاس مكناس9.4%
  • جهة مراكش آسفي9.0%
  • جهة سوس ماسة6.6
  • جهة بني ملال خنيفر5.8%
  • جهة الشرق4,9%
  • جهة درعة تافيلالت2,7%
  • جهة العيون الساقية الحمراء1,4%
  • جهة كلميم واد نون 1,3%
  • جهة الداخلة وادي الذهب1.0%.
    ندرك تمام اليقين أن الجهوية أساس تدعيم التنمية المحلية من خلال المشاريع التنموية الإجتماعية والإقتصادية حيث تمكن المواطنين من تنظيم وتدبير شؤونهم المحلية والجهوية في إطار استقلال ذاتي، إداري وتدبيري. و الانتقال إلى دولة الجهات يعني إقامة مجموعة من الجهات تتمتع باستقلالية عن المركز في مجالات محددة أو مفوضة لها من قبل السلطة المركزية.
    إن الحديث عن نوع مغاير من الجهوية، جاء على لسان الملك الراحل في كتابه « ذاكرة ملك » حيث يقول: “إن المغرب بمثابة فسيفساء بشرية وجغرافية، ولهذا الغرض أريد تحقيق اللامركزية لأترك يوما الجهات تتمتع باستقلالية كبيرة على شاكلة المقاطعات الألمانية « لاندر » وذلك سيكون بالتأكيد في مصلحة المغرب، بحيث يكون التنفيذ أسرع والتطور أكثر واقعية، فالمغرب حباه الله بتنوع رائع لأنه يزخر من الناحية الجغرافية بصحراء شاسعة وواحات نخيل وارفة الظلال، وثلوج تكسو جباله وسهول خصبة، فضلا عن سواحل مترامية الأطراف على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ولا ينقصه إلا صقيع القطب الجنوبي”.
    وعندما سئل الملك الراحل عن ما يمكن أن تسببه هذه اللامركزية في تشجيع تصاعد موجة التوتر وبروز نوع من الانفصال، أجاب: ” إن الأمر لا يتعلق بمركزية مطلقة دون أن يكون هناك حد أدنى من الارتباط بالسلطة المركزية، وأثير هنا إحدى الخصوصيات، هي أننا يمكن أن نسير في اللامركزية إلى أبعد الحدود ما دمنا متمسكين برابطة البيعة، فكلما تم احترام هذا الميثاق من طرف الأجيال المقبلة كان بإمكان السلطة المركزية ترشيد الجهات المغربية أكثر فأكثر، لأن المواطن المغربي سيبقى على مر الأحقاب ذلك الإنسان المؤمن الذي يؤدي فريضة الصلاة ويصوم رمضان ويحج إلى بيت الله الحرام، وطالما هذا البلد بلد مسلم، فلن يكون هناك أي خطر، وعندما يصبح بلدا علمانيا، وهذا لن يحدث على الإطلاق، عند ذلك فقط يمكن أن تؤدي اللامركزية إلى التصدع”.
    إن الجهوية، كسياسة تدبيرية للترشيد والتنمية، وكنمط من التفكير والتخطيط الداعم للديموقراطية واللامركزية و رافعة التنمية المحلية لابد – لكي تكون منتجة وناجحة- أن تتوفر لها مجموعة من الشروط البشرية والتنظيمية والترابية الضرورية، والمناخ السياسي والثقافي والإجتماعي المناسب.
    وبتحليل الخريطة الجغرافية للتقسيم الجهوي، يتبين أن الجهات الحالية تشابه إلى حد كبير الجهات التي أنشأها الاستعمار، فالتغييرات التي أدخلها المشرع تمثلت في ضم الحسيمة، تطوان، شفشاون وطنجة إلى جهة الشمال والناظور إلى جهة الشرق، أما منطقة الجنوب فقد تم توسيعها الى ثلاث جهات لتضم معظم الأقاليم الصحراوية.
    دون أن ننسى أن بعض الجهات والأقاليم بالمملكة لا زالت تعيش في عزلةو ذلك بفعل خضوعها للعديد من المراهنات والصراعات وتنازع المصالح التي لا تزال في مجتمعنا لم تنقطع نهائيا.
    ما يمكنني قوله، كون التقسيم الجهوي الحالي يبرز لنا، وخاصة عند تحديده لمكونات، وحدود، ومراكز بعض الجهات كيف أن العديد من المدن والقرى والمناطق لم تستفد مما كان يفترض أن تستفيد منه في مجال الخدمات الصحية والتربوية والإقتصادية وغيرها، وذلك نظرا لما تتوفر عليه من شروط وإمكانات ومؤهلات…غير أننا وانطلاقا من منظور سياسي ونضالي متفائل وحذر ومن رؤية ثقافية، نعتقد أن التقسيم الجهوي الحالي، رغم سلبياته وثغراته المسطرية والتنظيمية المتعلقة خاصة بالمراقبة وأساليب اتخاذ القرار على مستوى الجهة يمكن أن يكون منطلقا إيجابيا للإصلاح والتجديد متى توفرت له الشروط المواتية المؤسسة على وعي اجتماعي يطمح إلى تدعيم ممارسة اجتماعية وسياسية جديدة بالفعل، ومكرسة للمصلحة الوطنية العليا، لا للمصالح الفئوية أو القبلية الضيقة، مما ينتظر منه أن يكون مظلة للتنمية المحلية و الإجتماعية.
    واظن أنه بات من الضروري إعادة النظر في التقسيم الجهوي الذي لم يتوفق في تحقيق التوازن بين الجهات والانسجام الداخلي لكل جهة حيث نلمس مجموعة من العيوب منها:
  • العدد الكبير للجهات (12 جهة) مما يؤثر على حجمها وأهميتها الإقتصادية. 
     – تكوين الجهات على أسس إقليمية تراعي الاعتبارات الإدارية والسياسية أكثر من الاعتبارات التنموية والإقتصادية. 
  • إعادة النظر في تمثيلية الغرفة الثانية من البرلمان المغربي لأن دورها لا يختلف كثيرا عن مثيلتها الأولى، ولهذا السبب يجب أن يتحول دورها لتمثيل الجهات، وهذا التمثيل السياسي للجهات في هرم الدولة أي في القمة سوف يدعم وجودها السياسي ويجعل الجهات بالتالي تساهم في اتخاذ القرار السياسي على المستوى الوطني.
     – إصلاح جهوي يرتكز على ثلاث مبادئ أساسية:
  • تحديد الجهات وحدودها على أساس شروط كفيلة بخلق نمو مستديم (منفذ بحري- ثقافة متنوعة- منطقة صناعية- منطقة تجارية- مطارات)
  • إسناد سلطات واسعة للجهات، وهذا لن يتم إلا بتفعيل الأجهزة التنفيذية.
  • توزيع الصلاحيات بشكل عمودي، أي التعهد بمنح الهيئات الجهوية وظائف تشريعية وتنفيذية ومالية مما لاشك فيه أن يسبق هذا الاستناد تمييزا للمهام الوطنية والجهوية حيث يعتبر في هذا الصدد تحويل الصلاحيات التي تهم ميادين التنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية كتنشيط الإقتصاد الجهوي الشغيل، التعليم، التكوين المهني، البحث العلمي، الصحة، النقل، السياحة والمحافظة على البيئة أمرا حكيما.
    وقد جاء الخطاب الملكي السامي في إطار الحكامة الجيدة والديمقراطية المحلية و يقول في هذا الإطار عقب تنصيبه آنذاك للسيد عمر عزيمان (كان اختيار جلالة الملك للسيد عمر عزيمان، ليس فقط لما عهد فيه، من كفاءة مهنية وحنكة دبلوماسية وتجرد سياسي، والتزام تام بروح المسؤولية العالية، بل لخبرته السابقة كسفير للمغرب باسبانيا و اطلاعه على تجربتها في هذا المجال): “ومن هذا المنظور، فإن الجهوية الموسعة المنشودة، ليست مجرد إجراء تقني أو إداري، بل توجها حاسما لتطوير وتحديث هياكل الدولة، والنهوض بالتنمية المندمجة.….وإننا ننتظر من هذه اللجنة، إعداد تصور عام، لنموذج وطني لجهوية متقدمة، تشمل كل جهات المملكة؛ على أن ترفعه لسامي نظرنا في نهاية شهر يونيو القادم. وكما سبق أن أكدنا على ذلك، فإننا ندعو اللجنة إلى الاجتهاد في إيجاد نموذج مغربي – مغربي للجهوية، نابع من خصوصيات بلدنا. وفي صدارتها انفراد الملكية المغربية بكونها من أعرق الملكيات في العالم. فقد ظلت، على مر العصور، ضامنة لوحدة الأمة، ومجسدة للتلاحم بكافة فئات الشعب، والوقوف الميداني على أحواله، في كل المناطق.
    كما أن المغرب يتميز برصيده التاريخي الأصيل، وتطوره العصري المشهود، في انتهاج اللامركزية الواسعة. لذا، يجدر باللجنة العمل على إبداع منظومة وطنية متميزة للتنمية الجهوية؛ بعيدا عن اللجوء للتقليد الحرفي، أو الاستنساخ الشكلي للتجارب الأجنبية التي لا تشبه تشكيلات. و غايتنا المثلى هي التأسيس لنموذج رائد في الجهوية بالنسبة للدول النامية، وترسيخ المكانة الخاصة لبلادنا، كمرجع يحتذى به، في اتخاذ مواقف وطنية مقدامة، وإيجاد أجوبة مغربية خلاقة، للقضايا المغربية الكبرى. هذا وقد حدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس مرتكزات الاصلاح الجهوي في أربعة محاور رئيسية:
    أولا : التشبث بمقدسات الأمة وثوابتها، في وحدة الدولة والوطن والتراب، التي نحن لها ضامنون، وعلى صيانتها مؤتمنون. فالجهوية الموسعة، يجب أن تكون تأكيدا ديمقراطيا للتميز المغربي، الغني بتنوع روافده الثقافية والمجالية، المنصهرة في هوية وطنية موحدة.
    ثانيا : الالتزام بالتضامن. إذ لا ينبغي اختزال الجهوية في مجرد توزيع جديد للسلطات، بين المركز والجهات. فالتنمية الجهوية لن تكون متكافئة وذات طابع وطني، إلا إذا قامت على تلازم استثمار كل جهة لمؤهلاتها، على الوجه الأمثل، مع إيجاد آليات ناجعة للتضامن، المجسد للتكامل والتلاحم بين المناطق، في مغرب موحد.
    ثالثا : اعتماد التناسق والتوازن في الصلاحيات والإمكانات، وتفادي تداخل الاختصاصات أو تضاربها، بين مختلف الجماعات المحلية والسلطات والمؤسسات.
    رابعا : انتهاج اللاتمركز الواسع، الذي لن تستقيم الجهوية بدون تفعيله، في نطاق حكامة ترابية ناجعة، قائمة على التناسق والتفاعل.
    وانا اغوص في كتابة مقالي هذا، إذ تخامرني أسئلة في نظري تبقى مهمة: هل كان علينا الإعتماد على التاريخ لتعزيز جغرافية الجهات؟ هل يمكننا تنمية الجهات بمشروع مبني على قاعدة جهوية تتيح الانصهار في كيان ديموقراطي تعددي لكنه موحد، إطاره اللامركزية والوحدة الوطنية؟ جوابي الشافي، نعم ذلك هو الحل الوحيد لبناء مغرب قادر على مواجهة ما ينتظره من تحديات التنمية الإجتماعية الشاملة التي جاءت في تقرير لجنة النموذج التنموي الجديد. جوابكم؟ أنتظره في التعليقات.
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube