ترجمة أحمد رباص -حرة بريس

بمناسبة صدور كتابه الجديد «الذكريات تأتي للقائي»، قام كرستيان ديكمب وتيفين سموايو وجان فرانسوا دورتيه بزيارة إدغار موران. تَطرقوا إلى الأحداث واللقاءات التي شَكَّلته، والأفكار والمعارك التي يُصِرُّ عليها. لكنهم تحدثوا أيضا عن مستقبل ومشاريع هذا الشاب الأبدي الذي يبلغ من العمر 100 سنة انطلاقا من يوم أمس ثامن يوليوز. من أجل إشراك قراء حرة بريس الاحتفال بهذه الذكرى المئوية لميلاد إدغار موران، نقدم لهم هذا الحوار مترجما للعربية.
جان فرونسوا دورتيه: كتابك هذا الذكريات تأتي للقائي- يُقَدِّمُ نفسه ككتاب ذِكْرَيات وليس مُذَكِّرات؟ ما الفرق؟
إدغار موران: المُذَكِّرَات تُقدم نفسها عادة مثل سيرة، حيث يتَّبِع الكاتب ترتيبا زمنيا لا يحيد عنه؛ وهي تتطلب أيضا عملا توثيقيا حول تاريخه الخاص من أجل إعادة تركيب مسار حياته، حتى وإن كان مجرد تركيب مُصطنع في جانب منه. كتبت هذا الكتاب بنفس الحرارة التي أتتني بها الذكريات. فهي ليست معروضة وفق ترتيب زمني. هذه الذكريات «أتت للقائي» كما يُعَبِّرُ عن ذلك عنوان الكتاب. لاحقا، أعدت إعطاء نوع من الترتيب من أجل النشر، لكنني أردت الاحتفاظ بهذه الحرارة الأولى وتركيز اهتمامي على الأشخاص، واللقاءات، والأحداث التي تركت الأثر الكبير في حياتي. والتي قامت بتكويني.
ج.ف.د: الترتيب الموضوعاتي يسبق، في الحقيقة، الترتيب الزمني. وهكذا، فمواجهة الموت، كحدث لا يمكن توقعه إلا في الصفحات الأخيرة، حاضرٌ منذ البداية: مع قصة طفل صغير وُضع مبكرا في مواجهة موته الوشيك.
إ.م: فعلا، فقد صادفت الموت في وقت مبكر للغاية، منذ المرحلة الجنينية. كانت أمي تعاني من مرض قلبي، وكان ثمّت خوف من عجز قلبها الضعيف عن تحمل عملية الولادة. عندما وجدت نفسها حاملا، تناولت أدوية من أجل إجهاضي: وبالتالي فقد مررت بجانب الموت في مرة أولى. كانت ولادتي مواجهة ثانية مع الموت، لأني وُلدت مخنوقا بالحبل السري. تَطَلَّبَ الأمر عدة دقائق من أجل إنعاشي. فقط في اللحظة الأخيرة، كما سرد أبي الواقعة لاحقا، حيث تمكن الطبيب من إعادتي إلى الحياة. هذا الحضور للموت لم يترك في ذاكرتي أي أثر واعٍ طبعا؛ في حين أن موت أمي عندما كنت في سن العاشرة، كان فاجعة مُؤَسِّسَةَ: فقدان للمُطلق أرغمني على العيش دون مُطلق. بعد ذلك، واجهت الموت مرة أخرى عندما كان عمري ما بين 20 و25 سنة إبان فترة المقاومة. هذا هو السبب الذي جعل هذه القصة تبدأ بالموت. فقد أصبح لا يفارقني منذ وقت مبكر للغاية. باكرا جدا، فهمت بأن الحياة والموت لا ينفصلان.
ج.ف.د: بالمناسبة، الموت يُشَكَّلُ موضوعا لأحد كتبك «الموت والإنسان» (1951). واحدة من أطروحاته تقول بأن البشر، في كل الحضارات، قد قاموا بتأسيس مُتَخَيَّلٍ حول العالم الأخروي : فَهُم ينفون الموت من خلال أساطير خلود الروح.
إ.م: نعم، وقد سبق للمتخيل أن ساعدني في البقاء على قيد الحياة بعد وفاة أمي. فقد غصت في عالم الرواية والسينما طلبا للنجاة من واقع مرير لا يُحتمل. بعدها، اكتشفت بمناسبة تأليف كتابي «الإنسان والموت»، الدور الأساسي للمتخيل في التاريخ البشري. وهكذا ابتعدت عن النظرة الماركسية التي تجعل من الأفكار مجرد «بنية فوقية» تنهض فوق بنية تحتية مادية. المتخيل ملازم للوجود البشري. بطرق شتى: بداية، المتخيل يضفي سحرا وشاعرية على الحياة، وهو، علاوة على ذلك، مرتبط بشكل حميمي بالحياة من خلال أحلام اليقظة، والتنبؤات، والآمال، والمشاريع، والطوباويات؛ وأخيرا، وهنا تكمن المفارقة، يُعتبر الخيال سبيلا من سبل الولوج إلى المعرفة. الرواية والسينما ينتميان إلى مجال الخيال، إلا أن هناك أنواعا من الخيال تملك قدرة هائلة على جعلنا نكتشف حقائق يتعذر علينا إدراكها من خلال الاحتكاك المباشر بالواقع.
ج.ف.د: على ذكر الروايات، أحد فصول الذكريات مخصص للحديث عن الكتب التي بصمت شبابك و»غيرت حياتك».
إ.م: نعم، قراءة بعض الروايات شَكَّلت مُنَاسَبَةَ من أجل اكتشاف حقائقي الخاصة. من خلال أناتول فرانس (Anatole France) ومونتني (Montaigne)، اكتشفت شكوكيتي (scepticisme) الخاصة. الأعمال التي تؤثر فينا هي تلك الأعمال التي تفصح لنا عن أشياء نحتفظ بها في دواخلنا دون امتلاك القدرة بعد على صياغتها. حاجتي إلى الإيمان والبوح بمكنوني، وجدتها عند كل من تولتستوي ودوستيوفسكي. بالمناسبة، أعدت مؤخرا قراءة رواية «السلم والحرب»، تُحفة مُطلقة، والتقيت، مرة أخرى، بنفس المشاعر والأحاسيس التي اجتاحتني خلال قراءاتي الأولى.
ج.ف.د: هذه الذكريات تُمَثِّلُ أيضا ذكريات مسار حافل بالالتزامات السياسية: المقاومة، تليها الشيوعية، حرب الجزائر، ماي 68، اليسار، الإيكولوجيا و«السياسة الحضارية».
إ.م : لا أحب كثيرا كلمة «التزام». فهي توحي بالتَّحَزُّب وحتى بالحرب؛ فنحن «نلتزم» داخل حزب كما نلتزم داخل الجيش. ومع ذلك، فلم أُمض بين أسوار الحزب الشيوعي إلا بِضعة سنين. قُمْتُ بسرد وقائع هذا الالتزام في كتابي «نقد ذاتي» . في المقابل، طيلة حياتي، وجدت نفسي منغمسا في أحداث تاريخية أُقحمت داخلها عنوة. أجد نفسي مَحْمُولا في خضم المغامرة البشرية.
ج.ف.د: هذه المعارك قادتك إلى القيام بالعديد من اللقاءات، مع مثقفين وشخصيات. كتاب الذكريات هذا، يُمكن النظر إليه كرِواق يَعرض بورتريهات أشخاص معروفين أو مغمورين : نصادف بداخله أساتذتك القدماء، مقاومين، مثقفين وكُتَّاب تركوا بصمة في حياتك.
إ.م: كانت نيتي الأولى هي تأليف كتاب حول «أصدقائي وأبطالي» . بعض الأبطال، هم كذلك في الأدب أو الفكر، والبعض الآخر هم شخصيات استثنائية. كان هذا حال ميشال كاييو (Michel Caillou)، بيير لوموان (Pierre le Moign)، هذا «البطل ذو الابتسامة اللطيفة»، أو ويبالدو صولانو (Wibaldo Solano)، الذين كانوا رفقاء في المقاومة. في فترة المقاومة أيضا، تعرفت على فرونسوا متيران (François Mitterrand) : كان حينها رئيسا للخلية التي كنت مشاركا ضمنها.
إحداث لجنة المثقفين المعارضين لحرب الجزائر، والتي كُنت من ضمن أعضائها، منحتني فرصة مقابلة أندري بروتون (André Breton)، وهي مقابلة تركت بصمة عميقة في حياتي. في سنوات الثمانينات، اقترحت على فرونسوا متيران إنشاء «بلاط السريالية»، وهو مشروع لم ير النور مع كامل الأسف (المشروع موجود في ملحق الذكريات).
ج.ف.د: نجد أيضا في هذا الكتاب بورتريه لأشخاص استثنائيين من أمثال جين بلوم (Jeanne Blum)، زوجة ليون بلوم (Léon Boom).
إ.م: قابلت جيان بلوم في سنوات الخمسينات، وقد أُخِذْتُ بطيبتها. من خلالها، تمكنت من الحصول على شهادات مؤثِّرة وحميمية حول ليون بلوم نفسه. تركت جيان انطباعا عميقا بداخلي من خلال نبلها، صدقها وكرمها. هناك أشخاص يتمتعون بأهمية بالغة لأنهم يمنحون وجها للكرامة الإنسانية. كانت جيان تمتلئ إنسانية. في أحد الأيام، هاتفتني من أجل قول وداعا : أبلغتي بأنها تعتزم المغادرة «نحو سويسرا». لم التقط حينها فحوى الرسالة الخفي. لقد غادرت في اتجاه سويسرا من أجل وضع حد لحياتها؛ كانت تعتقد بأنها عاشت بما فيه الكفاية ولا حاجة إلى إثقال كاهل أقاربها. جيان بلوم تُعد من الأشخاص المجهولين الذين بقوا في الظل، وأردت، من خلال كتابي هذا، تكريمه.
كريستان ديكامب:في الستينيات،أجريتم بحوثا ميدانية في بلدة بلوزيفي،حيث نقف على دخول الحداثة إلى إحدى بلدات بيغودن. فهمتم آنذاك براعة الناس الذين يمتهنون في الغالب مهناً متعددة من أجل الاستمرار في الحياة إبان اندثار الصناعات التقليدية البسيطة.
إدغار موران:إننا ندرك بوضوح أن إتقان مهن متعددة هو شكل من أشكال مواجهة تدفق اقتصادي تصعب مقاومته،وهو ما أعرض عنه العديد من الباحثين.لقد شاركت في بحث متعدد التخصصات،لكن برامج البحث التقليدية كانت تحجب عنا أمورا مهمة:أن النساء المهتمات بالنظافة والصحة لعبن دورا رئيسيا،خاصة على مستوى تطور الإيقاعات والعادات.من ناحية أخرى كان هناك ضعف اهتمام بالشباب.إلا أن بذور 1968(أحداث مايو 68)يمكن الوقوف عليها في هذا المكان مثلما هو الأمر عليه في المراكز الحضرية.لذلك،ظلت العلاقة بين الشباب والراشدين خفية.لقد انصب عملي على محاولة إجراء بحث حول هذا البلد الذي قضيت فيه أكثر من عام،بعيدا عن الخطاطات الجاهزة قدر المستطاع.كنت ألاحظ مثلا وجود صيدليين اثنين،وبقالين،وطبيبين:عندما كسبنا ثقة المبحوثين،علمنا أن الواحد منهما خاص بالحمر والثاني بالبيض.فقد ظل المجتمع محافظا على هذه القطيعة التي تطبعه.
كريستيان ديكامب:في هذه المرحلة كنتم قريبين جدا من كاستورياديس.
إدغار موران:لقد سلكنا نفس الطريق في”الميتا- ماركسية .كنت أرغب في تجاوز ماركس مع إدماجه واحتوائه.وما كان يقربني أيضا من كاستورياديس هو كونه يمنح المتخيل مكانة مركزية.عندما كتبت”الإنسان والموت“(1951)، اكتشفت أمرا في غاية الأهمية:كنت أعتقد بداية أن الحتميات ذات أساس اجتماعي واكتشفت الدور الهائل الذي يلعبه المتخيل.النقطة الثانية المشتركة بيننا هي فكرة الإبداعية. كريستيان ديكامب:الإبداعية ليست مجرد تطوير لأشياء معطاة سلفا،وإنما هي خلق أصيل وجذري.نلمس حضورا لهذه الموضوعة في أفكاركم حول التنظيم الذاتي.
إدغار موران:في تلك المرحلة المسماة بنيوية،حيث لا أحد يقبل الحديث عن الذات،عن التاريخ،كنا مغايرين ومخالفين جدا.لكننا حافظنا دوما على مواقفنا.فقد كان كاستورياديس محللا نفسيا،وذا توجه اقتصادي أكثر مني.لم نكن نستخدم نفس المصطلحات،نفس المعجم.وفيما يخصني،كنت أفضل مفهوم التنظيم-الاقتصادي-الذاتي.
كريستيان ديكامب:رؤيتكم للعلوم تأخذ في الاعتبار أزمة الأسس.والواقع أن العلوم المعاصرة تخترقها قضايا وأسئلة فلسفية.
إدغار موران:بالفعل،هناك أزمات أسس الكون،والمجتمع والمعرفة مترابطة فيما بينها ويجب علينا التفاعل مع خصوبة وثراء هذا التركيب أو التعقيد.
كريستيان ديكامب:كنتم،أنتم المعجبون بهيراقليطس Héraclite،تفضلون اتباع طريقة قادرة على احتواء واستيعاب التناقضات.
إدغار موران:يفرض علينا التاريخ أن نجمع بين ماركس وشكسبير Shakespeare.فالغطرسة لا تظهر فقط في سلوكات مجانين العظمة،وإنما هي التي دفعت مجتمعنا الغربي نحو القوة العظمى الشاملة والمفرطة.لا يمكننا إقامة تعارض بين الجنون والعقل؛هناك تداخلات بينهما يصعب تصديقها.لقد كشفت مدرسة فرانكفورت بما فيه الكفاية عن أوهام العقلنة.لذلك يبدو لي أنه من المهم جدا الجمع بين أفكار تبدو متعارضة.فالإنسان العاقل Homo sapiens هو في نفس الوقت الإنسان المجنون Homo démens.ولعله من المهام الأساسية للفكر،الكشف عن إمكانية التكامل بين أفكار متعارضة.لقد ورثت هذا عن هيغل Hegel،لكن بعد تعديله.إننا نتغذى ونعيش على المتناقضات التي لا تقبل التجاوز دائما بواسطة الجدل.ورثت هذا عن باسكال Pascal أيضا،ذلك الأنتربولوجي الوحيد الذي أدرك أن ما هو إنساني هو نسيج من التناقضات.نجد حضورا لهذا في الأدب كذلك.
تيفين ساموايو:غالبا ما يستخدم مفهوم التركيب الذي قمتم بصياغته نظريا،في مجال الدراسات الأدبية.هل تفترضون صلاحيته في مجالات أخرى؟
إدغار موران:الرواية مركّبة،والأدب مركّب،لذلك يمكن أن يكون المتخصصون فيهما في حاجة لهذا المفهوم.إلا أنه بالنظر إلى أن ما يميز التخصصات المعرفية هو الفصل بين الخيوط التي تربط بعضها ببعض،فإن التركيب يظل في الغالب محجوبا عنا،باستثناء علم مثل الإيكولوجيا الذي يدرك أنه لا يتقدم إلا بمعية العلوم الأخرى.وغني عن البيان أنه لهذا السبب لم يجد له موطئ قدم بعدُ في رحاب الجامعة.
تيفين ساموايو:من المؤسف أن نرى إلى أي حد ظلت الجامعة سجينة الفصل بين التخصصات.ففي نفس الوقت نجد أن لمؤلفاتكم وقع اجتماعي وثقافي كبير،لكن الجامعة تنآى عن مشاركتها.
إدغار موران:الجامعة الحديثة لم تر النور إلا بعد كارثة الثورة الفرنسية و(عصر)الأنوار.فقد عمل هومبولدت Humboldt في بروسيا على إزاحة وإقصاء اللاهوت وإنشاء التخصصات.والنموذج الحالي هو نموذج مصطنع،شأنه في ذلك شأن اللاهوت.ونحن نحتاج إلى ثورة ذهنية كحد أدنى لتغييره.هناك إدارة يزداد ثقلها باستمرار.في أواخر حياته،انصرف رولان بارث Roland Barthes عن السيميولوجيا المجردة متوجها نحو الأدب المشخص،نحو لذة النص.ولعل الرواية هي الأكثر تركيبا.وكما أوضح ذلك ميلان كونديرا Milan Kundera،فالأدب هو المرصد الوحيد الذي يسمح بمعاينة الوضع البشري في مختلف مظاهره.عندما أكتب،وحتى عندما كتبت مؤلف المنهج،فأنا ألعب بالكلمات،أشعر أني كاتب.
كريستيان ديكامب:إن الطلاق بين العلوم والفلسفة لم يحدث إلا في وقت متأخر.والواقع أن كبار الفلاسفة جميعهم،كانت لهم ثقافة علمية حقيقية،وذلك إلى حدود إدموند هوسرل Edmund Husserl على الأقل.والعديد من الفيزيائيين المعاصرين يجهلون أعمال غاليلي Galilée،وكم من فيلسوف لا يعرف أي شيء عن علم عصره.
دغار موران:نشهد اليوم تفقيرا في مجال الثقافة العلمية والإنسانيات humanités.وجاك مونو Jacques Monod وفرانسوا جاكوب François Jacob يشكلان استثناء.إنه من الجوهري أن نحافظ على مبدإ الانعكاسية(انعكاس المعارف على بعضها البعض).لنأخذ مثلا كارل بوبر Popper،باشلار Bachelard،توماس كون T.Kuhn،هولتون Holton …لا يفكر العلماء كثيرا في هؤلاء الذين يفكرون في العلم.أنا لست ضد التخصص؛وإذا كنت أصف نفسي بأني عابر للتخصصات،فلأنني بالفعل،في حاجة إلى تخصصات،لكنها تخصصات تتواصل فيما بينها لمعالجة القضايا الكبرى.وإذا كان الأمر خلاف ذلك،فلن نحصل سوى على علاقات بين خبراء:فهؤلاء يسجنون أنفسهم في الغالب،في حدودهم المكتبية-التقنية bureautico-technique ..ريستيان ديكامب:يوجد التركيب في مجال التاريخ،وفي السياسة.لنأخذ مثالا على ذلك:لقد انخرطتم إلى جانب ماسكولو Mascolo وناضو Nadeau ضد حرب الجزائر.هنا واجهتم العلاقات المعقدة والبناءة بين جبهة التحرير الوطني والحركة الوطنية الجزائرية.في نهاية الخمسينيات خاطبكم الناشر الشهير جيروم ليندون Jérôme Lindon قائلا:”ليس الوقت مناسبا لتعقيد الأمور”،فكان ردّكم:”ليس الوقت ابدا مناسبا للتركيب”.
إدغار موران:هذا ما يحدث لي في الغالب:أن أكون واحدا من الأقلية في معسكري.لقد تم تقديم صورة كاريكاتورية عن مصالي الحاج Messali Hadj.وعندما كنت شيوعيا وكان يتم وصف التروتسكيين بالخونة،كنت أتمرد وألتزم الصمت.في مقابل ذلك،أشعر بالفرح لكوني استطعت تحمل بعض لحظات العزلة.عندما شاركت في المقاومة وكان مساعدي ألمانياً،كنت أناضل ضد الصورة الكاريكاتورية عن الألمان باعتبارهم أغبياء وعنيدين”boches”.
تيفين ساموايو:كان لديكم نفس الوضوح في الموقف إزاء قضية كرافتشينكو Kravtchenko أيضا.
إدغار موران:إذا كنت قد نجحت في بعض الأمور،فذلك راجع إلى كوني تعلمت مقاومة الضغط الذي تفرضه التوجهات العامة.هكذا،وأثناء تنامي التوجه العام نحو الحرب الأولى على الخليج،كتبت مقالات لأقول:لم لا نقترح لقاء دوليا بهدف معالجة مختلف قضايا الشرق الأوسط؟هذا الأمر أقلق نوعا ما فرانسوا ميتران François Mitterrand الذي أقام حفل عشاء خاص على شرفي ليقنعني بضرورة مسايرة الأمريكان !هذه القضية أصبحت سمّاً تاريخيا.
كريستيان ديكامب: في الستينيات تابعتم حركة”yéyé”(حركة موسيقية شبابية ظهرت سنة1961 في فرنسا).وفي 1968،كتبتم بالاشتراك مع كلود لوفور Claude Lefort وكورنيليوس كاستورياديس كتاب”La brèche”(الفجوة).كنتم شديدي الاهتمام بكل ما يعتمل في الواقع من أحداث.
إدغار موران:لم تكن مقولة الشباب آنذاك مقولة سوسيولوجية.قبل 68،استشعرَت بعض مقالات(كتاب)”الاشتراكية والبربرية Socialisme et Barbarie”المراجعات الجذرية العميقة للأدوار التقليدية.وبعض الأفلام،أفلام جيمس دين James Dean مثلا،كانت تكشف لنا عن عدم رضى وتذمر الشباب.ينبغي الانتباه للرموز والعلامات الصغيرة والدقيقة.
تيفين ساموايو:علاقتكم بالسينما شكلت فضاء للتعريف بقضايا الشباب.وساهمتم بشكل مباشر في ذلك مع جان روش Jean Rouch في(فيلم)”يوميات صيف Chronique d’un été”(1961).هذا الاهتمام كان يضعكم على هامش رجال العلم،ووقفتم فيه على حركات غاية في التعقيد والتركيب.
إدغار موران:لقد كانت أمورا ملهمة.فقد اكتشفت الواقع في المتخيل،والمتخيل في الواقع.اكتشفت حرب 1914 في(فيلم)”لا جديد في الغرب،صلبان الخشب”.وفهمت بأن السينما فن هائل لا يقدَّر حق قدره في المجال الثقافي.
تيفين ساموايو:بعد فيلم”يوميات صيف”،لم تكن لديكم رغبة في الإسهام في أفلام أخرى.
إدغار موران:بلى،لكنني انتبهت إلى أن المنتج،بعد الفيلم المشار إليه،كان يريدني أن أشارك في فيلم مستوحى من كتاب”عن الحب”ل ستاندال Stendhal.وافقت في البداية،ثم رفضت بعد ذلك،لأن الحب يعالج في المتخيل أفضل بكثير.كنت أنوي الاشتغال على فيلم من خلال”إلى أين يتجه العالم؟Ou va le monde”،فيلم يتكون من مشاهد كبرى لوجوه تتكلم فقط.بدأت مع فرانسوا بيرو F.Perroux،لكن الأمور لم تسر على ما يرام لأنه كان أكثر صمماً مما أنا عليه الآن.بعد ذلك انتقلت إلى الفكر المركّب.
تيفين ساموايو:في سردكم عن كتابة”المنهج”تقدمون هذه الفكرة على أنها نوع من الإلهام أو الجذبة.
إدغار موران:أعتقد أن هذه هي حالة أي كاتب.إنها جذبة هادئة،أو حالة نفسية معدلة بحيث تجعل الإبداع والتخيل ممكنين.وأنا أزداد إيمانا بهذا الإرث ما بعد الشاماني post-chamanique للجذبة.
كريستيان ديكامب:كانت السريالية تعلي من شأن الحب.وهذه الحركة الأساسية معترف بها من طرف الجميع وفي مختلف البقاع.في الثمانينيات كان لديكم مشروع إقامة قصر السريالية.
إدغار موران:بالنسبة لي،تعتبر السريالية حركة على درجة عالية من الأهمية،لأنها أكّدت أن الشعر يجب أن يعاش..وقد كان شوستير Schuster المقرب من بروتون Breton،يفكر في إقامة قصر السريالية الذي لن يكون متحفا وإنما فضاءا حيّاً.كما كانت إليزا Elisa،أرملة بروتون،مستعدة لتقديم الشيء الكثير.وعندما فاتحتُ ميتران في الموضوع،لم يبد أي حماس يذكر،فالسريالية لا تدخل في تكوينه الثقافي.حاولت جاهداً،بمساعدة ميشيل دوغي Michel Deguy،لكن دون جدوى.إلا أن هذا لايعني حتماً أن الفكرة قد ماتت.
كريستيان ديكامب:إحدى مقارباتكم الأولى للتركيب تزامنت مع حضوركم لدرس جورج لوفيفر Georges Lefebvre عن تاريخ الثورة الفرنسية.أدركتم أن رؤية المؤرخ للماضي مشروطة بسياقه التاريخي الخاص.باختصار،إن المؤرخ،مثل أي ملاحظ آخر،يجب عليه ملاحظة ذاته وهو يمارس الملاحظة.
إدغار موران:ركز أولار Aulard على تاريخ للثورة من وجهة نظر برلمانية مفرطة.وجوريس Jaurès وضع تاريخا اشتراكيا(…)وفوري Furet الشيوعي المناهض للستالينية،رأى في الثورة الفرنسية كارثة عظمى كان يمكن لفرنسا تفاديها.لكن لا شيء انتهى.(ثورة)1789 لا تفتأ تعود.
كريستيان ديكامب: لنذكر في الختام شخصا تحبونه كثيرا،إنه نيلز بور Niels Bohr،يقول:”الحقيقة السطحية هي منطوق نقيضه خاطئ،والحقيقة العميقة هي منطوق نقيضه هو أيضا حقيقة عميقة”.
إدغار موران: أحب نيلز بور كثيرا.والواقع أن كل ما أفكر فيه صدر عن جهة ما.فأنا لم أخلق أي شيء يذكر،بالمعنى الدقيق للكلمة.ما هو أصيل،هو فقط طريقتي في الجمع بين الأفكار.

  • المصدر الأصلي للحوار:
    En attendant Nadeau, Entretien avec Edgar Morin, par Christian Descamps et Tiphaine Samoyault,10 septembre 2019.
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube