مصطفى الزين

ربما لم أكن محظوظا ، إذ لم أدخل أسواق المواشي والأبقار إلا متأخرا ؛ حتى كنت في تلميذا في السلك الثاني ثانوي ..أما أسواق الحمير والبغال ، وما شابهها من أسواق الانتخابات وصناديقها ، فلم أدخلها أبدا ، حتى يوم الناس ، والبقر الهراوي ، هذا . ويبدو أن رؤية ورؤيا ذلك الوزير الأرسلاني الجديدي ، قبل أكثر من ثلاثين سنة ، عندما تنبأ أن المغرب ، بحمد الله، سيصبح كله بقراً ..؛ هي رؤيا،ورؤية استراتجية، على وشك التحقق الفعلي قبل النموذج التنموي الجديد، هنا والآن ..

في أواخر السبعينات ،كان أبي -رحمه الله- أحيل على التقاعد ،فكان مضطرا إلى أن يعمل بمبدأ (حرفة بوك ليغلبوك) ، فعاد إلى حرفة جدي جزارا رغم أنفه ،فبدأت أدخل معه غمرات أسواق المواشي من أغنام وأمعاز وأبقار..فعرفت أن شراء بقرة أو عجل مثلا ،يقتضي ما يقتضيه شراء سيارة أو شاحنة من توثيق وتعاقد ، بل يقتضي كتابة عقد أشبه بعقد الزواج الذي يسمى “عقد النكاح” ؛ فإذا ما اشتريت عجلا مثلا، بسوقنا، فعليك أن تتوجه أنت وبائعه ، إلى ركن مَكْدَمٍ معلوم ، حيث يوجد مكتب السي عبد الكريم- رحمه الله – الذي يحرر لكما عقد البيع ، أو الشراء، باسميكما ونوع (العرْض)أو الشاة البهيمة ، ولونها و أبرز شياتها ، والثمن..، تماما كما في عقد الزواج ، من مقدم مدفوع ومؤخر مرفوع..وربما الشهود ..فلا يبقى إلا اسم العروس أو العريس الذي لا ينطق إلا ( موووه مووووووه..)لترتفع الزغاريد والصلاة على النبي..وحدث ، ذات سوق ، أن ابتاع أحدهم عجلا وعجلة ، فكتب السي عبد الكريم عقد نكاحهما ..ودمغه بتوقيعه الذي يشبه تماما (بَخُوشة ) العدول..ففهمت لِمَ كان أخي الأكبر يلقب سي عبد الكريم (قاضي البقر ) ..
وفي كل سوق من أسواق المواشي والأبقار ،كان هناك من يوازي سي عبد الكريم ،ممن يوثق ويشهد ويكتب لك،أنت المشتري جواز البقرة أو الثور أو البهيمة، مقابل الصنك المعلوم الذي يذهب إلى صندوق الجماعة أو لمن اشترى منها السوق، لا يمكنك ،في الغالب الخروج ب(طواحتك) أو ب(عواقتك) تجرها، إلا بعد أن تدلي بالعقد المعلوم، رغم أن من يقف بالباب ، في الغالب أميٌّ لا يميز بين الألف والزرواطة ، ورغم أن جل المتبايعين كانوا أميين أو أشباه ذلك ، بل إن جل المتسوقين وآباءهم لم يكن لهم ما به يثبتون هويتهم ،بل كان أغلبهم متزوجين بقراءة الفاتحة وبالشاهدين،دون عقود نكاح موثقة عند الكتبة العدول..ولنفترض أنك خرجت ببقرتك دون عقد كريمي ، فمن يدريك أن تكون مسروقة؟ فقبضوا على السارق البائع فجاء بهم إليك يدلهم،أو جاء صاحبها يشد بخناقك ويصرخ حتى يجتمع عليكما،والبقرة، كل من بالسوق ، فلا ينفعك أنذاك إلا جواز البقر الذي دسسته بجيبك أو بقبك ،تخرجه إليهم ،حتى لا تضيع منك بقرتك أو ثمنها، وربما لحمها ولو كان على والوضم قديدا.

ودعني أستطرد بك معي، دائما في سوق البقر ولقاح كورونا الذي تشرف عليه بهمة وزارة الصحة ووزارة الداخلية،وكل حكومتنا بما فيها وزارة الأوقاف والشؤون والشطون..وتُعد للقطيع هذا جواز البقر الكريمي الافتراضي الرقمي ،في إبداع على غير مثال مسبوق ؛ كنت عند بدء ملحمة التلقيح الوطنية ، تابعت فديوها يسأل فيه صحافي أحد الكسابة إن كان (دار الجلبة)..فأخبره البدوي: أي نعم جلبت ..ولكن الصحافي انتبه متأخرا إلى ما بينه وبين الكساب من سوء تفاهم ،وأن هذا إنما يتحدث عن قطيع أبقاره الذي جاء له بالبيطري فلقحه، ولست أدري إن كان اللقاح لقاحا ضد وباء أو آفة كجنون البقر ،أو حمى الطيور ، كطير بگار/ النحام؟ أم أنه لقاح بقراته بماء الثور الفحل النجيب المعبأ المحقون ؟
فصاح “الصيحافي” بالبدوي : راني نسولك انتا !..انتا،راسك، واش اجلبت؟ ،درت اللقاح؟ فقال البدوي غاضبا : مالي أنا بگرا ،باش نجلب؟
نعم ،أيها البدوي ؟ لتعلم أن بقراتك ستجوز ، وتجتاز البوبات والسدود والحدود..؛ لأنها مجلوبة ،ولكنك أنت، أيها المقلوبة عليك القفة لن تجوز ولن تجتاز حتى تنتظم في القطيع المدجن المحقون المجاز بجواز البقر الكريمي الافتراضي المختوم..فكم سوقا وموسما وفرجة فوتها على نفسك، ومثلك كل بدوي،أو حضري أو هذري مثلي ،إن كان غير مجلوب ملقح موثق ” بعقد اللقاح ” الذي لا يقل أهمية عن “عقد النكاح ” فلتدرك نفسك قبل أن تظل ، وتَضِلَّ عن قطيعك الوطني معزولا محظورا محجورا.

لمَ لم تبادر ، وتستجب ، عندما كان التلقيح اختياريا، وليس اضطراريا..؛ إذ لا شيء عندنا اضطراريا مفروضا- بحمد الله- ؟ وإني لأعرف أنك ستذكرني بتلك الواقعة التي جرت لك مع سيدك القديم، قبل نعمة المحمول وما شابه من نعم الاتصال والتواصل ..عندما بعثوك تبحث عنه ، فوجدته في جلسته الخاصة، ناشطا ،حركت فيه الحميا حمية الكرم والأريحية ،فأراد أن يكرمك ..فخيرك بين الويسكي والنبيذ ..وبعد أن ألح عليك في حرية وضرورة أن تختار،وأن ترفع الكلفة بينكما ، اخترت ، بعد لأي ، كأس ويسكي.. مشيرا للكأس التي في كفه ، لكنه فاجأك وخيبك: عندما طلب لك كأس الأتاي ،قائلا: (أعطه أتاي احسن، أَ لحْسن)، ولهذا فأنا أفهم لازمتك صيحتك التنفيسية الرمزية : (أييايْ ..أييايْ..طلبنا ويسكي اعطونا أتاي)! .. إنهم ، فعلا، يخيروننا ، من كرمهم ، ثم يختارون هم لنا ما هو مناسب ملائم ،كما في الانتخابات عندما نفشل في اختيار “المُورشِّيح” ،وليس مستبعدا أن يبتدعوا لنا “جواز الانتخاب” مثلما أبدعوا ، على غير مثال سابق ، “جواز الالتقاح” الرقمي الإلكتروني..
كم كان غبيا ذلك الجُنسونْ الرئيس الإنجليزي عندما عول في التصدي لوباء كورونا على ما سماه “مناعة القطيع ” ،ولم يستشر البلدان الخبيرة في تدبير قطعان البشر وقطعان البقر على حد سواء، كبلدنا الذي خزن ومخزن مئات السنين من الخبرات في سيكولوجيا القطيع، لا الجماهير، ويعرف أن القطيع يجب أن يلقح قولا فعلا ، من الأكبر فالأكبر ،وأن يضبط ضبطا بنظام وانتظام ،وأن يعلق في عنق كل دابة مواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *