ترجمة المقال الصادر عن جريدة كونفدنسيال

فاطمة الزهراء فراتي مديرة حرة بريس اسبانيا

الرباط تقطع التعاون في مكافحة الإرهاب مع باريس والتجسس الفرنسي ينتقم باللجوء إلى تويتر للكشف عن مئات الوثائق المغربية السرية

وفجأة، بداية من الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2014، ومن حساب مجهول على تويتر (@chris_coleman24)
تدفقت إلى هذه الشبكة الاجتماعية العديد من البرقيات السرية التي قدمها عمر هيلالي، سفير المغرب لدى الأمم المتحدة حول الصحراء الغربية، و التي ضمت حتى رسالة توصية لابنته من طرف وزير الشؤون الخارجية صلاح الدين مزوار.

و بين الصعود والهبوط، ، وحتى الأيام الأولى من عام 2015 ظهرت مئات الوثائق من الدبلوماسية المغربية وجهازها السري الخارجي و المديرية العامة للدراسات والمستندات DGED، إلى جانب بعض الرسائل أو الصور الخاصة، مثل تلك التي أُخدت من حفل زفاف الوزيرة مباركة بويدا، وكلها غير ذات أهمية. و قد أعرب المغرد المجهول عن تعاطفه مع جبهة البوليساريو وادعى بالفرنسية أنه يريد “زعزعة استقرار المغرب”

وبعد ست سنوات، لم تعد الشكوك حول من يختبئ وراء ذلك الحساب المجهول، الذي استخدم اسم مدرب فريق ويلز لكرة القدم ،
تشير الى شاب هاكر صحراوي انفصالي أو الى أجهزة المخابرات الجزائرية، كما أدان العديد من الوزراء والصحفيين المغاربة في ذلك الوقت. بل تستهدف المديرية العامة للأمن الخارجي للمخابرات الفرنسية DGSE.

بدأ غضب الرباط على باريس في 20 فبراير/شباط 2014 عندما طرق سبعة من ضباط الشرطة القضائية الفرنسية باب مقر إقامة السفير المغربي في باريس حيث كان يقيم عبد اللطيف حموشي رئيس المديرية العامة للرقابة الجهوية، و نخبة الشرطة المغربية التي تؤدي نفس مهام اللواء السياسي والاجتماعي في عهد فرانكو. وقد اتهم الحموشي بتعذيب اثنين من المغاربة المقيمين في فرنسا وسجن صحراوي في سلا. وكان أحد القضاة يريده أن يدلي بتصريحه. فرفض وهرب بسرعة قبل أن يأمر القاضي بالقبض عليه.

وقد اتخذ الملك محمد السادس والدائرة المقربة منه قرارا بقطع التعاون القضائي مع باريس في اليوم نفسه وأعلنوه في بيان. كما علقوا التعاون في مكافحة الإرهاب على الرغم من أن الرباط لم تعلن عن هذا القرار الثاني.
في ذلك الوقت كانت فرنسا تتعرض للإرهاب والكثير من الهجمات التي أصابتها و التي ارتكبها أوروبيون من أصل مغربي.

ثم فرضت أعلى السلطات المغربية على فرنسا عقوبة مماثلة لتلك التي فرضتها للتو على ألمانيا في شهر مايو/أيار الحالي، وهي العقوبة التي تفكر أيضاً في تطبيقها على أسبانيا للمرة الثانية.
كانت الاولى في أغسطس 2014. حيث أكد الشرقاوي هابود، مدير المكتب المركزي للتحقيقات القضائية، اليوم الأربعاء، في مقابلة مع صحيفة “رو 20” الرقمية، توقيف التعاون مع برلين.
كما حذر من ان دخول ابراهيم غالى زعيم جبهة البوليساريو الى اسبانيا ” يهدد بوقف التعاون فى مجال الامن بين البلدين ” .
بعد ثلاثة أشهر من قطع الرباط مع باريس في 24 مايو 2014، كشفت صحيفة “لو 360″، وهي صحيفة رقمية مغربية، عن اسم رئيسة المخابرات الفرنسية المعتمدة في الرباط في المغرب كسكرتيرة ثانية للسفارة الفرنسية في المغرب. واضطرت المرأة، وهي مقدمة يلقبها زملاؤها ب “ل ليونا”، إلى مغادرة البلاد على عجل.
جريدة ‘Le 360’ وفقا ل ‘Le Monde’ هي مقربة جدا من منير مجيدي، السكرتير الخاص للملك محمد السادس.

عد شهر واحد من هذه الواقعة، في الخامس والعشرين من يونيو/حزيران 2014 أجرى مصطفى أديب، أحد أشد المعارضين للنظام الملكي العلوي، للمرة الأولى، مقابلة مع التلفزيون العربي “فرنسا 24” الذي يعتمد على جمهور كبير في المغرب العربي و الذي يخصص له مساحات كبيرة. ظهر أديب ، وهو نقيب سابق في القوات الجوية، يندد بالفساد في صفوف الجيش، حيث انتهى به الأمر في المنفى في باريس، و منذ ذلك الحين، بدا يظهر مرارًا وتكرارًا أمام كاميرات تلك القناة الفرنسية العامة.

بعد ثلاثة أشهر بدأ حساب كريس كولمان المزيف يغرق تويتر بوثائق ورسائل بريد إلكترونية مغربية سرية. ولعل جوهر ويكيليكس في النسخة المغربية كان هو الكشف عن الاتفاق الشفهي الذي توصل إليه الرئيس باراك أوباما مع محمد السادس حين تلقاه في البيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر 2013.

وقال أوباما لضيفه إنه رفض أن يطلب من مجلس الأمن إدخال تعديل على ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، وهي وحدة تابعة للأمم المتحدة منتشرة في الصحراء الغربية، بحيث تكون لها صلاحية في مجال حقوق الإنسان.
وفى المقابل تعهد الملك بوضع برنامج زيارات للصحراء من قبل المفوض السامى لحقوق الانسان; و بان لا ينبغي للمحاكم العسكرية بعد الآن أن تحاكم المدنيين وأن تضفي الشرعية على جمعيات استقلال الصحراء. لكن لم يفي بوعوده إلا جزئيا.

من بين هذا الكم الهائل من الوثائق التي تسربت على موقع تويتر، عدة مئات كانت تعني إسبانيا. حيث قامت نادية خلفي ، زوجة غوستافو أريستيغي ، المتحدث باسم المجموعة الشعبية في الكونجرس والسفير في الهند ، بتبادل 150 رسالة بريد إلكتروني
، بين عامي 2008 و 2011 ، مع مراد الغول ، رئيس أركان مدير المديرية العامة للدراسات والمستندات DGED.
كانت تتلقى منه عمولات كما كان يقدم لها مقترحات تتعلق بالصحافة الايطالية و الفرنسية وصانع أفلام إسباني مستعد “الاستيلاء على السيادة التاريخية للمغرب على الصحراء”. و أوضحت نادية خلفي من خلال أحد المقربين منها، أنها عملت في وكالة الاتصالات خلال تلك السنوات ولم تكن تعرف الغول.

أحمد الشرعي ، رجل أعمال من الصحافة المغربية ، كان أيضًا على اتصال دائم مع الغول لسنوات ، وفقًا لرسائل البريد الإلكتروني التي نشرها الحساب المزيف. فقد كانت العمولات التي حصل عليها أكبر بكثير من تلك التي حصلت عليها الخلفي، وتضمنت مدفوعات للعديد من الصحفيين الفرنسيين المرموقين و الأمريكيين.
تم القبض عليه في عام 2011 في مطار دالاس (واشنطن) لإدخاله أموالاً أكثر من المسموح بها إلى الولايات المتحدة.
وفي العام نفسه، حكمت المحكمة العليا الإقليمية في مدريد على الشرعي بدفع 90 ألف يورو “تعويضا معنويا” للرئيس السابق خوسيه ماريا أزنار، ونشر الحكم في ثلاث صحف إسبانية وثلاث صحف مغربية، الأمر الذي لم يمتثل به. “رشيدة داتي حامل بأزنار” كان عنوان غلاف ‘L’Observateur du Maroc’ الأسبوعية التي يمتلكها و التي دفعت الرئيس الإسباني السابق الى رفع دعوى أمام المحكمة. فقد أكد الشرعي ان ازنار هو والد الابنة التي كانت تنتظر وزيرة العدل الفرنسي في ذلك الوقت.

وبموازاة مع هذه المعلومات الخاطئة من الأسبوعية المغربية، تلقت مجلة “Interviú” الإسبانية مجموعة من الصور لأزنار مع داتي في باريس، التقطت خارج أحد المطاعم. في إحداها ، قبلها على خدها كما لو كان يودعها في نهاية الغداء. “أكثر صور أزنار إحراجًا” هو عنوان مجلة “Intervi،” على غلافها ، محاولتًا بالتالي أن تنسب الفضل إلى ما نشره الشرعي . وبعد سنوات علم أن والد الطفلة هو رجل الأعمال الفرنسي دومينيك ديسيني.
وتعتبر مصادر الاستخبارات الإسبانية أن هذه الحادثة هي محاولة من المديرية العامة للاستخبارات لطمس صورة أزنار، رئيس الحكومة الإسبانية آنَذاك و الذي كانت له أسوأ علاقة مع الملك محمد السادس. عند سؤال الشرعي عن صحة رسائل البريد الإلكتروني التي تحمل توقيعه ، لم يرد على ذلك الصحفي مطلقًا.

اما الجزء الثالث الذي كشف عنه المغرد ترك الدبلوماسية الإسبانية في وضع سيء للغاية. في 27 أكتوبر 2013 ، قُتل شابان من مليلية برصاص البحرية الملكية المغربية. و قد وعدت الحكومة المغربية في ديسمبر بإرسال نتائج تحقيقاتها إلى إسبانيا ، لكن لم تصل أي معلومات إلى مدريد.
تصادف غونزالو دي بينيتو ، وزير الدولة بوزارة الخارجية ، في 28 مايو 2014 ، في أروقة مؤتمر حول إفريقيا ، مع بدر الدين عبد المومي ، “الرجل الثاني” في سفارة المغرب في مدريد. وكتب عبد المومي إلى رؤسائه في الرباط: “أوضح لي أن حكومته [حكومة إسبانيا] ستمتثل لأي تفسير قدمه المغرب لاعتبار أن هذه المسألة قد تمت تسويتها”. حيث ظل المغرب ملتزما الصمت.

الحساب المجهول المزور، الذي أغلقه تويتر عدة مرات بناءً على طلب السلطات المغربية ، لكنه ظهر مرة أخرى تحت اسم مشابه جدًا ، اختفى في بداية يناير 2015. في نهاية نفس الشهر ، بدأ محمد السادس إجازة في باريس الذي لم يزره منذ أكثر من سنة. و على الرغم من أن إقامته كانت خاصة ، فقد استقبله الرئيس آنذاك فرانسوا هولاند. وأكد الجانبان تصميمهما على مكافحة الإرهاب معا والتعاون الكامل في مجال الأمن.

وما زال على فرنسا بعض الواجبات التي يتعين عليها أن تقوم بها حتى النهاية من أجل التصالح مع المغرب. ففي يوليو/تموز 2015، وافقت الجمعية الوطنية الفرنسية على تعديل للبروتوكول الخاص بالتعاون القضائي الجنائي بين البلدين. وظل القضاة الفرنسيون مقيدون إذا ما ارتُكبت الأفعال المزعومة – ممارسة التعذيب – في المغرب. و شككت العديد من المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان في دستورية البروتوكول الجديد.

لم تعترف DGSE ، المخابرات الفرنسية ، بأنها ألهمت مثل هذه التغريدات المؤذية للجواسيس والدبلوماسيين المغاربة. ومع ذلك ، تشير العديد من المؤشرات إلى حقيقة أنهم هم من وضعوها في التداول.
في فبراير 2019، كان مصطفى أديب، الكابتن السابق الذي قال الكثير على القنوات التلفزية، قد نظف صفحته على الفيس بوك بعد فترة وجيزة من الانتقال إلى العيش من فرنسا إلى الولايات المتحدة. كاشفا: أن “حضوري في” فرانس 24 “جاء في إطار صفقة مع المخابرات الفرنسية على أعلى مستوى (…)”.

أديب قدم نفسه ليكون أحد أدوات انتقام المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسي DGSE ضد المديرية العامة للدراسات والمستندات DGED المغربية. و من جهة اخرى، و هو الامر الاخطر، أنه تم “اختراق” لرسائل البريد الإلكتروني وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بالتجسس والدبلوماسية المغربية، لنشر جزء صغير مما سرق عبر الإنترنت.