نوفل البعمري


لابد من قولها صراحة لإسرائيل لقد خسرتم “الحرب” هذا إن جاز تسمية ما يحدث بحرب لأن الحرب تكون بين جيش لدوليتن، في حين أن ما يحدث هو قصف “للجيش” الإسرائيلي الموجه ضد المدنيين في غزة الذي تواجهه المقاومة بشكل بطولي أعاد للواجهة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وهجه و عمقه العربي-الشعبي، و أعاد للواجهة قضية فلسطين و كان حي الشيخ الجراح و القدس عموما هي البوابة التي أعادت الملف الفلسطيني للواجهة الإعلامية و الشعبية، و أعاد تمركز العالم حول هذه النقطة التي أصبحت مركزه ومركز الصراع الإقليمي، و الدولي انسجاما مع مقولة من “يؤثر” في القدس يؤثر في صناعة القرار الأمني والسياسي العالميين.
مهما كانت الخسائر المادية و عدد الشهداء الذين خلفتهم و ستخلفهم الهجمات الإسرائيلية على المناطق المحتلة و على قطاع غزة،فإسرائيل ستكون قد انهزمت، و خسرت:
أصوات الإعتدال في المنطقة التي كانت قد بدأت تتقبل فكرة إقامة علاقة دبلوماسية عادية و طبيعية مع إسرائيل،مقابل التزام هذه الأخيرة بالشرعية الدولية التي تتأسس على حل الدولتين على قاعدة حدود 67،هذه الأصوات التي كانت قد بدأت تعبر عن نفسها بوضوح و شجاعة، العديد منها أصبح أكثر تشددا من ذي قبل أو في أحسن الأحوال اختار الركون نحو الصمت بحيث أصبحت غير قادرة على الحديث عن فكرة عودة العلاقة بين بعض البلدان العربية و اسرائيل لتكون طبيعية، و لتكون أكثر شراكة و تطورا من ذي قبل، فإسرائيل من حيث لا تدري بسبب غطرستها و سياستها الإستيطانية قد أعادت فقدان كل النقط التي قد تكون كسبتها،و ستعو العلاقة معها في المنطقة لنقطة الصفر، لنقطة ما قبل اتفاق ابراهام و الإعلام الثلاثي المغربي الاسرائيلي و الأمريكي،هذه التفاهات ستُدخلها إسرائيل في نوع من الجمود السياسي لأنها الأساس الذي قامت عليه و قد بدأت في التلاشي، و الأمل الذي كان معقودا عليها لتحقيق السلام يبدوا أنه تم إجهاضه مع كل صاروخ أطلقته إسرائيل و مع كل اعتداء قامت به إسرائيل اتجاه المقدسيين،و مع كانت غارة تقوم بها على غزة،فهي تغير معها معها كل بنود التفاهمات التي كانت قد أُبرمت معها.


إسرائيل خسرت سياسيا و ستخسر، فسياستها الطائشة ستؤدي للمزيد من عزلتها في المنطقة و لن تعود قادرة أي دولة نتيجة السخط الشعبي الذي خلفته هجماتها خاصة على القدس،قادرة أو راغبة في عودة و استمرار العلاقة الدبلوماسية بالأفق الواعد الذي كان الجميع يتوقعه، فإسرائيل أعادت حجم السخط مرحبا الشعبي العربي عليها لمستوياته السابقة،و أعادت كل مشاهد المجازر التي ارتكبتها في السابق من صبرا و شاتيلا، إلى اجتياح بيروت… الي الانتفاضة الأولى و الثانية… للواجهة و أحيت هذا الوعي الجمعي الذي تشكل لدى جيل كبير من الشارع العربي بأن أعادت إنتاجه لدى الأجيال الحالية التي ستتعرف على القضية الفلسطينية من بوابة الشيخ جراح و القدس و الملاحم التي يصنعها الشعب الفلسطيني بقطاع غزة و الضفة الغربية.


إسرائيل في ظل هذا الوضع عليها أن تعيي الدول العربية لا يمكن لها أن تفتح سفارات لها بتل أبيب و العكس، في ظل هذا الوضع المتشنج و في ظل عمليات التقتيل التي تُمارس ضد الفلسطينيين، لقد كان الشارع العربي في العديد من البلدان قد بدأ في تقبل عودة هذه العلاقات الدبلوماسية لاعتبارات كانت تؤشر على انخراط إسرائيل في العملية السياسية و السلام بالشرق الأوسط،و كان السلام مقابل عادل للجميع، و مادام قد انهار فصعب جدا أن يتم الحديث اليوم على المضي في شراكة قوية و كبيرة مع إسرائيل.
إسرائيل لتعود لنقطة ما قبل هذه الأحداث، عليها أن تقوم ب:
فتح المجال أمام دول الاعتدال لتقوم بمهمة الوساطة بين الطرفين، و أن تكون السلطة الفلسطينية جزءا من هذه الوساطة إلى جانب منظمة التحرير الفلسطيني الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني،مع تقديم كل الضمانات من طرفها لإنجاح هذه المفاوضات و المغرب لما له من امتداد و مصداقية داخل الجانب الفلسطيني و تواجده ضمن اللجنة الوزارية العربية لمتابعة الوضع،و الاتصال الهاتف الذي تلقاه رئيس الحكومة من القيادي هنية… كل ذلك يجعله قادر علي أن يكون له دور في عوزك التهدئة للمنطقة.
إسرائيل عليها أن تقتنع بحل الدولتين على حدود 67،و القدس بمقداستها الدينية عاصمة للقدس لفلسطين تعيش جنبا إلى جنب معها، مع السماح ببناء الدولة الفلسطينية بمؤسسات وطنية،قوية،و أن انخرطها في حوار جاد لتحديد الملامح النهائية للدولتين هو ما يضمن لها الأمن و التعايش مع مختلف الدول العربية في المنطقة،
إسرائيل عليها أن تكف على عمليات تهويد القدس لما تمثله القدس في الوجدان العربي و الإسلامي الجمعي لعموم العرب و الأمة الإسلامية و الإنسانية جمعاء،و تنهي مع السياسة الاستيطانية لأنها كلها عمليات لا تشجع على بناء الثقة، و الوصول لحل نهائي لهذا النزاع.
إسرائيل لا يمكن أن تستمر بنفس الغطرسة التوسعية، فما يحدث اليوم أثبت أن الدولة الإسرائيلية جد هشة، و ما الأحداث التي تعيشها في الداخل الإسرائيلي من اصطدامات بين عرب 48 الذي تحولوا لحماة للقدس و جزء أساسي من الصف الأمامي في هذه المواجهة مع المستوطنين و الإسرائيليين،فهذه الأحداث خلق صراعا داخليا يجري في داخل المجتمع الإسرائيلي، يهدده بالانقسام الحاد، و بفشل النموذج الذي ظلت تسوقه إسرائيل “كدولة ديموقراطية نموذجية في المنطقة”، بحيث هذه الأحداث أظهرت أن الأمر يتعلق بمشروع عنصري ضد العرب في الداخل، يهدف لبناء دولة يهودية دينية و ليست علمانية، ديموقراطية.
إسرائيل عليها أن تعيي أن استمراريتها هي من استمرارية فلسطين، و بناء الدولة الفلسطينية بقطاع غزة و الضفة الغربية و أن عدم تمكين الفلسطينيين من دولتهم سيكون له انعكاس جد سلبي على إسرائيل يهدد من وجودها و بقاءها.


الوضع اليوم داخل فلسطين خاصة بامتداداته القويك التي نشهده في الأردن و جنوب لبنان، و المواجهات التي تحدث في الضفة الغربية التي انتقلت لصف مقاومة الاحتلال و غطرسته، سيكون له ما بعده في المنطقة ككل من حيث تأثيراته القوية على صناع القرار في العالم خاصة على مستوى الإدارة الأمريكية الجديدة التي تجد نفسها أمام تحدي حقيقي، تحدي احترام خطابها الذي تُصرفه حول احترام حقوق الإنسان التي تنتهك من طرف الاحتلال الاسرائيلي، و قيامنا بتدخل عاجل قوي لدى الجانب الإسرائيلي لوقف كل اعتداءاتها التي تقوم بها و تُعيدها للمسلسل التفاوضي وفقا للشرعية الدولية و لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.