بقلم: مصطفى الزِّيـــن

يقول الشاعر الفرنسي الكبير ستيفان ملارميه: “إن أرقى أنواع الشعر هو الذي لا يرقى إليه الفهم،إلا بضرب باهظ من الذكاء والصبر والمعاناة”. وهذه القصيدة الميمونية “لا سبيل إلى رجوع”،نحتاج معها ،لنفهم ونتفهَّم ، إلى ذلك الضرب الباهظ من الذكاء،ومن الصبر ،ومن المعاناة،ومن المعاودة والمراودة..؛ لنعبر استعاراتها الخلاقة و رموزها وكناياتها،وهذه التوليفة العجيبة بين الواقع واليوتوبيا،ونهاية اليوتوبيا..وأنَّى لنا ذلك،أو حتى القليل منه،على هذا الفضاء الأزرق الأملس المتفلِّت؟! أمام قصيدة متفلتة بدورها،في تناقضاتها وتنافر أضدادها،كما تكون كل قصيدة جديرة بسمت الشعر الحق..
بداية،تدفعنا القصيدة لطرح ثلاثة أسئلة أولية:
كيف يتمخض النثر عن رحم مثل هذه القصيدة الباذخة،إيقاعا وموسيقا،ولغة وتخييلا وكثافة وإيحاء؟؛عن هذه القصيدة الكاملة،على تفعيلة الكامل،الكثيفة الحثيثة في التدوير والسرد،والغنائية في بعدها الدرامي،وفي حيوية حواريتها ،أو بالأحرى ، مونولوچيتها،في مزجها بين الغنائي/ الميلودي والدرامي السمفوني؟
لمَ لمْ يعد الشاعر راغبا في الشعر،أو مؤمنا به ؟
ما هذه الأجواء السائدة،اليوم التي أفسدت القول الشعري،أو جعلته عبثا دون جدوى؟
ليس الشاعر وحده،ولا القول الشعري ،في حد ذاته،من هو “في مخاض ..في هذا الفضاء الجهم..”؛إنما القارئ المتلقي،أيضا يكابد “عسر الطلق في الكلمات والأوراق..” غيرَ مألوف٠ إننا في مخاض النثر؛حيث عقيرة النثر هاجت،وارتفع الصراخ. وما يتمخض عنه النثر ليس قصيدة،بالقطع-فلنستبعد،إذن،حتى انتظار ما يسمى “قصيدة النثر”،لأنها،بدورها ،تحت جنس القصيدة!-؛إن ما يتخلق ويتولد ليس مألوفا،وإنما مغاير مختلف. ونحن أمام طقوس المخاض وقلقه؛فالشاعر البعل الفحل،يبتهل ويقرأ من بيان المُذْكرات-اللائي لا يأتيهن ولا يقدر عليهن إلا الأقوياء-؛المحصنات-اللائي لم يطمثهن،غيره،من إنس أو جان-؛و الحمل ناتج عن الوصول إلى “أكرم الإخصاب”،على فراش المتعة الكبرى،والمولود-إذن- إنما هو “نوع” غير مألوف ، نجهله. وليس الابتهال والقراءة من بيان المذكرات المحصنات هو الطقس الوحيد في هذا المخاض؛فالشاعر حريص على سلامة الجنين الوليد،ينتظر،ككل أب،الداية المولِّدة التي تأتي وفي يديها كل لوازم التوليد: *حفظا للجنين من الهواء..من موت يأتي،ولو من نفح زهور أورقت في حينها.. * أو خوفا من أن يصاب بعاهة،كأن يكون أكمه.. * أو أن يكون مشوه الكفين،من غير إبهام؛لأن الشاعر يريده أن يكون مسددا ،باليمين دعوة حلم السهم والقلم المقدس.. * أو أن يكون لا وداعة في ابتسامته؛ وإذا كان الشاعر الأب،حريصا على سلامة الوليد من هواء الموت،ومن كل عاهة، كالكمه أو تشوه الكفين..؛يريده راميا مسددا حلم السهم والقلم المقدس؛فهو يعلم أن “الأم التي حملته قد شاءت له الذوبان في يسر ما انداح من أحلامه في الناس،مثل عذوبة يتلمظون لسحر ما يغريهم بغَواية الألوان والأطياف تصعد بالرؤى؛فيكون من حظ الوليد،إذا يشبُّ،عناصر النثر الخفية في اللسان،إذا يريد القول في جمع،فينقادوا إلى تقدير حكمته”،-وها نحن،نجد أنفسنا نعيد مقاطع القصيدة،كمن يريد تفسير السمفونية بإعادة عزفها-؛والشاعر،بدوره،لا يحب أن يمتد ،من صلبه، إلى شعبه،مَنْ قصرت حجَّتُه،برؤيا الخير،عن التزيين والتزوير؛لا يريد الشاعر أن ينحدر من نسله من يشوه ضوء الشمس،ويحجب النهار بخدعة الغربال. لهذا،يتوجه شاعرنا إلى “الأمير”،-بمفهومه الميكياڤللي:”صباح ميكيافيللهم يعلو قريبا في خداع..”،وفي هذاالفضاء الجهم؛في متاهة الظلمات”-معلنا حقيقة الأعماق المحفوظة؛حقيقة الليل،بعد أن يزيح عنه سحر اللون وخداعه؛فلا ألوان تبلغ موطن الأسرار؛معلنا حقيقة الليل الأجمل،دون ما يريق عليها الأمير-وشعراؤه-من كؤوس أترعت بدم. والشاعر يري الحقيقة في سوادها عذبة في كل وقت،وسر الحق كان،منذ البدء،مفصولا عن الألوان والنزوات،واللون الصادق لن يغير نشوة الشاعر..
وتسير القصيدة لتعلن احتجاج الشاعر على شعر وشعراء الرؤيا الجانحين الذين استهدفوا في الأرض أن يئدوا الجمال،وذلك بنفي النور خلف متاهة الظلمات،حيث الهوة الكبرى بين هذه الرؤيا أو الحلم،من جهة؛وواقع النيران والحروب والاقتتال، الذي يريده الشر،وفساد الطبائع،واعتلاء القبح،والتهاوي إلى قاع سحيق.
هل ينفي ،أويطرد،الشاعر بنميمون “الشاعر”،كما أخرجه وطرده أفلاطون من جمهوريته؟ هل ينفي بنميمون الشاعر المتوافق مع “حكمة”وإرادة الأمير،في إخفاء “التبيين” ،إذا عم السواد؟ ، فبنىيمون يمعن في نقد ذاك الشاعر مدعي الرؤيا بكلماته التي تسبغ ما تشاء على جناح،وتطلقه،بتقدير “حكيم” متوافق مع حكمة “الأمير”؟ لانستطيع أن نقطع بذلك،و إن وجدنا الشاعر يصرح: إن منع الشعر ،مثل الحلم، خير في العباد،إذا أردنا أن يرى الناس الطريق كما يُرادُلهم،ولا أحد تولى أن يقول:الحلم،لا”. هؤلاء الشعراء الحالمون تجاوزوا رؤيا الظلام،ليبصروا الإنسان يمشي في ،متاهته، بلا قدمين في الضوء البهي،ويدَّعوا طيران أعضاء،وإن قول هؤلاء الشعراء قول موتى حقهم أن يدفنوا. وها هو الشاعر بنميمون ، يرى فتاه الذي يتولد عن ذاك المخاض العسير، قد شبَّ، لم يرث القصيدة عنه؛عن أبيه،بضَعفها الأقوى بضَعف أنينها،مرتهنا إلى إرادة الأمير سيد دهره؛ إنما لهذا الفتى قدرات بينة في الناس،”ونثره”أنفع،إن تراد قيادة،فيكون هو من يرضاه الناس منذ صرخ..؛فهل يكون ،فعلا،كما أراد ،أبوه،مسددا باليمين دعوةَ حالم السهم والقلم المقدس؟
غير أن فتى مخاض النثر هذا، و هو خير من حملت به رحم زمان النثر والتشتيت ،سرعان ما يعلن لأمه القصيدة:”لا تجديد تحت الشمس يا أمي”؛وأفترض أنها،هي الأم،من تجيبه،في هذا الحوار،مع أواخر النص:”لا رؤيا ولا إيقاع في كلماتهم”،وهو من يعلن:ولا رغبة للناس في شعر يباعد بينهم والخبز ،شعر يدنو كقرص البدر في ليل الجريمة،جريمة المتطاولين على حرمان العباد من هبات رب العباد-كما ترد الأم ،فيما أفترض-العباد الذين رغم دعوتهم لنصرة ناثر الأوهام،وطوافهم به، وتصويره كما لو كان بنثر الحَبَّ للأطيار في الأمداء؛فإن صباح “الأمير” المكيافيللي يعلو في خداع،ويفضح ما تستر في خوافي الزور..
ورغم أن الغيم و وجها ضاحكا في الأعالي يعينانهم،فتلهج بالمحبة ألسن الراضين في الآتين، لكن الأرض تُخلف موعودهم،وتنبت ما دسوا في تربها نيرانا..؛فيعود المرجفون،ويعلو أمير الخداع..
نعم، إن الطريق هو الطريق الصادق،والروح ما فنيت، ولكن لا سبيل إلى خروج،لاسبيل إلى رجوع.
**
وبعد؛ يبدو جليا وقع سنوات الحراك الديقراطي،أو ما سمي حَراك الربيع العربي، منذ 2011،ومآلاته في مختلف الأقطار العربية،هو الواقع الذي يلقي بكلكله، في هذا النص الميموني الباذخ ،معضلةَ استحالة التغيير ،وتحقيق الخروج من سلطة الأمير الميكيافللي واحتوائه قدرات الكلمة، وطاقات الحلم والرؤيا،بقدرته على تلوين الظلام وإخفاء المرجفين تحت خوافي الزور،إلى حين عودتهم؛وبالتالي فإن الوليد الذي يتمخض عنه النثر؛الوليد الرامي المسدد قائد العباد،الذي لا يرث عن أبيه ضعف القصيدةبضعف أنينها الغنائي،ذاك الذي يملك قدرات بينة،يظل عالقا معضلا في رحم القصيدة،لا سبيل له إلى خروج،كما أعلنت القصيدة في ختمها،ولا سبيل له إلى رجوع،كما أعلنت في عنوانها.
وإذا كنا قد خسرنا حلم الطلق وميلاد هذا النثر الاستثنائي القادر على الالتحام بالناس وقيادتهم؛فإننا نربح مع بنميمون مثل هذه القصيدة الكثيفة الأثيلة ،المهمومة بجدوى الشعر في زمن التشظي والتشتيت،وبانشغالات تذكرنا بانشغالات محمود درويش الوجودية والجمالية في أعماله الأخيرة.وعساي أكون قد أنرت بعض ما تعتمه هذه القصيدة جماليا بغلالاتها الشفيفة وهالاتها الكثيفة،دون أن أزعم اشتراطات ملارميه لاقتحام مثل هذا المقام .
مصطفى الزِّيـــــن

*وأنا منشغل بكتابة هذه القراءة، فاجأني الشاعر بنشر قصيدة “أنفيت إذن؟” ، يعلن ،قبل نصها، أنها جزء من ثلاثية إلى جانب قصيدتين أخريين هما “محاولة للابقاءعلى رمق أخير” وهذه “لاسبيل إلى رجوع”..