محمد بوبكري


تفيدنا دروس التاريخ أن هناك مجموعات بشرية تحاول التظاهر بأن لها “قضية مبدئية حقوقية”، لكن تطور الأحداث يؤكد بعد ذلك أنها لا تؤمن بأي شيء مما تدعي، حيث يكتشف الناس أنها حولت ما سمته بـ” قضيتها الحقوقية” إلى تجارة منظمة تجني من ورائها أموالا طائلة. وقد كشف الحراك الشعبي الجزائري أن ما يسمى “بالبوليساريو” هو مجرد مشكلة مفتعلة هدفها جني الأموال، اختلقها ” هواري بومدين” بغاية التوسع على حساب الحقوق المشروعة للمغرب، اعتقادا منه أن الصحراء المغربية غنية بالخيرات، التي كان يرى ضرورة الاستيلاء عليها، لكن تطور الأحداث كشف أن تلك المشكلة إنما كانت حبل مشنقة وضعها هذا الشخص وورثته حول عنق الجزائر، لأنها قد تتسبب في إلحاق أضرار كبيرة بهذا البلد. فجنرالات الجزائر لم تتوقف أطماعهم التوسعية في الصحراء المغربية، بل كشف تطور الأحداث أنها قد تمتد إلى كيانات “موريتانيا” “وتونس” و”مالي” و”النيجير” و”تشاد”، لأن بومدين” وورثته يعتقدون أن وجود البترول والغاز بالجزائر كاف وحده لتحويل الجزائر إلى قوة عظمى في القارة الأفريقية، لا يمكن لأية جهة دولية، مهما بلغت من القوة أن تفعل أي شيء في القارة السمراء دون المرور عبر الجزائر العاصمة للحصول على موافقة جنرالاتها.

ويكشف هذا الوهم جهل الجزائريين بالتاريخ، لأنهم صاروا يتصرفون، وكأنهم أنجزوا ثورة فكرية في بلادهم، وأتبعوها بثورة صناعية.. جعلتهم يبحثون عن مصادر للمواد الأولية لبنياتهم الصناعية، وأسواق لمنتوجاتها… هكذا، فإن هؤلاء الجنرالات لم يستفيدوا من دروس التاريخ، ما جعلهم يذهبون ضحية أوهامهم في زمن ينظر إليها بكونها مجرد أمراض يعاقب القانون الدولي حاليا كل المصابين بها…
لقد أدى طغيان حكام الجزائر بهم إلى الحلم بتشييد “برج بابل” آخر، ما يعني أنهم مصابون بهوى الاستبداد والتسلط على جيرانهم وكل محيطهم الأفريقي، الذي صاروا يتوهمون قدرتهم على السيطرة عليه، وتحويله إلى مصدر لقوة ينافسون بها كل القوى العظمى العالمية. وهذا ما جعل الجنرالات لا يبالون بالجزائر، ولا بشعبها، لأن أوهام التوسع جعلتهم كذلك، الأمر الذي دفعهم إلى إنفاق جزء مهم من عائدات البترول والغاز على خلق جماعات هناك وهناك، حولتها إلى أدوات لتحقيق توسعها. هكذا، فقد غالوا في تمويل مشاريعها التوسعية، وأهملوا بناء الجزائر اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، ما جعل الحراك الشعبي ينتفض في وجههم مطالبا بممارسة قطيعة جذرية مؤسسية وسياسية وثقافية مع نظامهم العسكري في أفق بناء “دولة مدنية ديمقراطية حديثة”. ويبدو أن الخطيئة كانت في ولادة الجزائر على يد بومدين الذي عقد صفقة مع نظام الحماية، حيث مكنه هذا الأخير من التخلص من آباء الحركة الوطنية الجزائرية، مقابل ضم بعض ضباط الصف الجيش الفرنسي من أصل جزائري إلى الجيش الجزائري، الذين صاروا منذ “استقلال” الجزائر إلى الآن عين الإدارة الاستعمارية على الجزائر التي ترعى المصالح الاستعمارية هناك.
لقد استغل جنرالات الجزائر أموال “معمر القذافي” لتنظيم مليشيات البوليساريو وتمويلها وتسليحها وتدريبها، لكنهم كانوا يستغلون هذه الأموال لتسليح جيشهم كذلك وإيداع جزء منها في حساباتهم البنكية الخاصة… واكتشف الجنرالات أن رعايتهم لـ “البوليساريو” قد تمكنهم من جمع أموال من هناك وهناك لدعمه يقتسمونها مع زعامة ميلشياته التي يتحكمون في تعيينها، واستطاعوا، عبر ترويضها وتمويلها، أن يحولوها إلى أداة طيعة في أيديهم ومطيعة لهم، تنفذ أوامرهم حرفيا بدون أدنى تردد. وإذا فهموا من كلام أحد، أو حركاته، أنه يتحفظ على قراراتهم، فإنهم يلجؤون إلى تدبير مكيدة له لإبعاده، أو اغتياله.
ويفسر بعض الخبراء في الشأن الجزائري أن الطموحات التوسعية لجنرالات الجزائر وطغيانهم واستبدادهم… كلها أمور تعود إلى شعورهم بالنقص، ما جعلهم يتوهمون أن في إمكانهم الانتقام من التاريخ عبر التحول إلى قوة عظمى، فكانت انطلاقتهم قاتلة، لأنهم لم يكونوا واقعيين، ما جعلهم ينخرطون في الانتحار منذ البداية.
ولما أدرك جنرالات الجزائر أن المغرب قادر على التصدي لطموحاتهم، جعلوا من البوليساريو أداة للتسول الدولي، يجمعون باسمها أموالا طائلة، حولوها إلى حساباتهم الخاصة في الخارج، التي توجد في مختلف الجزر، التي تعتبر بمثابة ملاذات ضريبية، حيث لا يطلع أحد على ما يكتنزونه في حساباته البنكية هناك.
إضافة إلى ذلك، لقد حول جنرالات الجزائر مليشيات “البوليساريو” إلى أداة للتجارة في الأسلحة والبشر وتهريب المخدرات… كما استعملوها أداة لممارسة الإرهاب وتكوين مختلف الجماعات الإرهابية وتدريبها في بلدان الساحل. لكنهم لم يكونوا يستولون وحدهم على كل الموارد المالية التي يجنونها من هذه العمليات، بل إنهم كانوا يقتسمونها مع زعامة ” البوليساريو” التي صاروا يشتركون معها في عقارات كثيرة في مختلف البلدان الغربية، كما أسسوا معها منشآت تجارية هناك. هكذا حولت زعامة “البوليساريو” السياسة إلى تجارة، حيث صارت تفضل أوضاعها الحالية على أي شعار ترفعه تضليلا، لأن هذه الأوضاع تذر عليها أموالا طائلة. لذلك، فإن هذه الزعامة استبدلت ما تسميه بالوفاء ” للمبادئ” بممارسة التجارة والنهب، ما جعلها، تنقلب على المغاربة المغرر بهم المحتجزين في مخيمات ” تندوف”، وتمارس عليهم مختلف أنواع العنف والاختطاف والتعذيب والتقتيل، لا لشيء سوى لكونهم أصبحوا يطرحون أسئلة حول مستقبلهم، ويعبرون عن رفضهم لما يعيشونه من أوضاع مأساوية في هذه المخيمات، كما صاروا يعربون علنا عن رغبتهم في العودة إلى وطنهم المغرب الذي يعون أنه سيستقبلهم بحرارة وحفاوة فائقين، ويدركون انه سيصون لهم كرامتهم التي تتعرض للانتهاك من قبل مليشيات “البوليساريو” ومخابرات جنرالات الجزائر، التي لا تتوقف عن التنكيل بهم..
فضلا عن ذلك، يتظاهر حكام الجزائر بـ “الدفاع عن حقوق الإنسان”، لكن ممارستهم في الواقع تؤكد أنهم حولوا هذا المبدأ إلى تجارة منظمة، لأنهم أصبحوا يخصصون أموالا طائلة لتمويل مليشيات “البوليساريو” وتسليحها. لكن لا أحد يعرف حجم المبالغ المالية التي تنفق على هذه المليشيات، بل إن البرلمان الجزائري ذاته لا يعرفها، وكأنها ليست أموال الشعب الجزائري. كما أن الجنرالات يقتطعون الجزء الكبير من هذه الأموال لحسابهم الخاص، حيث يقومون بتهريبه إلى الخارج. ويؤكد سياسيون جزائريون أنه كلما قدم الجنرالات دعما لجهة معينة بالخارج اقتطعوا جزءا كبيرا منه لأنفسهم واحتفظوا به في مؤسسات بنكية، أو اقتنوا به فنادق… بشراكة مع زعامات الجهات التي يدعون أنهم يدعمونها، باسم “مبادئ حقوق الإنسان”، التي تحولت معهم إلى مجرد ” بيزنس” وسخة…


وللتدليل على زيف شعارات حقوق الإنسان التي يرفعها حكام الجزائر وعصابة البوليساريو”، يكفي أن نشير إلى ما تمارسه مخابرات جنرالات الجزائر من تقتيل جماعي، واختطافات وتعذيب واغتصاب جنسي للقاصرين والكبار في مخافر الشرطة الجزائرية. أضف إلى ذلك أن الجنرالين “خالد نزار” و”توفيق مدين” اللذان يشكلان اليوم العمود الفقري للعلبة السوداء لنظامي العسكر، لا يزالان متابعين بتهم ارتكاب جرائم الحرب … أمام القضاء السويسري. كما أن “إبراهيم غالي (محمد بن بطوش متابع اليوم أمام القضاء الإسباني بارتكابه لجرائم الحرب، واغتصاب النساء وافتضاض الأبكار، ما يؤكد أن هؤلاء الوحوش ليست له مبادئ، ولا قيم…

لذلك، فكلما أحرز المغرب انتصارا دوليا، نجد أفراد زعامة “البوليساريو” وأسيادهم جنرالات الجزائر يولولون وينتحبون، خوفا على نضوب معين مواردهم المالية التي يجنونها من افتعال مشكل الصحراء المغربية.
كل هذه العوامل تسلط الضوء على جشع الجنرالات واستبدادهم وفسادهم، الأمر الذي خلق شروطا موضوعية لبروز الحراك الشعبي السلمي. ولحسن الحظ أن الحراك أصبح يعي أن تمويل جماعة “البوليساريو” وتسليحه قد صار نقمة على الشعب الجزائري، حيث تنهب أمواله باسم دعم هذه الجماعة التي تحولت إلى مجموعة من المرتزقة مكلفة بمراقبة كل المعابر التي توجد في جنوب الجزائر، والتي تذر مداخيل مالية ضخمة على الجنرالات.
هكذا، فمن المحتمل أن يلقى دعم الجنرالات لـ” البوليساريو”، باسم “الدفاع عن حقوق الإنسان”، معارضة قوية من قبل الحراك الشعبي السلمي، الذي صار يدرك أن هذا الدعم هو من الأسباب الرئيسية لخراب الجزائر التي صارت تهدد كيانها. لذلك، نجد أن زعامة مليشيات “البوليساريو” لم تعبر عن أي موقف من الحراك الذي يطالب بتقرير مصير الشعب الجزائري، واستقلاله عن نظام الجنرالات. وهذا ما يؤكد أنهم لا يؤمنون بمبادئ حقوق الإنسان، بل إنهم يفضلون من يمولهم، ولو كان ذلك على حساب هذه الحقوق.
لذلك، فإن عدم تعبير زعامات “البوليساريو” عن أي موقف لصالح الحراك قد جعل هذا الأخير يصنف “البوليساريو” عدوا، لأنه يساند الجنرالات، الأمر الذي كشف الوجه القبيح لـ “جماعة البوليساريو”، التي بات بعض رموز الحراك يصنفونها عدوا لهم ويتبرؤون منها، ما قد يعجل بانتفاضة الشعب الجزائري ضد احتضانها من قبل حكام الجزائر.


وأحسن ما يمكن أن أختم به هذه المقالة القصيرة هو ما قاله الإعلامي الجزائري المبدع ” أمير د. ز.” “من كان مع الجنرالات، فهو إلى زوال. ومن كان مع الحراك الشعبي، فإن الحراك متواصل”…