نزار بولحية – كاتب وصحافي من تونس

نقلا عن موقع القدس العربي، نعيد نشر المقال القيم حول إستقبال إسبانيا لزعيم البوليزريو لدواعي إنسانية حسب تصريحات الحكومة الإسبانية و أثر الحدث على العلاقات الإقليمية بين المحور الثلاتي المعقد: إسبانيا، المغرب و الجزائر،

إسبانيا حرة ما في ذلك شك، تستقبل من تشاء وتوصد أبوابها أمام من لا تريده، لكن ألا يبدو السبب الذي بررت به قبولها لقائد جبهة البوليساريو مهزوزا وغير مقنع بالمرة؟ فمنذ متى صار «العمل الإنساني» هو البوصلة التي توجه الدولة الإسبانية، خصوصا عندما يتعلق الحال بجيرانها الجنوبيين؟
يبدو صعبا أن يصدق أحد ذلك، لكن ما الذي جعل الإسبان إذن يقدمون على مجازفة سياسية مثل تلك؟ وهل ستكون مقدمة لانزياح مقبل، وتحول تدريجي في سياستهم التقليدية في المنطقة؟ أم أن الأمر سيبقى مجرد حادث عابر ومعزول سرعان ما ستختفي آثاره وندوبه بأسرع مما ظهرت به؟
الثابت أن المسؤولين الإسبان كانوا يدركون، حين قرروا استضافة إبراهيم غالي، ولو بشكل سري للعلاج في بلادهم، دقة وحساسية المسألة، والمفترض أيضا أنهم وضعوا في حسبانهم، تبعا لذلك، تداعيات وانعكاسات محتملة لذلك القرار على مصالحهم وعلى علاقاتهم بجيرانهم في الجنوب. غير أن الاختبار الحقيقي الذي قد يواجهونه في مقبل الأيام سيكون في الطريقة التي سيتصرفون بها في ما إذا خرج زعيم البوليساريو معافى من المشفى الذي يقيم فيه، فهل سيلتزمون حينها بوعدهم للجزائريين بعدم تتبعه قضائيا، ويخلون سبيله سامحين له بالعودة من حيث أتى؟ أم إنهم سيحاولون تعطيله ولو لوقت محدود، والتظاهر بفتح تبعات قضائية ضده؟ قد يستغرق الأمر وقتا حتى يكشف عن التفاصيل الكاملة والحقيقية للقصة، التي بدأت بسبق صحافي لمجلة «جون افريك» الخميس الماضي، إذ خرجت بخبر تقول فيه إن الأمين العام للبوليساريو، قد أدخل بشكل عاجل لأحد المستشفيات في إسبانيا تحت اسم مستعار للعلاج من مرض السرطان، بتدخل مباشر من الرئاسة الجزائرية، بعد رفض الألمان قبوله، ما دفع متحدثا باسم الخارجية الإسبانية بعدها بساعات قليلة، لأن يصرح بأن «غالي نقل لإسبانيا لأسباب إنسانية بحتة» ويضيف بأنه «لن يتم تقديم مزيد من التفاصيل بسبب الطبيعة الإنسانية لتلك الخطوة». لكن الثقة التي تحدثت بها وزيرة الخارجية ماريا أرانتشا غونثاليث لايا، الجمعة الماضي حين قالت، إن ذلك الاستقبال «لن يخل بالعلاقات الممتازة التي تربط إسبانيا بالمغرب» وأن الأخير «يظل شريكا مميزا» لبلادها، أعطت الانطباع بأن مدريد كانت واثقة تماما ومطمئنة لما فعلته، وأن ما جعلها تبدو كذلك هو أنها قد تكون قدمت للرباط تعهدا، بأن لا يكون للزيارة أي بعد أو أثر سياسي، وأنها لن تعني تحولا في الموقف الإسباني من النزاع، وتلقت منها تبعا لذلك ضوءاً أخضر، قبل أن تأخذ قرارها النهائي، وهو ما نسفه وإلى حد كبير استدعاء الخارجية المغربية بعدها بيوم للسفير الإسباني المعتمد لديها لإبلاغه «سخط « المغرب «وعدم فهمه» للقرار الإسباني وطلبه توضيحات حوله. فما الذي حصل إذن؟ هل أرادت مدريد أن تجس النبض وتمهد من وراء استقبال غالي لتغير مقبل في مواقفها من النزاع؟ أم أنها كانت تجرب نوعا محدودا من الضغط غير المباشر على المغرب حتى يعدل موقفه من قضايا ومسائل باتت تشغل الإسبان، كالوضع في الجيبين المحتلين سبتة ومليلية، اللذين يعانيان تقريبا من نوع من الحصار من الجانب المغربي؟

قد يخطئ من يضع توجهات مدريد وأساليب تعاملها، في هذا الموضوع بالذات، تحت هاجس البحث عن التقرب لسبب من الأسباب من الجزائر، على حساب غريمها المغرب. فهناك أكثر من معطى داخلي وإقليمي لا يسمح للإسبان في هذا الوقت على الأقل، بأن يتخلوا عن سياستهم المعروفة في اللعب على تناقضات وخلافات الجارتين المغاربيتين، واستغلالها بما يخدم أهدافهم فحسب. كما أن فرضية الصدام المفاجئ وغير المحسوب مع الجارة الجنوبية تبدو مستبعدة أيضا، حتى في ظل وجود أصوات داخل إسبانيا تدعو إلى مواقف أكثر حزما وتشددا في التعامل مع ما قد يراه بعض الإسبان تعاظم مخاطر التحدي المغربي للوجود الإسباني في الشمال الافريقي. ومن المؤكد أن الرسالة التي أراد المسؤولون الإيبيريون تبليغها لا للجارتين فقط، بل لباقي القوى الإقليمية والدولية، من وراء إقدامهم على استضافة قائد الجبهة، التي قامت في الأصل كحركة تحرر من الاستعمار الإسباني للصحراء، هي أن بلدهم لا يزال ورغم كل شيء، محور القضية، وهو من يتحكم وبدرجة كبيرة في خيوط القضية الصحراوية، وأن لا سبيل لأن توجد أي تسوية للنزاع بمعزل عن مدريد، أو من وراء ظهرها. وهنا يكمن جانب من التقاطع بين الموقفين الإسباني والجزائري، بشكل ربما يوحي للبعض بوجود ميل إسباني نحو الجزائر في الملف الصحراوي، لكنه ليس في الواقع سوى ميل وانحياز صريح للمصالح الإسبانية أكثر من أي شيء آخر. لكن ما الذي تريده مدريد هنا بالضبط؟ إن ما ترغب فيه بالتأكيد هو أن لا تفرط بسهولة في ذلك الملف الذي يبقى بالنسبة لها، ورغم كل التقلبات والتغيرات بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهبا. ومما لا شك فيه أن أفضل سيناريو تتمناه، هو أن يبقى الحال على ما هو عليه، أي أن لا يتوصل مجلس الأمن الدولي لإقرار حل نهائي للمشكل. وهي تعرف حتما أنها تمسك بجانب كبير ومهم من خيوط الحل، فأي موقف قد تأخذه في هذا الاتجاه أو ذاك، قد يؤثر بشكل ملحوظ لا على الموقف الأوروبي من النزاع، بل حتى على التوجهات الدولية. ولأجل ذلك فهي تبذل قصارى جهدها للعمل على تأخير الحسم في أي اتجاه، مكتفية أحيانا بإرسال إشارات طمأنة للجزائر، ومن ورائها البوليساريو، وأحيانا أخرى بإرسال إشارات معاكسة لها تماما للجانب المقابل. لكنها تدرك حتما إنه طال الزمن أم قصر، فلابد من أن يوجد يوما ما حل نهائي للمشكل. وهذا ما تتحسب له جيدا، وتريد أن تكون شريكة في صنعه. وما صدم الإسبان وأزعجهم في الوقت نفسه، أن التحركات المغربية في ذلك الملف بدت في الشهور الأخيرة حاسمة ومؤثرة جدا في مجرى الصراع، بشكل دفعهم قبل فترة للتعبير صراحة عن رفضهم للخطوة الأمريكية التي أقدمت عليها الإدارة السابقة بالاعتراف بمغربية الصحراء، وللتأكيد على أنه ليس بإمكان أي دولة أن تقرر بمفردها في الملف، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتقرر شيء بمعزل عن مدريد، أو من وراء ظهرها. وربما لا ينتبه الكثيرون هنا إلى أن التسوية التي يفضلها الإسبان ويرونها مناسبة لهم، هي تلك التي تكون شاملة، بمعنى أنها لا تقتصر على تحديد مستقبل الأراضي الصحراوية فحسب. فهم يرغبون بعقد صفقة إقليمية واسعة تكرس بقاءهم بشكل دائم ونهائي في مناطق من شمال المغرب، كما أنهم يسعون وبشكل ما إلى البحث عن اتفاقات، أو الحصول على امتيازات في المناطق الصحراوية.. أما هل سيقربهم استقبال غالي من كل ذلك أم لا؟ فقد تحدد الطريقة التي سيتعامل بها المغاربة معهم خلال وبعد الأزمة الحالية جانبا كبيرا من الجواب.