د.نورالدين الوكيل


”بنت الكوميسير ديالنا“، هي عبارة تُجَلِّي حالة المشهد السياسي والقانوني والاجتماعي في المغرب، هي عبارة تؤكد على وجود قانون فوق القانون، قانون اسمه ”الحصانة المخزنية“. هي عبارة تدل على أن هناك مواطنون عاديون، ومواطنون من الدرجة الممتازة. هي عبارة لا تقول جديدا في مغرب المغارب، ولكنها تلخص حالة التمييز الحاصلة أمام الدستور والقانون. قد يقول قائل أن التساهل مع بنت الكوميسير هي حالة معزولة، ومثلها يقع في كثير من دول العالم المتقدمة! لا يا سيدي، الأمر مختلف تماما، صحيح أن مثل هذه الحالات تمثل استثناء في تلك الدول، لكن عندنا نقول أن هذه الحالة فقط وجدت من يوثقها، وإلا فالمخزن في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والقضائية يضع نفسه فوق القانون. ثمة حصانة مخزنية تستثني الأجهزة المخزنية وكل من ينتسب إليها من المحاسبة والمتابعة. وهذا أمر طبيعي ومتوقع، إذ لا يمكن لنظام الحكم أن يصنع جهازا مخزنيا دون أن يمنح المنتسبين إليه طابع التمييز والامتياز. وهذا ما يفسر إقبال وتهافت الوصوليين على دخول دار المخزن و الاجتهاد في خدمة أجنداته القمعية والاستبدادية. فالبحث عن المصالح والامتيازات، على حساب القانون، هو من يولد الرغبة الجامحة لدى الوصوليينarrivistes في الكينونة مع المخزن ولو شعرة في جسده. إن عبارة ”بنت الكوميسير ديالنا“ وعبارة ”قولو سيفطيني عندك جطو“، وغيرها من العبارات وأشهرها في المغرب ”واش ما عرفتنيش، دابا تعرفني“ كلها تؤكد أننا في حاجة إلى تفكيك وهدم ونسف جهاز المخزن إن كنا نريد حقا أن تكون لنا دولة للحق والقانون. فالحق والمخزن ضدان لا يلتقيان! كيف لا، والقانون في نظر المخزن ما هو إلا مجرد عصا للضبط والردع والتحكم “ في رقاب الناس. فعبارة ”بنت الكوميسير ديالنا“ ومرادفاتها في قاموس المخزن هي التي أفقدت المواطنين الثقة في أجهزة الدولة وفي شعارات النظام الحاكم، وهي التي دفعت بالعديد من كفاءات هذا الوطن للهجرة إلى دول لا تسألك من أنت؟ ولكن تسألك عن كفاءاتك وقدراتك، والقيمة المضافة التي تحملها للمجتمع. فإذا كانت عبارة ”بنت الكوميسير“ ديالنا قد منحت سائقة حق خرق التجول، فإن انتساب مشاريع اقتصادية وصناديق مالية لشخص الحاكم كان دائما ولا يزال يلقي عليها صفة القداسة، بالقدر الذي لا يُسْمَحُ لأحد بانتقادها أو الاقتراب من دائرتها، إنها ” بنت أفكار ”سيدنا ومولانا“، فهي تحمل الصواب في جيناتها حتى وإن ولدت ميتة او معاقة.
وحتى لا أطيل، سأختم بكلام دارجي يفهمه كل المغاربة فأقول: ”شفتي راه ما دام المخزن هو لي كيشكل الدولة العميقة فهاد البلاد، والله لا طفرناه.“ يذكرنا التاريخ أن جهاز المخزن هو الذي أعمى الملوك السعديين حتى جعلهم في خبر كان بعدما كانوا سادة إفريقيا وأكبر المنافسين لأوروبا اقتصاديا وسياسيا، وعليه فإن هذا الجهاز في منطق التاريخ وإن كان يشكل خطرا على المحكومين في المدى القصير والمتوسط، فإنه يشكل على المدى البعيد خطرا على الحاكمين ونظام الحكم. لهذه الأسباب أقول وأؤكد أن تفكيك بنية المخزن سيبقى مطلب استراتيجي، وحاجة سياسة ملحة.