أحمد رباص – حرة بريس

تم وضع الشكل الأصيل للحقيقة في هذه العلمية – الشيء الذي يوحي بأن الحقيقة تعثر على عنصر وجودها في المفهوم وحده. إذا كان الحق موجودا على وجه التحديد في ما يسمى حينا الحدس، وحينا آخر المعرفة المباشرة بالمطلق، بالدين، بالوجود، فمن وجهة النظر هذه، يكون بالأحرى عكس الشكل المفاهيمي مطلوبا لتقديم الفلسفة.
لا ينبغي تصور المطلق، ولكن فقط الشعور به وحدسه؛ ليس مفهومه، بل يجب أن يكون لشعوره وحدسه صوت وأن يتم التعبير عنهما.
كان هيجل، ناقد الفلسفة العرقية في نسختها الأولى، على حق عندما ذكر بأن العمق الفلسفي ليس نتيجة وحي، بل هو ثمرة عمل، وأنه ليس أداء تلقائيا، وأن الفلسفة ليست شيئا يمكنك الانغماس فيه بدون معرفته د، نشاطا يمكن ممارسته دون تعلم أو تمارين. ليس هناك فلسفة عفوية أكثر من رياضيات أو فيزياء عفويتين، لا يصير الإنسان فيلسوفا بشكل عفوي أكثر من أن يصير تقنيا أو فنانا بشكل عفوي.
لذلك فإن الحجة الخادعة هي تلك التي مفادها أن كل شخص يمكنه تقدير الفلسفة حق قدرها لأن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، وإلا فسيكون صحيحا بنفس القدر في جميع العلوم والفنون والتقنيات، ما دام أن العقل لا يتدخل فيها بنسبة تقل عن تدخله في الفلسفة.
من هذا الجانب، يبدو من الضروري بشكل خاص ان نجعل من الفلسفة قضية جادة. بالنسبة لجميع العلوم والفنون والمواهب والتقنيات، يسود الاقتناع بأنه لا يمكن امتلاكها دون تحمل عناء ودون بذل جهد مفض لتعلمها وممارستها.
إذا لم يكن أي شخص، ذو عينين وأصابع، ووضعت رهن إشارته جلود وأدوات، ليس في وضع يسمح له بصنع أحذية، فلا زال يسود إلى يومنا هذا الحكم المسبق الذي وفقه يعرف أي شخص على الفور كيف يتفلسف ويقدر الفلسفة حق قدرها، ما دام يمتلك وحدة القياس في عقله الطبيعي – كما لو أن كل شخص لم يكن لديه أيضا مقاس الحذاء الذي ينتعله.
ختاما، كان السؤال الذي تم فحصه هو ما إذا كان النشاط الفلسفي يمكن أن يؤثر على التاريخ بالمعنى الذي يشير إليه، ليس كعلم بالماضي البشري، ولكن كموضوع للمعرفة في هذا العلم، كمصير بشري.
في البداية، كان الأمر يتعلق بالتبعية التاريخية للفلسفة. حيثما تطورت الفلسفة، إلا وتظهر ، من بين عناصر ثقافية أخرى، كسمة من سمات التفرد التاريخي للفترة المعنية. وعلى هذا النحو، فإنها تثير فضول المؤرخ.
هناك تبعية تاريخية للفلسفة لأن التفكير الفلسفي هو بحد ذاته أحد الطرق التي يتفاعل بها الفكر مع تجربة تاريخية محددة. إنه يتفاعل معها من خلال عمل المفهوم، بالمعنى الذي يعرِّف فيه كانط الفلسفة على أنها “المعرفة العقلانية بالمفاهيم”.
وبالرغم من أنها نشأت من تجربة تاريخية محددة، إلا أن الأفكار الفلسفية تكتسي طابعا كونيا، ولا تقتصر قيمتها على الزمان والمكان اللذين ظهرت فيهما.
ويبقى الحوار الفلسفي مع مفكري الماضي ممكنا دائما، والأفكار التي طوروها منذ فترة طويلة أو منذ وقت ليس ببعيد من المرجح أن يتم تحديثها لأن الميول البشرية التي درسوها تظل كما هي مع مرور الوقت.
إذا تم بالتالي الدفاع عن أطروحة الخصوبة التاريخية للفلسفة، فإنه على أساس هذه الملاحظة أعطت هذه الأفكار دليلها التاريخي، كما يشهد على ذلك مثال الفلاسفة اليونانيين في قرن بريكليس، أو مثال المفكرين الأوروبيين في بداية العصر الحديث، مع “الثورة الكوبرنيكية”، التي قام بها ديكارت، والتي بلغت ذروتها في عصر التنوير.
بهذا المعنى، تعتبر الفلسفة أحد الدائنين للتاريخ، وتعد ممارستها جديرة بالتشجيع. من المرغوب فيه بشكل خاص أن تكون الفلسفة جزءا من التجربة التاريخية لأفريقيا الحالية.
ومع ذلك، يبقى أن نرى كيف نجعل التراث التاريخي المتنوع للفلسفة مربحا من الناحية الفلسفية.
في هذا الصدد، يبدو أن الطريقة الجيدة “لتعلم الفلسفة” هي قراءة الفلاسفة أثناء التفكير معهم ؛ يتعلق الأمر بممارسة تعلم تاريخي منطقي للفلسفة. من شأن ذلك أن يؤدي إلى تطوير العادات النقدية، لأن الفلسفة التي يمكن أن تسهم في التقدم هي تلك التي تعتمد على الموارد النقدية.