محمد بوبكري


بعد تقديم القائم بالأعمال بالسفارة الأمريكية لتصريح يعلن فيه أن واشنطن تقوم بالترويج للديمقراطية في مختلف أرجاء العالم، لأن ذلك هو جوهر قيمها، كما أنها تدعم إجراء انتخابات نزيهة من أجل بناء مؤسسات ديمقراطية، الأمر الذي جعلها تدافع عن الحريات وتساند حق الشعب في التظاهر السلمي…
ورغم ما لقيه هذا التصريح المهم من تعتيم من قبل مختلف أجهزة الإعلام التابعة للجنرالات، فقد فهم الشعب الجزائري والرأي العام الدولي منه أن واشنطن قد أعلنت وقوفها إلى جانب الحراك الشعبي السلمي ضد حكم الجنرالات، ما يتضمن تنديدا بالعنف الذي يمارسه أو سيمارسه العسكر ضد الشعب الجزائري.
ويعني هذا التصريح أن صرخة الشعب الجزائري المطالبة
بالديمقراطية قد خلفت صداها في آذان وعقل وضمير الدول الغربية، ما يشكل مكسبا للحراك الشعبي الجزائري السلمي…
وأتمنى أن يدرك الجنرالات معاني مختلف الأصوات الدولية التي تناهض فسادهم وعنفهم، حيث إن انعدام أي صدى لهذه الأصوات في نفوسهم ستكون له عواقب وخيمة عليهم، وقد ينعكس ذلك سلبا على مستقبل الكيان الجزائري، الأمر الذي نتمنى عدم حدوثه.
وللتقليل من وقع هذا التصريح، فإننا نلاحظ أن بعض الجهات التابعة للجنرالات قدمت تفسيرا مضللا لهذا التصريح، حيث قالت إن إدارة بايدن تريد من ورائه ممارسة ضغوط لتحقيق مصالح إستراتيجية لها في الجزائر… ويبدو لي أن هذا الكلام يساند ضرب الحريات في الجزائر، كما أنه يدافع بشكل غير مباشر عما يمارسه الجنرالات من فساد وعنف ضد الشعب الجزائري، ما يؤكد أنه مع استمرار هيمنة النظام العسكري على الوطن والشعب الجزائريين… إنه كلام ضد الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان…
وإمعانا في التشكيك في هذا التصريح، يتساءل بعضهم: لماذا هذا التصريح في هذا التوقيت بالذات؟
لقد حقق الحراك في سنته الأولى نتيجة إيجابية تمثلت في ترحيل “عبد العزيز بوتفليقة” وعصابته. لكن ذلك لم يحدث بقرار من ” الجنرال القايد صالح”، بل انه كان نتيجة لضغط الحراك، الذي فرض على هذا الجنرال التخلي عن هذا الشخص، بعد أن كان حارسا أمينًا له. ويؤكد ذلك انه كلما اشتد الضغط على الجنرالات إلا وبدأوا يفتكون ببعضهم البعض، حيث يمكن أن تصبح هذه القاعدة واقعا في المستقبل إذا قام الشارع الجزائري بتكثيف الضغوط على العسكر وضاق بهم الفضاء…
وتجدر الإشارة إلى أن النظام في تلك الآونة لم يقم بمختلف أساليب القمع الوحشية التي يقوم بها اليوم “الجنرال سعيد شنقريحة” وأفراد عصابته، حيث نجد أن هؤلاء أصبحوا لا يكتفون بتوقيف المتظاهرين وحجهم واعتقالهم، بل تجاوزوا ذلك إلى حد أنهم أصبحوا يغتصبون القاصرين والكبار في المخافر الأمنية، ما تم استنكاره من قبل الرأي العام الدولي وإدانته من قبل الشعب الجزائري ، الذي رفع شعارا ينعت فيه المخابرات الجزائرية بكونها “إرهابية”…
وبالرغم من رحيل “بوتفليقة” ونظامه، فقد تآكد الجميع أن “الجنرال القايد صالح” قد سرق ثورة الحراك آنذاك. واليوم صار الشعب يعي أن العصابة الجديدة، المتحكمة في الجزائر هي آكثر سوءا من عصابة ” بوتفليقة”، حيث انضم إلى صفوفها الجنرالان “خالد نزار” و”توفيق محمد مدين” وجنرالات آخرون كانوا مسؤولين عن جرائم ما سمي بـ”العشرية السوداء”…
وقد عمق انضمام هؤلاء إلى عصابة “شنقريحة” نزعة العنف لدى هذه الأخيرة، ما جعل ” المجلس الأعلى للأمن الجزائري” يعقد اجتماعات متتالية مؤخرا لاتخاذ مزيد من إجراءات العنف ضد الحراك ورموزه…
لكن، هل تتمسك هذه العصابة بخطط عنفها بعد إعلان واشنطن لموقفها المساند للحراك السلمي؟
يبدو لي أفراد هذه العصابة هم عسكر لا يعرفون السياسة، ولا تطوير حلول سياسية، ما جعلهم ينظرون إلى مشاكل الحياة بكونها مجرد مشاكل أمنية. أضف إلى ذلك، أن الجنرالات منقطعون عن المجتمع الجزائري، كما أنهم منقطعون عن الجنود، حيث لا يربطهم أي رابط اجتماعي، ولا وجداني ، ولا فكري بالجنود، الذين صاروا يدركون أنهم جزء لا يتجزأ من الشعب الجزائري، الأمر الذي جعلهم يتعاطفون مع هذا الشعب، وقد يرفضون مستقبلا الانخراط في قمعه إذا أمرهم الجنرالات بذلك…
ونظرا للوعي الرفيع للحراك الشعبي، فإنه قد طالب برحيل الجنرالات فقط، ما يعني أنه ليس ضد الجنود، وإنما هو ضد حكم الجنرالات وما نتج عنه من عنف وفساد…
وهذا ما دفع الجنرالات إلى تعميق عنفهم باللجوء إلى التهديدات والاتهامات الباطلة، واختلاق الأعداء، وكأن الشعب الجزائري لا يعي ظروفه، ولا يدرك مصلحته. فالشعب الجزائري يحرك نفسه بنفسه، ولا يمكنه ان يخضع لتوجيه أحد، الأمر الذي يتجسد في إبداعه لملحمة الحراك الشعبي السلمي الحضاري. كما أن الشعارات التي يرفعها تعبر عن عمق وعيه، وإدراكه الجيد لما يسعى إلى بنائه مستقبلا. لكن جهل الجنرالات هو ما جعلهم لا يدركون أنهم هم أصل الداء، وأن الشعب الجزائري هو مجرد ضحية لهم، وأن وعيه قد نما وتحول، فأصبح يرفض نظامهم عبر مطالبته بتغييره في أفق بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.