بقلم : عصام لكرد

ثلاث موظفين سابقين في شركة “PayPal”، الأول يدعى تشاد هرلي، و الثاني ستيف تشين، و الثالث جاود كريم، هم المؤسسون لموقع مشاركة الفيديوهات الشهير “YouTube” يوم 14 فبراير من سنة 2005, هذا الموقع الذي يتخد من عبارة Broadcast yourself أو قم بالإذاعة بنفسك، شعارا له، إشترته Google سنة 2006 و يعمل كإحدى الشركات الفرعية للشركة المالكة، و هو ثاني أكثر موقع من مواقع الويب زيارة في العالم.


هذا الصرح الإلكتروني يعتبر مجالا خصبا للمحتويات التي تختلف بإختلاف صناعها، فقد تجد مقاطع خاصة بالأفلام أو بالموسيقى أو Vlog أو كل محتوى قد يخطر ببالك أو قد لا يخطر، كما يتيح اليوتيوب للمستخدمين تحميل و عرض و تقييم و مشاركة و الإضافة إلى قوائم التشغيل و الإبلاغ عن مقاطع الفيديو و التعليق عليها و الإشتراك مع مستخدمين آخرين.
كان أول فيديو تم رفعه على الموقع بواسطة أحد مؤسسيه و هو “جاود” بعنوان (أنا في حديقة الحيوان) (Me at the zoo)‏ و كان ذلك بتاريخ 23 إبريل 2005، وتبلغ مدته 18 ثانية. و منذ ذلك الحين لم يتوقف رفع الفيديوهات حتى الآن.
كل شيء يبدو عاديا لقارئ هذا المقال، لكن هذا الإستهلال سرعان ما سينقلب لعتاب و ربما حتى لهجاء، لهذا المرجو الإنتباه و متابعة قراءة هذا المقال.
و كباقي سكان كوكب الأرض، يستعمل المغاربة هذا الموقع منذ سنوات خلت، بل و قد صار المحتوى المغربي من أشهر المحتويات إثارة للإهتمام و الجدل، لتنوع المواد المقدمة فيه.
و لا يختلف إثنان و لا حتى ثلاثة و لا حتى مليون شخص، على أن اليوتيوب في المغرب أصبح مهنة من لا مهنة له، فقط عليك التوفر على حساب بريد إلكتروني و تتبع خطوات معينة و هنيئا لك بإمتلاك قناة تحمل إسمك الحقيقي أو المستعار، و صورتك الحقيقية أو المستعارة، و تنطلق مسيرة البحث عن المشتركين و المتابعين لوصول الغاية المنشودة و هي الحصول على 1000 مشترك و 4000 ساعة مشاهدة قصد تفعيل قناتك و بداية موسم جني الأموال التي لا أبالغ إن قلت طائلة.
و كما قال ميكيافيلي : الغاية تبرر الوسيلة، فالغاية معروفة و مشتركة بين جميع ” اليوتوبرز” لكن الوسيلة تختلف، و لمعرفة تفاصيل أكثر عن السبل المتبعة، ما عليك سوى الذهاب إلى trending أو الفيديوهات الأكثر مشاهدة لتعرف الحقيقة الصادمة التي لن تروق لذوي الضمائر الحية و العقول النيرة. بين “روتيني اليومي” و إستعراض المؤخرات، إلى “مقلب في زوجي” لنشر الواضحات و المفضحات، إلى نماذج من السلالة التافهة جدا حيث صاروا من كبار الشخصيات، إلى الحديث حتى عن المستقبل و الغيبيات، و سرد حكايات عن الجنس و الباغيات، و فضح العورات بإستخدام الكاميرات و جميع المعدات … إلخ إلخ إلخ
محتوى اليوتيوب المغربي “المنحط”  الذي يستقطب نسب مشاهدة خيالية يكرس يوما بعد يوم صورة سيئة عن المغرب و يعد بمستقبل أشد سوادا من الحاضر في ظل وجود جيل صاعد متمرد على حضارته و تاريخه و واقعه، بل متمرد حتى على نفسه، و رغم الأصوات الداعية إلى الحد من منسوب التفاهة، إلا أن التافهين في حد ذاتهم و التفاهة في حد ذاتها للإنتقاد يرفضون، و لصوت العقل لا يخضعون، و لقيم المجتمع هم ضاربون.


لم تمنع جائحة كوفيد 19 اليوتوبرز من الإستمرار في نشر المحتوى الساقط و المنحط، بل و على نهج كورونا، أصبح فيروس الإبتذال معديا جدا و صار معه التافهون يعيثون في مواقع التواصل الإجتماعي فسادا و ينتشرون يوما تلو الآخر كالنار في الهشيم، و يستقطبون عددا لا يستهان به من الجمهور من مختلف الأعمار، و ما قد يوصف بالكارثي، هو أن هؤلاء صاروا قدوة لغيرهم، تغذيهم بعض وسائل الإعلام لتجني معهم ثمار تفاهتهم و إنحطاطهم، و كأنها مؤامرة ممنهجة لضرب القيم المغربية الأصيلة في مقتل.
لن تكفيني مقالة واحدة و لا حتى عدة مقالات للحديث عن هذا الموضوع، لكن ما أود قوله في الختام، هو أن كل الطرق تؤدي إلى Google Adsense لإستخلاص المستحقات المالية حتى و لو كلفهم ذلك ضمائرهم و كرامتهم و في بعض الأحيان حياتهم.