الكاتب والمبدع حسن برما

 أنا الحنين لسطح الحلم، بحري المولد والنشأة، سَهْلي الأصول والجذور، صحراوي الهوى والطباع، جبلي العشق والافتتان، أكون حيث أكون .. تسألني عن ظلال الفكرة وأنت الهارب نحو الشجرة التي تخفي غابة العفاريت ومغارة الجنيات .. ويقيني، لا جدوى من سؤال الغياب.

             هي جثة .. وسيفك المغروس يسار الحزن المحتوم ينهي المهمة الحقيرة، يصير الموت لعنة بلا آثر، والدماء تنزف من كف القاتل يوم فاتح أبريل .. وهدية العيد كذبة تهزم المستحيل بمعجزة لن تتحقق .
              لابد أني كنت شقيا غبيا وأغرقتني مويجات الحلم الأسطورية، اصطادتني شباك الكذبة الكبرى، قرب جبل عشيرة مسكون بجنيات الأساطير الشرقية حيث رعى الجمل العطشان أشواك التربة المعطوبة وارتوى من أوهام السراب.
              سقط كاتم الأسرار في البئر الجافة، عانق الموت بأعجوبة، أخرجوه من الظلمة، وطاف بين الناس شامتا في عرافة مستقبلك الكاذب، امتلكت الشجاعة اللازمة، تمددت في جوف قبر صخري السرير ورملي الحيطان، مزقت الوصية واستعادني شرود وهمك الأبيض .
             فكرت في الحياة بتفاؤل، التزمت قواعد الغرس المعهودة، كانت التربة سخية، لكن النبتة ماتت في المهد، ربما صدقت نبوءة التيه والموت جوعا، طال انتظاري لماء الحياة، أحاطت بي تموجات السراب من كل الجهات، والأمواج الرملية المتربصة بنبضي وعنادي ضاعفت الإحساس ببشاعة التيه والضياع .
              قرب كومة الحجر المطلي بالحناء، اقتربت من إشباع وهمي، رميت بالسطل الفارغ في البئر الوحيدة، احسست به امتلأ وصار ثقيلا، جذبت الحبل بقوة، عند فم البئر، كان السطل محتلا بثعبان وأفعى متعانقين، تراجعت للوراء ورميت السطل بما حمل .
              تقويسة الهلال مفتوحة على الكذب والادعاء، حاولت الإمساك بها، فاجأتني صعقة كهربائية زلزلت دواخلى، أدمعت عيني، ومشيت أعمى في طريق وهمٍ مليئة بالأشواك.، أعلنت التحدي، ارتدادات زلزال الرعب لم تمنعني من المراهنة على صعود الجبل، وأثناء النزول من بياض القمة، فقدتها للأبد، تلك الرغبة في الفوز بحسناء لا تخون، خسرت الرهان، وربحت غبائي!
               لم أكن أعلم سر ربط فاتح أبريل بالكذب، صباح مساء، كل الوعود مشاريع خيانات مؤجلة، لرعشة الادعاء سحر خدَّر الحواس، وغريزة انتهازية خططت لتجاوز ورطة الصدفة حيث الضحية تعشق جلادها وتتصالح مع القناع.
              وجدتني أعثر على نفسي وقت الغروب الحزين، فوق رمل شاطئ مهجور، أقرأ تشكيلات غيوم تستعجل الرحيل، قديما قيل لي، لا تصدق سحابة عابرة لا تأبه لانتظاراتك، السحب أرواح ضائعة تدمن الخيانة، لذلك دعها ترحل حين تطغى الظلمة! واحتم بالملجأ المرصود لمن يقرأ بالقلب!
              في كل الأحوال، حزني لا علاقة له بالكذبة التاريخية، إبليس خطط، غبي صدق، وعفريت ترك الخراب، والهزيمة في حضرة هؤلاء انتصار  على الداء، انتقام من أحقاد جلاد يستعيد تفاصيل اغتصابه الموشومة، وارتداد نحو وحش يحمل ذاكرتي شقية بسيف معطل عاجز عن الاقتتال.
               قادتني خطواتي المضطربة حيث شاء تيه العتمات الكئيبة، استحالت أحلام الجوع والعطش إلى أوشام سوداء تحفظ للذاكرة أعطابها، طال المسير، ومع ضوء الصبح، اكتشفت ضياعي وسط نباتات بشعة عرفت أنها آكلة للحوم البشر.
              اليوم أدركت سبب الاحتفال بكذبة فاتح أبريل، ربيع العشيرة خيانات للأحلام الكبرى، زيف يحتفي بالألوان المخادعة، وذاك الأزرق السماوي المفتوح على الوهم، شرود الرؤية والبصيرة، وعود السجع الميت فوق رماد يدعي الحياة، واللغط السائب يفتات من حرمان تاريخي يكره ربيع الفراشات ويحن بانتهازية كئيبة للاغتسال ببول ناقة تشتهي الأشواك وغبار الزوابع المؤلمة للعين المريضة.
             حاولت إقناع النفس الأمارة بتصديق الوعود، أن كلامها الهارب مجرد فقاعات لا مرئية هدفها تزيين الأكاذيب والادعاءات،  وعشيرتي فزاعة من قصب، في وسطها حزام عفة، ومن فمها ينبع شلال وعود وهمس ريح وعطر نفاذ  لتدجين المشاعر وقتل العهود.
              وبما يلزم من الشغف للماء الشروب في زمن الجوع والماء المالح، تلمست طريق النجاة من ظلمة حاصرت عطشي المقدس، وقادني إحساسي المعطوب إلى مقبرة تقطنها أفاعي  الخرافة الكاذبة وثعابين ملتحية تحرس عظام من بادوا ولم يبق منهم سوى ذكرى هزائم غبية، خرجت من فتك الأشواك وعانقتني أجراس الغواية المسمومة.
             وبكل رومانسية مدوخة للحواس، شعرت بلدغة مؤلمة في ساقي الأيسر، لم أعرف مصدر اللدغة، هل هي أفعى جاهزة للنيل ممن يقترب من محيطها المرعب؟ أم انتقام ثعبان حركه الجوع وفجر في سمه المخيف؟ أحسست بخدر مريب يثقل حركتي، ودوخة غريبة تمنعني من مقاومة بشاعة العتمة، ولم أسأل نفسي عن شلل النهايات الحاقدة.
             أيقنت من تسلل السم لشغاف القلب، استسلمت لانتصاب غبي أهدى القضيب المعطوب رعشة مخادعة لفحولة تشرف على الموت، بالكاد أدركت أن وقت الرحيل لن يطول، هذا ما جنته عليَّ عشيرة الاحتفال بالأكاذيب وتقديس الخرافات، وما جنته سذاجة الانتظارات الحمقاء في جغرافيا الجفاف وتكلس المشاعر والأطراف.
             اشتغلت الذاكرة في الجسد المسموم، بسرعة البرق، رأيتني انتقل من محطات متباعدة في العمر الشقي، طفولة موغلة في عشق الطبيعة، شباب ساذج آمن بحلم مثالي، غباء مزمن صدَّق انتهازيات كئيبة جعلتني جسرا لسرقة الفرح من كوابيس فرضت قهرا على من أدمنوا شؤم التعساء، ولعنة بليدة أصابت ما تبقى من أيام غارقة في جوع الدواخل والأحلام.