مقالات الرأي

إسبانيا: من قوارب الموت إلى كرامة العيش – درس في الإنسانية.

جمال الدين ريان

لطالما كانت السواحل الإسبانية وجهة لآلاف المهاجرين القادمين من جنوب البحر الأبيض المتوسط، هاربين من ضيق الحياة في أوطانهم بحثاً عن الأمل والكرامة. مشاهد قوارب الموت التي تحمل الشباب والأسر في رحلة محفوفة بالمخاطر أصبحت مألوفة، تروي يومياً قصص الفقد والألم والانتظار على أمل الضفة الأخرى.لكن إسبانيا، الدولة الأوروبية التي عرفت تاريخاً طويلاً من الهجرة والتعايش، أبت إلا أن تقدم درساً في الإنسانية في تعاملها مع هؤلاء المهاجرين. فقد شهدت السنوات الأخيرة تحولات إيجابية في السياسات الإسبانية تجاه المهاجرين غير النظاميين. بدل الاكتفاء بالتضييق أو الترحيل، شرعت السلطات في تسوية وضعية آلاف المهاجرين، مانحة إياهم حق الإقامة والعمل تحت شروط واضحة تراعي كرامة الإنسان وحقه في الأمان.تؤكد الأرقام الرسمية أن إسبانيا قامت خلال السنوات الأخيرة بتسوية أوضاع عشرات الآلاف من المهاجرين، خاصة أولئك الذين أثبتوا اندماجهم في المجتمع الإسباني أو كانت لهم روابط أسرية، أو ساهموا في سوق العمل واحتاجت إليهم قطاعات أساسية كالفلاحة والبناء والرعاية الصحية. هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فقد أظهرت جائحة كورونا أهمية اليد العاملة المهاجرة في بقاء قطاعات حيوية، ما دفع الحكومة الإسبانية إلى مراجعة سياساتها ومنح المهاجرين فرصاً جديدة للعيش بكرامة.هذه السياسات لم تخدم المهاجرين وحدهم، بل عادت بالنفع على المجتمع الإسباني ككل، من خلال سدّ النقص في اليد العاملة وتنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز قيم التعايش والتسامح. كما أن تجارب المهاجرين الذين انتقلوا من ظلال الخوف والاختباء إلى نور المشاركة المجتمعية، تعكس حقيقة أن الهجرة ليست عبئاً بل فرصة للتنمية والتجدد.إن ما قامت به إسبانيا هو رسالة واضحة إلى العالم: الهجرة ليست مأساة إنسانية فحسب، بل يمكن أن تكون جسراً للأمل، إذا ما وُجدت الإرادة السياسية والرؤية الإنسانية. إنه درس بليغ في احترام كرامة الإنسان، وتذكير بأن الحلول العادلة أكثر نفعاً من السياسات العقابية.تحية شكر لإسبانيا، التي اختارت أن تكون جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة، وأثبتت أن الإنسانية هي الطريق الأجمل نحو مستقبل أفضل للجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID