باريس نجاة بلهادي بوعبدلاوي

كلما تقدم بنا العمر في الغربة زاد الخوف الذي يسكن صدورنا، من الظلام ومن الوحدة ومن الذئاب التي سردت لنا في قصص ما قبل النوم لتتحول إلى هاجس يسكننا، فالسجن الذي رأيناه في الأفلام متجسدا في غرفة صغيرة بادرة تحولت في زماننا هذا لوطن كبير لفظنا فاخترنا الغربة قسرا، باحثين عن الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية والمساواة.
في وطني مع ظهور لوائح الريع وأحزاب الردٌة انطفأت كل أضواء الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمجالية، حتى أصبحت منطفأة في العقل والقلب في واضحة النهار، والذئب الذي التهم القبعة الحمراء في رواية الجدٌة أصبح يلتهم حقي وحقك، ويلبس ثياب المصلح والواعظ الذي لا نشكك في نواياه، تضخٌم الخوف، وتعاظمت في النفس سبله، حتى أصبحنا نلهث خلف السرائر مبتعدين عن العالم، معتزلين الواقع.
بعد الرحيل كل ما نحصل عليه ونحن نكبر في الغربة يكبلنا، يربط ألسنتنا، ويقيد فكرنا، يتحول الحق إلى هدية يتكرمون عليك بها، فتنكمش أفكارك خوفا من الغربة والوحدة.
وأنت في الغربة تحصل على عمل بمجهودك العلمي المتحصل عليه، تدرس وتتعب، ثم تجتاز الصعاب وتحصل على فرصة عمل، تفرح وترتاح، لكن لن تدوم هذه الزغاريد طويلا، حتى تتحول في لحظة إلى دمية القش، بخيوط متدلية، لا يراها العام والخاص، لأنها تتمثل في قرارات تملى، وتعليمات تكتب، قد لا تتوافق مع فكرك، ولا مع تربيتك، تكسر أخلاقك، وتهزم استقامتك لكنك تبقى متشبث بها لأنها هي من سبنقذك في غربتك ويشد عضدك…
تقرر وأنت في غربتك أن تتوجه للمسجد ليتبين لك الحق من الباطل، فترى الإمام يصعد على المنبر لابسا ثيابا بيضاء ومهذبا للحية سوداء منذ الصباح يحمل في يده عصا يهش بها الأيام، وفي اليد الأخرى ورقة، تظنها للوهلة الأولى تحضيراته الأسبوعية لخطبة الجمعة، فتنهار كل نواياك الحسنة، وهو يستفتح الخطاب بالدعاء للمسلمين والمسلمات ويجهر بالدعاء على الكفار الذين نعيش نحن المسلمين بينهم ولنا نفس حقوقهم، تحسن الظن به قليلا فلا يلبث إلا قليلا لتكتشف أنها ورقة كتبت وفقا للوضع الراهن وبرغبة من جهات نجهلها، لتكتشف نهاية المطاف أن هذا الإمام مكبل بالراتب الذي يتقاضاه، قد يتمتم في سره بالرفض لكنه يفكر في الجوع والفقر، يغضب الرب، ويكفر بالرزق، ليرضي الآخرين وويتودد لهم.
قد يكون الفقر مؤلم لكن الظلم أشد وطأة على الروح، أن تموت جوعا وأنت حر خير من أن تعيش عبدا وأنت سمين، يقول مصطفى محمود “إن الحرية لا يصنعها مرسوم يصدره البرلمان، إنها تصنع داخلنا”..
هكذا نحن في هذه الحياة