**  حسن برما

                  في كَفْر الخيانات المشاع، حضنوا الغريب المنقذ حتى ظن أنه من أهل الدوار، تناسلت أقنعتهم الشيطانية كي يفلتوا من موت الحواس، وفي أفق النجاة المزعومة، ذبحوا الغريب الغبي قربانا ووفاء لمكر تاريخي منقوش على وجه الجبل العبوس.

                  فيا زمان الفصل عن الأندلس، رائحة شواء اللحم الآدمي قتلت الحنين لقُبَل حسناء الغجر، أهدت مناحة الوقت المغدور أغنيتها الغبية واستراحت فوق تلة الصقيع تتلذذ انتصاراتها على فارس قاده الكابوس لحبل الفناء!

                 قالوا لي .. لن تخسر العدم، مستنداتك عبورك مخبأة في كهف العشيرة المستباح، والحجج الدامغة في الحفظ والصون، وأوان تمزيق أوراق الأقنعة الانتهازية قد حان، والضياع في التلال  الثعبانية حيرة عمياء يقودها الحنين الجارف نحو منافي الرحيل الأخير !

                 وعجز الملعون فاضح، يجهل السباحة في بحر الدوامات المسعورة، والموج يخفي دعوة الابتعاد عن دوائر الانجذاب، ولا يشفق على رعونة المنذور للاختناق .. والمسكين يقاوم موت اللحظة ولا ينسى الحذر من تيارات الهلاك .

                 سألتني وقد شجعتها سذاجتي في تصديق إيماني الظاهري بكلماتها السائبة ، قالت: إلى متى يستمر شلال بوحك الهائج؟ ألم تمل من لعبة الكلام؟ ابتسمت ضدا في أحزاني، قلت: لست صخرا حتى ألزم صمت الصنم!

                  استفزازا لنرجسيتك الموروثة عن جدورك الدائخة، لا شيء يهزم نبض المشاغب العنيد، قد أسمح لك باستغلال خواء الهاوية الأسطوري، تتوهم نفسك قويا، وفي قرارة نفسي المدمنة على عشق البوح والفضح، أنتقي للندم تربة خصبة أزرعها نبتة تشبع رواة الفراغ المأزوم.

                 كيف لذاك اللحن الطفولي المتواضع أن يشعل الحنين وكل الحرائق التي تحجب رؤية فخاخ الخيانات المشاع تفضح قسوة اليقين المفضي لظلمة القبر؟!! هي العشيرة اللعينة نجحت في اجتثاث المشاعر البريئة، أقامت عرسا لحفريات الغدر المشؤومة، وعلى رأس الجبل المخدر بنبتة قتل الحواس، علقت جماجم من سحرتهم حسناوات المتاهات الحاقدة.

                 من غزليات الزمن الضائع، رددت أنشودة احتفت بزلزال المشاعر، طبعا تحاشيت لحن الدمار الشامل، اكتفيت بالتماعات الفرح الغامض، لم أفهم سر السحر الغريب، مضيت لفنائي بحماس المخدر فيما غجرية الفردوس المزعوم ترقص في مناحة الانزياح الملعونة.

                  فوق هضبة الجن المعتقل، وقفت الغجرية على قدم مكسورة، جمعت حولها لفيفا من الأغبياء، ملأت بهم وقت المدينة المصابة بداء العقوق، تجاوزت عطبها التاريخي،  وانتقمت من غريب معتوه أخرجها من كآبة الانكسارات وأعاد لها الإيمان بامرأة كانت تعيش مشلولة على هامش دون أسماء.

                 ناديت جلادي، قلت .. دعنا ننسى طعنة السكين في صدر الوقت، لامبالاة البحر بريح العشي مجرد أكذوبة، والسؤال عن حال الوهم ضياع عبثي وسيف صدئ فقد القدرة على النيل من فارس الغباء والهباء !

                 كل سؤال عنك هو شوكة في حلق الإدانة، سلك جارح يبعدني عن مرسى الحلم بالممكن، لأجل هذا وغيره ، أكتفي بجواب السفر عن شاطئ اعتاد الاحتفاء بيقين لا حاجة لي فيه لتمطيط عهر الخيبات!

                  مع صرختي الأولى، حدست خيانة الحياة لسذاجة الحلم المفترض، صرت أقتات من حزني، وأعزف عن سؤال الهاوية وعبث الوفاء لظل جبلٍ شوعته عشيرة مسكونة بداء تقديم غرباء التيه قرابين لجنيات دمويات يمارسن لعبة ملء جداول الخيانة بدماء بريئة قادتها الصدفة لوَكْرِ العميان.

                 ونداء الإدانة .. يا سليلة الحرف المهزوم .. كيف أسأل من مسحت ذقنها بيمناها وتظاهرت بصمت الفزاعات؟ سألقي باقة كلماتي في هاوية العدم وأهجر غباء السؤال حتى لا يتاجر عطرك الزائف بأزهار الاعتراف!

                 لا فائدة من استفسار حبل المشنقة عن جلاد لا يرحم في حياة بلا معنى؟! وما جدوى السؤال عنك وقد ارتديت ثوب الوفاء لجبل احتفى بهشاشة قادتني لهاوية الفناء؟!