ذ. مصطفى المنوزي محامي و رئيس منتدى التفكير و الدراسات و التوثيق

تراكمت بسرعة فائقة معطيات كثيرة خلال فترة الحجر الصحي وحالة الطوارئ ، هي بحق وقائع مهيكلة لمشهد وطني جديد ومختلف ، على الأقل على مستوى التقييمات والمراجعات وتغيير الاصطفافات ، في ظل الوعي بضرورة رد الاعتبار للبعد الاجتماعي في الهويات الحزبية والسياسات العمومية ، باعتبار التشخيص الذي ابرزت ملامحه بقوة وصدمة هشاشة المنظومتين الصحية والتعليمية في بعدهما المعرفي واللوجستيكي ، مما طرح امكانية استفادة جميع الفرقاء من اللحظة الوطنية من أجل تأهيل تلك القطاعات وبضرورة فك الارتباط مع توصيات المؤسسات المالية الدولية أو الهيئات المانحة للمساعدات في شكل قروض اشتراطية ؛ غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح : هل الدولة مستعدة لتحصين ارادتها اي كذا ” إعلان نوايا” الاستدراك وانقاذ ما يمكن إنقاذه لمصلحة الوطن العامة ، أمام إكراهات التحولات الجيوسترايجية الجارية في العلاقة مع القضية الوطنية والقضية الفلسطينية والمواعيد الانتخابية ، والتي يظن البعض أنها فرصة تعبوية سانحة لاعادة تسطير خريطة سياسية جديدة ؛ إلى درجة أن حزب المصباح اعتبر نفسه مستهدفا ، بدليل ردود المسؤولين من داخل قنوات الحزب والتي تفيد ، في صيغة تحدي أن ” رغم التطبيع مع اسرائيل سنظل في المرتبة الأولى اللهم اذا حصل تدليس تشوب ارادة الناخبين ” ؛ مما يعني أن قوة وحجم الحزب ستتعزز في المحطة المقبلة بسبب الفراغ و تقهقر المنافسين ؛ وقد تعني في نفس الوقت أن ما يهم الحزب هو ضمان الاستمرارية مقابل عدم عرقلة مسارات التسويات الدولتية الجارية وعدم التشويش على تعهدات الدولة والتزاماتها الدبلوماسية الدولية . هذه الرسائل ستفك شفرتها ظرفية ما بعد ولاية ترامب ، مع الرهان ( من قبل الاسلاميين ) المفترض على صداقة ودعم الديموقراطيين مالكي القرار والسلطة في أمريكا ؛ وهو معطى سيؤثر على بيئة التفاوض لغاية بقاء الحال على ما كان على صعيد المشهد السياسي الوطني ؛ في حين ليس لليسار ولم يعد له ما يقدمه سوى حلحلة الملف الاجتماعي والحقوقي في سياق استكمال تنفيذ توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة ، رغم أن العملية السياسية التي رافقت العهد الجديد استنفذت دورتها ، ولم يبادر الصف التقدمي إلى البحث عن تسوية تؤسَّس على ابتكار جيل جديد من الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية على الخصوص ؛ والحال أن الأحزاب اليمينية مضطرة للميل نحو الوسطية الحزبية ، لدعم الاصلاحات الاقتصادية ودمقرطة القرار المالي ، مع ترشيد شرط الوطنية الرأسمالية لتأطير التنافس مع الرأسمال الأجنبي واستثماراته المسقبَلة ، خاصة وأن سؤال ثنائية السيادة والانفتاح بمنطق التبادل الحر ، سيطرح نفسه في العلاقة مع أسئلة التنمية والديموقراطية في الأقاليم الجنوبية ، من سوس إلى الصحراء ، وهو مشروع تنموي يؤثت لاستيعاب وتفعيل مقترح الحكم الذاتي ، فهل سيتجاوب العقل الأمني مع ممكنات الانفتاح والتوافق بتأطير التسويات الممكنة لضمان استقرار حقيقي باقرار حكامة أمنية وقضائية ( مجلس أعلى للامن ومجلس دولة للاستشارة والقضاء الاداري ) ، أم أن ما يهم هذا العقل هو الإعداد لأي انتقال سياسي اضطراري ، يضمن استمرارية المنظومة وحماية النظام والدولة كأولوية الأولويات في جدول الأعمال الوطني ؛ وهل ما تبقى من وجود وشتات تقدمي قادر على تكرار تجربة التناوب التوافقي دون أعطاب ، لكن بنفَس أقوى ووضوح تعاقدي اشتراطي بيِّن ، حيث لا تكفي حسن النوايا فقط ، بل لابد من عملية تعبوية من أسفل نحو الأعلى ، يرافقها نقاش عمومي عرضاني ، يفرز ثمرات توافقية ، تتجاوز عقلية عدالة المنتصرين وثقافة ايديولوجية الهزيمة أو فوبيا الإنقراض ؟