عبدالحي كريط

نعيش في عالم متغير السياسات والنظم ،معها تتغير حياتنا ومصائرنا بل ويمتد إلى الأجيال اللاحقة التي تتأثر بهذه السياسات،التي تنتهجها الدولة في علاقاتها الخارجية،والتي تتخذ عدة أشكال من خلال المنظومات المكونة لسياسة الدولة الخارجية (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا … ).

ويعتبر تحليل النظم الإقليمية أهمية بالغة في مجالات دراسات العلاقات الدولية وتحليل طبيعتها على عدة أسس ،سواءا من حيث المفاهيم أو من حيث المناهج والأطر النظرية المتداولة،ولابد من الإشارة إلى أن مستوى التحليل ظهر ونشأ إبان انتهاء الحرب العالمية الثانية وتبنته المدرسة السلوكية وإتخذته كأساس علمي في تحليل العلاقات الدولية ويعد كل من kinneth woltz و David singer و morten kaplen من أبرز المنظرين والمفكرين الذين يعود لهم الفضل في إدخال المفهوم في تحليل الأوضاع الدولية بناءا على عدة معطيات،إلا أنهم اختلفوا حول أي مستوى من التحليل يجب الإعتماد عليه إلا أن مايهمنا في هذا المقال وبعيدا عن الإشكالات النظرية التي تناولت هذا الموضوع هو المستوى الإقليمي الذي أشار إليه Barry Bouzen باعتباره مكونا منطقيا للتحليل في دراسة السياسات الدولية،وهذا ماسنحاول التطرق إليه من خلال تبسيط هذا المفهوم للقارئ نظرا لأهميته في تحليل ورسم العلاقات السياسية بين مختلف دول العالم.

فمفهوم النظام الإقليمي بوصفه منهاج تحليلي في الدراسات المتعلقة بالعلاقات الدولية ،يمكننا من معرفة السياسة الخارجية لأي دولة من الدول،فقد فمدرسة الإقليمية هي مدرسة علمية تبحث في النظام الإقليمي الفرعي والذي يقوم بدور (وحدة ) تحليل وسطية بين الدول القومية من ناحية والنظام الدولي المسيطر أو المهمين le système international dominant، من ناحية أخرى.

ولابد من التمييز في هذا المفهوم من خلال مصطلح النظام الفرعي الذي يشير إلى تفكيك النظام الدولى إلى أنظمة فرعية وذلك إنطلاقا من نظرية الباحث والفيلسوف السياسي oran yong على إعتبار أن بعض الأقاليم تتميز بقدر من الانقطاع والخصوصية التي تميزها عن مناطق أخرى ،إضافة إلى أن النظام الإقليمي يستخدم في هذا المصطلح بمعنى تجميع دول متجاورة تنتمي لإقليم جغرافي معين وتتقاسم خصائص مشتركة داخل المنظومة التفاعلية التي تميزها عن باقي الأقاليم.

فمفهوم النظام الإقليمي هو مفهوم واسع وفضفاض بالرغم من وجود مئات التعاريف التي وضعها باحثين وأكاديميين في ضبط المفهوم ،لكن ليس هناك تعاريف موحدة أو دقيقة إتفقت على تعريفه،وقد ذكر صاحب نظرية القوة الناعمة والقوة الذكية Joseph Ney ،أن منظمة الأمم المتحدة فشلت فشلا ذريعا في وضع تعريف دقيق للإقليم. مثله مثل باقي التعاريف الجدالية ،وكما نعرف جميعا فاءن مثل هذه المفاهيم تخضع لحسابات الدول ومصالحها التأويلية في المفاهيم (كمفهوم الإرهاب مثلا ).

فلا يمكن فهم السياسة الخارجية للدولة بشكل كامل أو شبه كامل دون الرجوع إلى البيئة المجاورة التي توجد فيها تلك الدولة ،حيث تؤثر أنشطة أي دولة من الدول أعضاء النظام الإقليمي، سواءا كانت أنشطة تعاونية أم عدوانية في السياسة الخارجية للأطراف الأخرى أعضاء النظام الإقليمي، وكذلك فاءن السياسة الدولية لايمكن فهمها إذا كان التركيز منصبا فقط على العلاقات بين الدول الكبرى في النظام الدولي المسيطر ،دون إهتمامات بالسياسات والتفاعلات الإقليمية،من خلال إمتداداتها المجالية التي ثؤثر في ميزان المنظومة الدولية.

فمنهاج مدرسة النظم الإقليمية يساعد بشكل كبير في تحليل النظام العالمي وتحليل السياسة الخارجية للدول،من ناحية كونه يهدف إلى الكشف عن الطبيعة الداخلية للعلاقات الدولية الإقليمية في إقليم معين والتعرف إلى خصائص وأنماط التفاعلات التي تحدث داخل النظام الإقليمي والعوامل التي تتحكم في تلك التفاعلات ومعرفة الكيفية التي ترتبط بها النظم الإقليمية بالنظام الدولي ،فتحليل النظم الإقليمية بهذا المعنى يساعد على فهم سياسات الدول والعلاقة بين النظام الفرعي والنظام الدولي ،وعلى معرفة إلى أي مدى تتشابه العلاقات الدولية للاقاليم بعضها مع بعض ،ولماذا تتمايز وتتغاير العلاقات الدولية بين الأقاليم ؟وبين داخل الإقليم الواحد من مرحلة تاريخية إلى أخرى؟ .

فمعرفة كل هذا يساعد في صياغة تصور ومنهج للعلاقات الدولية الإقليمية المقارنة ،وتساعد على فهم تفاعلات المستويات المختلفة في النظام العالمي وبالذات بين النظام الدولي المسيطر وأي من الأقاليم الدولية ،وذلك لفهم حدود الترابط والتبعية والاختراق، وأسباب تباين درجة مستوى إختراق النظام الدولي للاقاليم، ومن ثم فهم أسباب وحدود الترابط أو التبعية وسبل النهوض بتطوير تلك العلاقات .

وإذا كان الأصل في العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام الدولي المسيطر، علاقة تبعية فاءن هذا لايعني انعدام الاستقلالية كليا بالنسبة للنظم الإقليمية سواءا في تفاعلاتها أو في علاقتها في النظام الدولي ،فواقع العلاقة بينهما هي أكثر تعقيدا من مجرد كونهما علاقة ذات إتجاه واحد ومحدد داخل بوثقة الخضوع.

ولتنزيل تحليل مفهوم النظم الإقليمية أو المستوى الإقليمي في تحليل سياسات الدول لابد من النظر إلى هيكلية الدول ،ومستوى القوة في نظامه من الناحية الجيوستراتيجية والاقتصادية والبشرية وقوتها العسكرية والمعنوية ،وخصائصه من ناحية التماسك وطبيعة التهديدات وتأثيرها في الإستقرار السياسي للنظم الإقليمية ،بناءا على معطيات وتحليلات بيانية.

ولتبسيط الفكرة أكثر فاءن من أكثر الأسئلة الجوهرية والاشكالات البحثية التي تطرح في هذا الصدد وهي تختلف أهميتها من نظام إقليمي إلى آخر وكمثال على ذلك :/ماهي حدود إستقلالية النظم الإقليمية عن النظام الدولي ؟/ماهي العوامل والمحددات والمسببات التي تحكم تفاعلات النظم الإقليمية وتمايز هذه التفاعلات من نظام إقليمي إلى آخر ؟/إلى أي حد يتوقف شكل النظام الدولي في النظم الإقليمية على طبيعة ونوع النظام الدولي ؟ كيف كان تأثير نظام الدولي الثنائي القطبية الشائع منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى أفوله في بداية عقد التسعينات في النظم الإقليمية وتفاعلاتها؟والى اي حد أثر هذا السقوط في إستقلالية وتفاعلات النظم الإقليمية؟/وماهي نوع العلاقة التي تطبع بين النظم الإقليمية والنظام الدولي الجديد في مرحلة سقوط الاتحاد السوفياتي وهدم جدار برلين ؟

وقس على ذلك المتغييرات الدولية والإقليمية
الحاصلة اليوم التي تعتبر إمتداد لهذه الأسئلة والتفاعلات التي يعيشها العالم من خلال هذه السلسة التي ترتبط إرتباطا وثيقا بالتاريخ السياسي الإقليمي والدولي لمختلف الدول والحضارات والأمم.