فيسبوكيات

*كلمات* .. في “البيوت المشمعة”

————————————-

( بين ذكر الله في وجدة ويتيمة المضيق .. و “صلاة” باب دكالة بمراكش وهيكل سليمان الصويرة )

*المنكر والأنكر منه*

أحمد ويحمان

× شاركنا، قبل أيام، في القافلة الحقوقية التي نظمتها اللجنة الوطنية لدعم أصحاب البيوت المشمعة إلى مدينة وجدة، حيث وقفنا أمام بيت الأمين العام لجماعة العدل والإحسان؛ الأستاذ محمد عبادي، المغلق والمشمع منذ نحو عشرين سنة. وبالأمس كنا في مدينة تطوان، في إطار المبادرة الحقوقية ذاتها، حيث وقفنا على مأساة ثلاثة بيوت أخرى أغلقت وشمعت في تطوان والمضيق. وبين المحطتين تتأكد حقيقة واحدة : إننا هنا لسنا أمام حالات معزولة أو نزاعات عقارية أو تنفيذ لأحكام قضائية، بل أمام سياسة ممنهجة لا تجد لها سنداً في القانون ولا في القضاء ولا في الدستور وتستهدف مواطنين مغاربة لهم رأي آخر في بلدهم وسياساته العمومية . إن تشميع البيوت ومنع أصحابها من ولوجها أو الانتفاع بها يمثل انتهاكاً صارخاً لحق الملكية الذي يكفله الدستور المغربي، كما يشكل اعتداءً على حرمة المسكن وعلى أبسط الحقوق المدنية التي تضمنها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي التزم بها المغرب وصادق عليها، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. والأخطر من ذلك أن هذه الإجراءات لا تستند إلى أي نص قانوني واضح ولا إلى أي حكم قضائي نافذ، بل تقوم على قرارات إدارية وسياسية تجعل السلطة خصماً وحكماً في الوقت نفسه. إننا هنا أمام حالة نموذجية من الشطط في استعمال السلطة، حيث تتحول الإدارة إلى أداة للعقاب خارج القانون، ويصبح المواطن عرضة لإجراءات استثنائية لا يعرف مصدرها ولا مدتها ولا الجهة التي يمكن أن تنصفه منها.

فكيف يمكن لدولة تعلن التزامها بدولة الحق والقانون أن تسمح باستمرار إغلاق بيوت لمواطنين لعقدين من الزمن بالنسبة لبعضهم دون حكم قضائي ؟ وكيف يمكن أن يستمر هذا الوضع دون مساءلة أو مراجعة ؟ من الناحية السياسية، لا يمكن فهم هذه الظاهرة إلا باعتبارها قراراً سياسياً يعكس منطق التحكم والاستبداد أكثر مما يعكس منطق الدولة الحديثة. ذلك أن الأصل في العمل السياسي السلمي هو الإباحة لا المنع، وأن حق التنظيم والتعبير مكفول للجميع دون تمييز. ولا يحق لأي جهة أن تمنع جماعة العدل والإحسان أو غيرها من الهيئات المدنية والسياسية من ممارسة حقوقها الدستورية ما دام نشاطها يتم بشكل سلمي، وما دام هذا التنظيم يعلن التزامه بنبذ العنف واحترام السلمية. فالخلاف السياسي لا يمكن أن يبرر العقاب الجماعي ولا مصادرة الحقوق الأساسية للمواطنين. غير أن المنكر لا يقف عند حدود تشميع البيوت، بل يتجاوزه أحياناً إلى ما هو أنكر وأشد قسوة. ففي هذه القافلة وقفنا، في حالة بيت مدينة المضيق، أمام مأساة إنسانية تهز الضمير. فصاحب البيت المشمع؛ المرحوم حسن مستيتف توفي متأثراً بالغصة والقهر والحسرة على بيته المغلق في وجهه. ولم تمض مدة طويلة حتى لحقت به زوجته؛ المرحومة إحسان خنوس، لتبقى ابنتهما الوحيدة زينب ( 23 سنة، ممرضة عاطلة عن العمل ) تواجه مصيرها وحيدة، تتنقل بين بيوت الأقارب بلا مأوى، بينما بيت أبيها ما يزال مغلقاً بالشمع والأقفال. أي عدالة هذه التي تصر على معاقبة إنسان حتى بعد وفاته ! ؟ وأي قانون هذا الذي يحرم يتيمة من بيت أبيها بسبب قناعات سياسية كان يحملها والدها المرحوم ؟ إننا هنا أمام عقاب يتجاوز الأشخاص إلى الأسر، ويتجاوز الحياة إلى ما بعدها ! يبرر بعض المدافعين عن هذا الوضع بأن هذه البيوت كانت تحتضن لقاءات لأعضاء جماعة العدل والإحسان يذكرون فيها الله ويتدارسون شؤونهم ولا يمكن إلا أن يكونوا يتحدثون أيضا في السياسة !. لكن هذا التبرير يسقط أمام أبسط معايير المنطق والإنصاف. فكم من بيوت وزوايا ومقرات تعقد فيها اجتماعات دينية ويُذكر فيها الله علانية دون أن يطالها أي منع أو تشميع ؟ وكم من بيوت وزوايا تحظى بالرعايات والأعطيات ؟! بل إن بعض هذه الفضاءات تستقبل اليهود الصهاينة، وتحظى بالرعاية الرسمية والدعم والتشجيع، وتقام فيها احتفالات وطقوس مرتبطة بمشاريع صهيونية معلنة؟! والجميع يتذكر اللقاءات والأنشطة التي احتفي فيها برموز المشروع الصهيوني، كما يتذكر ما جرى في الصويرة وغيرها من مدن المغرب، حيث حضرت شخصيات رسمية ودينية لأنشطة أثارت الكثير من الجدل، ولاسيما رفع مجسم لما يسمى هيكل سليمان الذي يعلن الصهاينة، بكل فضوح .. لا بل ويعملون ويحضرون لاقتحام المسجد الأقصى بالطقوس التلمودية تمهيدا لهدمه لإقامة هذا الهيكل المحتفى به هناك .. كما يتذكر المغاربة ما عرفته مدينة مراكش، قبل أسابيع، من محاولات لإضفاء طابع ديني ورمزي على مشاريع تستحضر ما يسمى “حائط المبكى” خارج سياقه التاريخي والسياسي .فإذا كان الاجتماع لذكر الله موجباً للتشميع والمنع، فكيف يصبح استقبال الصهاينة والترويج لرموزهم أمراً مشروعاً ومحمياً ومشجعاً !؟ وإذا كان البعض يتحدث عن رفض خلط الدين بالسياسة، فماذا يقال عن هذا العجن الغريب للسياسة بالدين وبالصهيونية معاً !؟ وكيف يمكن تفسير التسامح مع ذلك كله، مقابل الإصرار على حرمان يتيمة من بيت أبيها وتشريدها بدعوى حماية المجال الديني من سياسة أبيها، حتى وهو في العالم الآخر !؟

*آخر الكلام*

إن تشميع البيوت ليس مجرد أقفال توضع على الأبواب، بل هو أقفال توضع على القانون نفسه. والمنكر في هذه القضية هو اغتصاب حق الناس في بيوتهم خارج أي سند قانوني أو قضائي. أما الأنكر منه فهو أن يتحول هذا الظلم إلى عقوبة جماعية تطال الأسر والأرامل والأيتام، وأن يستمر سنوات طويلة دون أن يتحرك ضمير الدولة لإنهائه. فالدولة القوية لا تخشى بيوتاً يجتمع فيها الناس سلمياً، وإنما تخشى أن تفقد ثقة مواطنيها حين يصبح القانون انتقائياً والعدل مؤجلاً . والعدل الذي يتأخر عشرين سنة سرعان ما سيتحول إلى لثابت آخر من ثوابت وصم المرحلة بالعنوان الأشمل؛ التحكم .. وظلمات ظلمه التي لا تزداد حلكة .

وما أقرف شعار تم رفعه في وقفة أمس عقب الحديث عن يتيمة المضيق ومعاناتها :

هذا تشميع سياسي كايزيد فالمآسي !

نقول قولنا هذا ونتضرع أن اللهم اسق عبادك وبهائمك !

———————-

× ناشط حقوقي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID