المصطفى القادري اليملاحي ـ لندن

مرة أخرى تعطى الإنطلاقة الرسمية لأحد فصول الهرولة التي تعيشها بعض فعاليات المهجر كلما صدر خطاب ملكي يعالج قضايا المهاجرين المغاربة أو كلما اقتربت محطة تشريعية. إنطلاق حملة من التثمين اللامشروط في مقابل خطاب أجمل ما جاء فيه الإعتراف الذي لا يقبل التأويل بفشل المقاربة المنتهجة من قبل الدولة وعجز المؤسسات المعنية بالهجرة في إنتاج سياسات تجيب على انتظارات المهاجرين المغاربة وتمكنهم من حقوقهم المشروعة وتضمن تقديم حلول معقولة لمشاكلهم بالرغم من الموراد المهمة والجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة لإشراك مغاربة العالم في مسار التنمية على حد منطوق الخطاب.
الخطاب في حقيقته بمثابة صفعة لكل المؤسسات المختصة وعلى رأسها مؤسسة المجلس الإستشاري للجالية المغربية بالخارج التي ولدت ميتة منذ البداية وأصبحت عالة على ميزانية الدولة. مؤسسة خارج القانون ولا تخضع لأي نوع من المساءلة العمومية. فلا عجب أن تكون هذه المؤسسة هي أول من خرجت لتثمن مضامين الخطاب ـ ضربني وبكى وسبقني واشتكى ـ في محاولة يائسة لإستبعاد مسؤوليتها التابثة حول الفشل وإيهام المغاربة بأن المؤسسة غير معنية بالصفعة الملكية الموجهة لها. أو من خلال محاولة تحويل النقاش صوب لوائح مسربة لإلهاء الفاعلين بالمهجر وكأن المشكلة تنحصر في عضوية المؤسسة ولوائح الأسماء وهي في حقيقة الأمر مسبة أخرى في حق مغاربة العالم الذين يتوفرون على كفاءات علمية وسياسية وثقافية وإعلامية واقتصادية عالية بحيث أنهم ليسوا في حاجة إلى عضوية رمزية لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تمنح مجال الإشتغال المناسب لحل الإشكالات الحقيقية للهجرة المغربية.
تواجد مغاربة المهجر في مؤسسات الوطن سواء تعلق الأمر بالبرلمان أو مجالس الحكامة أو غيرها من المؤسسات ليس غاية في حد ذاته كما يعتقد بعض القائمين على مواقع القرار ببعض مؤسسات الوطن ويوافقهم في ذلك للأسف بعض من سماسرة المهجر الذين لا يرون في تفاصيل الخطاب الملكي سوى المصالح الشخصية وكيفية تسلق المواقع لحل مشاكلهم الخاصة بدلا من نية التفاني في خدمة مصالح أفراد الهجرة المغربية والمساهمة في مسار تقدم الوطن.
بعد متابعة الخطاب الملكي الأخير بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب والذي خصصه رئيس الدولة لمعالجة نقطتين أساسيتين: الأولى تتعلق بملف الوحدة الترابية حيث اضطلع الملك بتقديم جرد لأهم التطورات التي عرفها الملف وإنتهى بتوجيه رسالة واضحة إلى الشركاء الدوليين حول أهمية الملف بالنسبة للمغرب لدرجة أن القضية الوطنية المقدسة تشكل المعيار الذي عبره يتم تحديد مستقبل العلاقات مع المحيط الإقليمي والمنتظم الدولي.
أما الشق الثاني من الخطاب تم تخصيصه لملف الهجرة المغربية بالخارج، حيث شكل تساؤل الملك حول أداء الدولة والمؤسسات سواء الحزبية منها أو الوزارات و المجالس والمؤسسات الأمنية في اعتراف واضح كما وضحنا سابقا بقصور وفشل السياسات المتبعة من قبل الدولة طيلة عقود.
بالرغم من المنحى العام للخطاب الملكي الذي جاء متضامنا مع الجالية المغربية بالمهجر وتطلعاتها إلا أن مقارنة بسيطة للخطاب مع مضامين الخطاب الملكي لشهر نونبر سنة 2005، الذي تضمن تعليمات ملكية بضرورة تمتيع مغاربة المهجر بحقوق المواطنة الكاملة وعلى رأسها حق المشاركة السياسية.
خطاب 2005 أشاد الملك من خلاله بالدور الفعال للجالية المقيمة بالخارج واعتبرها من مقومات المغرب الجديد وفي طليعة الفعاليات التي يعتمدها الوطن في مساره التنموي والدفاع عن مقدساته وحقوقه التاريخية المشروعة، هذه الإشادة جاءت مرفوقة بحزمة من التعليمات الملكية بضرورة تمكين المغاربة المقيمين بالخارج من التمثيلية بمجلس النواب وإحداث دوائر تشريعية انتخابية بالخارج. وتمتيع مغاربة العالم على قدم المساواة بالحقوق السياسية والمدنية التي يخولها القانون لكل المغاربة دون تمييز وتمكين الأجيال الجديدة من حق التصويت والترشح للانتخابات.
عدم تطرق الملك في خطابه لمسألة المشاركة السياسية وحق المواطنة الكاملة بنفس الوضوح الذي رأيناه في الخطاب التاريخي لسنة 2005، يجعلنا نطرح تساؤلات حول سبب الغموض الذي ارتبط بهذه القضية. فهل تراجع الملك عن تقديم مكتسب المشاركة السياسية؟ الذي شكل مطلبا تاريخيا لكل الحركات الديموقراطية بالمهجر، واعتبرت المواطنة الكاملة كمكتسب للهجرة جاء في إطار تحقيق شروط الإنصاف والمصالحة التي تضمن الإنتقال إلى العهد الجديد حيث العنوان الأكبر هو القطيعة مع ممارسات ومقاربات سنوات الرصاص البائدة.
إن دعوة الملك لتحديث الإطار المؤسسي الخاص بفئة المهاجرين المغاربة وإعادة النظر في نموذج الحكامة الخاص بالمؤسسات الموجودة قصد الرفع من نجاعتها وتكاملها تبقى غامضة وتحتمل الكثير من التأويل لكنها لا تشير إلى ملف المشاركة السياسية الذي يعتبر أحد الدعائم الاساسية لتحقيق المواطنة الكاملة بقدر ما يحيلنا على إرادة الدولة لإصلاح مؤسساتها بغاية الرفع من مستويات النجاعة الذي يعد مسألة محمودة في حد ذاته. لكنه لا يرقى بأي حال من الاحوال إلى طرح خطاب 2005 الذي جاء واضحا في هذا السياق ولم ينتبه أي عموض يذكر على اعتبار إمكانية أن يشكل هذا الغموض عاملا معرقلا لنجاح السياسات المعتمدة مستقبلا على اعتبار أن فعاليات الهجرة لن تقبل بأي تراجع مما يعرض الفرصة الثمينة التي شكلها الخطاب الملكي الأخير من أجل تصحيح المسار إلى الهدر واستمرار الوضع المتشنج بين فعاليات الهجرة فيما بينها من جهة وبين مغاربة العالم ومؤسسات الدولة من جانب أخر.
فالعديد من فعاليات المهجر يقفون على مسافة من مضامين الخطاب على اعتبار أن الخطابات السابقة برغم وضوحها لم يتم تفعيلها بأي حال من الأحوال. وبقيت الفصول الدستورية معطلة لسنوات وسط غياب ارادة حقيقية لتفعيل البنود الدستورية والمصادقة على القوانين التنظيمية و ضمان تفعيلها على أرض الواقع. فالعديد يتساءل: هل سيلقى الخطاب الأخير نفس مصير الخطابات السابقة أم أننا نعايش مرحلة مغايرة حيث تتطابق ارادة الدولة ومؤسساتها مع مضامين الخطاب الملكي الأخير.
أيضا تجدر الإشارة إلى دعوة الملك لخلق ألية تعنى بإشراك الكفاءات المغربية بالمهجر يحيلنا إلى التساؤل عن مصير مشروع “فينكوم” وأسباب فشله في استقطاب الكفاءات، هذه الأسباب التي يجب في تصوري المتواضع أن تؤخذ بالدراسة و التحليل من أجل تجنب الأخطاء القاتلة التي ارتكبت في الماضي، على أن دعوة الملك في حد ذاتها تكتسي أهمية كبرى لقيمة الدور الذي يمكن أن تقدمه الكفاءات للإسهام في مسار التنمية وتحسين صورة المغرب دوليا بالشكل الذي يضمن جذب الإستثمارات الهامة والوازنة ذات التأثير الإيجابي والإستراتيجي على نمو اقتصاد الوطن ورفاهية مواطنيه وضمان الاستقرار في كل أبعاده.
أما فيما يخص المكون اليهودي المغربي الذي أصبح حاضرا في أدبيات الخطاب الرسمي للدولة فإن الجدير بالذكر بأن الشعب المغربي كان دائما منفتحا على كل روافده الثقافية دون تمييز وإن كان الخطاب المعادي للديانة اليهودية انتشر بشكل واسع خلال مرحلة معينة من تاريخ المغرب الحديث، فإن ذلك يرجع بالأساس للسياسة المنتهجة من قبل الدولة نفسها في إطار خلق التوازنات السياسية وخصوصا عندما تعلق الأمر بمواجهة تيارات سياسية يسارية بعد الإستقلال.
فإذا كان هذا المكون الثقافي المغربي سيشكل في الحاضر أحد مداخل التنمية للوطن إلى جانب دفعه الدولة لإصلاح مقاربتها في التعاطي مع الهجرة بالشكل الذي يحسن شروط الجالية المغربية المقيمة بالخارج، فإنه بطبيعة الحال سيكون موضع ترحيب في توافق تام مع الإنفتاح الذي يعرفه المجتمع المغربي عموما وثقافة التعايش التي يتقن مغاربة المهجر كل أدبياتها بحكم احتكاكهم مع ثقافات و أجناس مختلفة ومتنوعة.
إلا أنه ينبغي التمييز بين المغاربة اليهود وأبنائهم الذين حافظوا على علائقهم وروابطهم الثقافية بالمغرب وواصلوا في تقديم اسهاماتهم في سبيل تنمية الوطن شأنهم في ذلك شأن بقية مكونات الشعب المغربي. وبين من تلطخت سيرهم بإسهاماتهم في جرائم ضد الإنسانية والتي مورست ضد أشقائنا الفلسطينيين. لأن ما يميز الشعب المغربي الأصيل هو تباثه على منظومة القيم الإنسانية التي لا تقبل الظلم و الإعتداء على الشعوب البريئة ومناصرته للقضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
من حسنات الخطابات الملكية أنها تخلق الحدث وتفتح هامشا مهما وواسعا للنقاش لأنها تحدد الخطوط العريضة لما يفترض أن تكون عليه توجهات الدولة وسياساتها العمومية. فالفاعلون من مختلف التخصصات داخل الهجرة المغربية و على رأسهم مناضلوا برلمان الهجرة المغربية مدعوون للإسهام في نقاش موسع للمشاركة في رسم معالم مستقبل علاقة الهجرة المغربية بمؤسسات الوطن. هذا النقاش يشكل في الحقيقة مهمة معقدة وصعبة بسبب تعدد المتدخلين واختلاف الأهداف والدوافع لدى كل جهة من الجهات المعنية بالنقاش، إلا أننا يمكن أن نلتقى مع السيد إدريس اليزمي حول ضرورة فتح نقاش هادئ وموسع بعيدا عن أن منطق الهرولة والتسرع مع فتح المجال لكل الأراء وقبول كل الأنتقادات التي تهدف في جوهرها إلى إيضاح الصورة ومحاولة الإجابة عن الأسئلة المشروعة التي تطرح من قبل فعاليات الهجرة المغربية.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube