بقلم: عمر بنشقرون، مدير مركز المال والأعمال بالدارالبيضاء

كثيرا ما كنت أقرأ مقالات تحت عنوان “علاقات أخوية” تجمع بين مملكتنا الشريفة والمملكة الايبيرية قلت مثيلاتها في الشهور الأخيرة.
فلا ننكر وجود توثرات سياسية حصلت لتعصف بجل علاقات التعاون الثنائي بين البلدين الشقيقين، لا سيما في مجال الاستثمار، و الشراكات الجيوستراتيجية وتبادل الدعم في المحافل الدولية.
اشدد على الدور المحوري الذي تلعبه الشراكة الإقتصادية في التنمية الإجتماعية للبلدين، كون اسبانيا هي الشريك الإقتصادي الأول للمغرب و أهمية تنسيق الجهود الإقليمية بينهما واجبة في حقهما للتوصل معا إلى حلول تضمن أمن واستقرار منطقة المتوسط وتشجع على التعاون المشترك.
ونحن نتابع التطورات الأخيرة والتي أفضت إلى إقالة وزيرة خارجية المملكة الايبيرية، ندرك أهمية تلك العلاقات الثنائية و نود استمرارها في اقرب الآجال من خلال القمة العليا التي تأتى لها التأجيل لعدة شهور. حيث تبقى هذه الإقالة أهم إشارة إيجابية من مدريد تجاه الرباط. و نحن كمجتمع مدني و فاعلين في الديبلوماسية الموازية نثمن هذه البادرة الرسمية من أجل طي صفحة الخلافات القائمة بين الجاريتن. وندعو الى اجتماع طاريء لدراسة الحلول لكافة المشاكل التي تحول دون رجوع الدفء في العلاقات الثنائية. ففي مقدور العاصمة الإسبانية أن تقدم من المواقف العملية … وفي إمكانها أن تترجم بشكل عملي على الأرض، وهى تملك في يديها من الأوراق الإقتصادية والسياسية ما يجعلها تستطيع. فموضوع السيادة الوطنية الكاملة على أقاليمنا الجنوبية لا مساومة فيه ولا حيف، أحب من أحب وكره من كره. والتقارب المنشود بين الدولتين ودعم أواصر التعاون المشترك، والتنسيق إزاء المواضيع والقضايا ذات الاهتمام المشترك لصالح الشعبين ستكون خطوات إيجابية في طريق عودة روح التعاون الإقليمي على ضفة المتوسط.
و من منظوري الخاص كعضو في مرصد اطلنتيس للسلام والدبلوماسية الموازية، اناشد حكومة بلدي على العمل على :

  • طي صفحة الماضي وإزالة السلبيات والشوائب المترتبة على المقاطعة مع إسبانيا الحاضنة تقريبا لمليون مهاجر و مقيم مغربي في ديارها.
  • تقييم مدى استجابة إسبانيا لكل الشواغل المغربية والملفات التي تتعلق بأمننا واستقرارنا وسيادتنا و كذا تأمين الضمانات بعدم عودة إسبانيا إلى سياسات تعارض الرباط، من خلال وجود آليات ومؤسسات مغربية قادرة على رصد واتخاذ الإجراءات التي تحمي مصالح بلادنا الشريفة. فرغبة الشعبين قوية في تطبيع العلاقات وطي صفحة الخلافات، تلك التي عكستها الزيارة الأخيرة لسفير مدريد بالرباط لوزارة الخارجية وما تضمنتها من تفاصيل.
    وأظن أن من واجب الصحافة الوطنية كذلك العمل بشفافية ووضوح على التركيز في موضوع
    طي صفحة الخلافات و عكسها بقوة على الإعلام الإسباني حيث اندلعت بينهما حرب إعلامية دون هوادة، بسبب تباين سياساتهما، خصوصا الدعم الإسباني للمدعو ابراهيم غالي كبير خونة وأعداء الوطن واستمرار الإعلام الإسباني في إضفاء شرعيته لتمثيل سكان الصحراء.
    و حقيقة لا يسعنا إلا أن نقول ان، الإرادة الرسمية مشتركة لتعزيز العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا لما سيكون لها من أثر كبير في تفعيل آليات العمل المشترك فيما يتعلق بمعالجة قضايا المنطقة من سيادة الدول على أراضيها، ملف الهجرة وملفات أخرى منها ما هو مرتبط بتنمية الإقتصاد في المتوسط.
    الاستفادة من الفرص الاستثمارية
    إن من المؤمل أن تفتح هذه الإشارات الإيجابية مرحلة جديدة في إطار تعزيز التعاون وتزيد من فاعلية التحرك على المسرح الدولي اقتصاديا من ناحية، وعلى قدرة دولتينا على التعامل مع أزمات و مشاكل الهجرة التي شهدتها المنطقة على امتداد العقد الماضي، وأن تعزيز الأجواء الإيجابية بين بلدينا سيشكل فرصة مواتية للاستفادة من الفرص الإقتصادية والاستثمارية الكبيرة المتاحة بالبلدين الشقيقين بما يحقق مصالحهما. فالعلاقات بيننا مرت بتوترات كثيرة ولعدة مرات جراء نظرة الاستعلاء الإسبانية لكن دائما كان هناك حفاظ على حد أدنى من العلاقة. فلو نظرنا للعلاقات المغربية الاسبانية منذ القدم ظلت علاقة مبنية على أسس وقواعد راسخة في دعم أمن الضفتين من المتوسط. ومن هذا المنطلق الثابت والراسخ بين الدولتين فإنه مهما حدث من خلافات في وجهات النظر تبقى العلاقة قوية.
    و رغم ما حدث من طرف إسبانيا في قضية المس بسيادتنا الوطنية، فإن العلاقة ظلت قائمة ولم تتأثر نسبيا مصالح الإستثمار الإسباني في المغرب رغم كل هفوات ومزايدات الإعلام الرسمي الإسباني في حق المغرب. فمن مقاطعة حكومية وهجوم إعلامي إلى لقاءات واتصالات رسمية وهدوء وتوازن بالخطاب، ما يعكس رغبة مشتركة بتسريع استئناف العلاقات وتصفير مشاكل سابقة.
    واظن ان من خلال الصلح المتوقع قريبا بحول الله وقوته بين المغرب وإسبانيا سينكسر الجليد السياسي و ستنتهي الكثير من الدراما الإقليمية وستقل كثيرا حدة الاستقطاب دوليا.
    و هذه أسباب انكسار الجليد!
    إن هناك حاجة مغربية للمصالحة مع اسبانيا، منها ما يعود لأسباب اقتصادية: يعيش في اسبانيا أكثر من 980 ألف مغربي يحوّلون بشكل دوري أموالا لبلدهم، وهناك استثمارات إسبانية ضخمة في المغرب، وهما أمران أساسيان للرباط التي تعيش وضعاً اقتصادياً متردياً.
    لكن حسب رأيي، أن هناك سبب سياسي، يعود إلى خارطة التحالفات الإقليمية، وتحديدا إمكانية نشوء تحالف ثلاتي بين المغرب، إسبانيا وفرنسا، سيمثل تجاوزاً حقيقياً لدور الجزائر الإقليمي. السر وراء هذا “التحالف” هو أن المغرب تجاوز مبادرة السلام العربية و طبّع أو بالأحرى فتح قنوات التواصل مع إسرائيل بحثاً عن مصالحه العليا سياسيا، اقتصاديا و سياحيا.
    أيّ أثر على الأرض؟
    صار المغرب بقيادة صاحب الجلالة نصره الله وايده، مُخاطبا رئيسيا للدول العظمى في ملفات متعددة تهم افريقيا و الشرق الأوسط، والمستفيد الأكبر في عدة ملفات مؤخراً، كـ”دوره النشط في غزة ونجاحه في الملف الليبي”. والمغرب تحوّل إلى جسر يربط بين عدة محاور إقليمية ودولية ما سيكون له تغيير كببر في خارطة التحالفات.
    في المقابل، لم تنجح الجزائر، أبرز معارضي المغرب، في تحقيق مكاسب حقيقية لها سواء داخل إفريقيا أو خارجها، شأنها شأن كل أطياف المعارضة التي تعرضت لتضييق كبير. وبمصالحة المغرب واسبانيا، تفقد البوليساريو الدعم لأهم حليف إقليمي لها.
    وأشارت عدة تخمينات إلى أن عودة المغرب للعب أدوار طلائعية في وقف التصعيد يعود بالأساس لتضايق الرباط من السياسة الخارجية الإسبانية التي أهملت الدور المغربي الإقليمي في العلاقة مع ملفات عدة، ما جعل المغرب يحاول التأكيد على وزنه للخارج.
    ختاما لمقالي التحليلي هذا، أقول أنه، لا عداء دائم ولا حب دائم في السياسة. وإنما هي مصالح.
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube