محمد بوبكري


يؤكد خبراء جزائريون أن الجنرالات ومخابراتهم وضعوا مخططا لاستهداف الحراك، لكن هذا المخطط يستهدف الأمن القومي الجزائري، لأنه قد يؤدي عمليا إلى ضرب الوحدة الوطنية، الأمر الذي قد ينجم عنه انهيار الكيان الوطني الجزائري…
يرى بعض المتتبعين أن الجنرالات قد لجأوا إلى اعتماد مقاربة أمنية لإيقاف الحراك الذي أحرجهم أمام الرأي العام الدولي. ويرى آخرون أن سبب ذلك هو أن هؤلاء أرادوا إسكات الشعب ليتمكنوا من تمرير مشاريعهم. وفسر بعضهم الآخر ذلك بأن الشارع ينذر بانفجارات كبيرة، وهم يريدون تحويل المطالب السياسية إلى مجرد مطالب اجتماعية لا غير.
لكن ما هو هذا المخطط الخطير؟ يؤكد جزائريون يعرفون حكام الجزائر جيدا أنه تم وضعه في ظلام دهاليز الأجهزة المخابراتية بإشراف الثلاثي: “شنقريحة” و”خالد نزار” و”توفيق محمد مدين”، ما يعني أن هذا المخطط قد تم تطويره على أساس منطق أشخاص، وليس على أساس منطق مؤسسي، وأنه من وضع عصابة، وأن الجزائر يتم تدبيرها بمنطق العصابة، لا بمنطق المؤسسة التي تتعارض من حيث طبيعتها مع المؤسسة بمفهومها الحديث.
فالجنرالات يدركون أن الحراك سيستمر في منطقة “القبايل” التي يستحيل عليهم إيقافه فيها، لأنه لا يمكنهم التدخل فيها، ما جعلهم يعون ان المظاهرات والمسيرات ستستمر في هذه المنطقة.
وإذا البعض يعتقد أن الحراك قد توقف وانتهى، وبالتالي فالتغيير لا يمكن أن يحدث في توقف استمرار المسيرات والمظاهرات، فإن استمرار هذه الأخيرة في الواقع ليس شرطا للتغيير، لأن النخب هي التي تنظر للثورات وتخطط لها، وبعد ذلك تنخرط فيها الجماهير؛ فالتغيير يتطلب خطابا وأدوات، ويراعي توازنات ومعادلات ومصالح داخلية وخارجية، ومصالح، ومصالح مضادة، والذي يعي كل ذلك وغيره ويعرف كيفية تدبيره هو من سيكون رابحا.
فالجنرالات يدركون أن إنهاء المظاهرات بالقمع لا يمكن أن يوقف الحراك نهائيا، بل سيؤدي ذلك إلى المزيد من الاحتقان الذي لا يمكن للأجهزة الأمنية الجزائرية احتواءه، بل إن تقاريرها تتحدث عن مخاوفها من عجزها عن مراقبته، أو التحكم فيه. ونظرا لاستحالة تحكمهم في منطقة “القبايل”، فإنهم قرروا الإبقاء على الحراك فيها، حيث إنهم يدركون أن هذه المنطقة ستتحول إلى عاصمة للحراك، لأن مناضلي الحراك سينتقلون وطنيا إلى منطقة “القبايل” التي ستصبح متنفسا لهم، درءا لاستفحال الاحتقان، وما ينتج عنه من انفجارات.
ونظرا لكون الجنرالات يدركون أن حركة “الماك” قد أصبحت تطالب بالاستقلال الذاتي لهذه المنطقة، فإنهم سيعملون كل ما في وسعهم من أجل زرع مختلف الالغام العرقية والجهوية للزج بالحراك في هذه المنطقة في صراعات قبلية وطائفية من أجل الإساءة إلى صورة هذا الحراك، وإخماد جذوته. كما أنه ليس مستبعدا أن تدبر المخابرات الجزائرية اصطدامات في صفوف هذا الحراك عبر إثارة مختلف الصراعات القبلية والعرقية… التي أتمنى ألا تتخللها عمليات إرهابية، حيث قد يقوم حكام الجزائر بتوظيف ذبابهم الإلكتروني لإثارة هذه الصراعات وتعميقها، كما قد يلجؤون إلى توظيف جماعات بلطجية لاستفزاز مناضلي الحراك السلمي والزج بهم في اشتباكات لا علاقة لها بسلميته، وثورته البيضاء الحضارية…
وقد تلجأ المخابرات الجزائرية إلى شراء الذمم لتأليب بلطجيتهم ضد مناضلي الحراك. ويبدو لي أن الحراك السلمي قد اكتسب ما يكفي من التجربة لاحتواء الاستفزازت بعدم الرد عليها، لأن رموزه اختاروا السلمية وصاروا يعون كل مناورات الجنرالات ومخابراتهم، كما أنهم يدركون طبيعة الألغام التي يرغبون في زرعها في صفوف الحراك. لذلك، فمن الممكن أن يكون الحراك قويا وطوفانيا في منطقة القبايل، لكنه سرعان ما ينتقل إلى مناطق أخرى، حيث سيكون قد اكتسب تجربة، وفكر رموزه في خلق أدوات تنسجم مع أهداف الحراك، إذ بدون هذه الأدوات، ستستعصي الترجمة النسبية والتدريجية للخطاب السياسي إلى واقع…
ومن الأكيد أن الحراك سيستمر، لأن الأسباب التي أدت إلى ظهوره ستبقى قائمة، حيث إن الجنرالات عاجزون عن إيجاد حلول للمشكلات القائمة، لأنهم لا يمتلكون الإرادة، ولا المعرفة، ولا الخيال، الذي يمكنهم من ذلك. لذلك، فقمع الجنرالات للحراك لا يعني نهايته، حيث سينبعث من جديد بصيغ أكثر فعالية ونجاعة، وآنذاك سيكون له القول الفصل. هكذا، فما دامت الشروط التي تسببت في ظهور الحراك قائمة، فإنه لا يزول، بل أنه سيبقى كالجمر تحت الرماد، يمكن أن ينفجر مستقبلا