أحمد رباص- حرة بريس

وبينما أنا أتابع المستجدات في صفحة الجمعية المغربية للتنوير على الفيسبوك، أثار انتباهي منشور مزركش بالألوان يسمى في لغة هذه الشبكة الاجتماعية بالصورة، وهو ليس غريبا عني لأني اعتدت قراءة هذا النوع من التدوينات التي تأتي دائما تحت عنوان: سؤال طالما أتعب فكري، والتي مؤلفها جميعا جواد مبروكي الدكتور المغربي والطبيب النفسي والمختض في التحليل النفسي للمجتمعات العربية.
انصب سؤال اليوم عن المانع عندنا من إجراء اختبارات نفسية على المعلمين والتحقيق في انتمائهم الإيديولوجي قبل توظيفهم مثلما يقع في الجيش والشرطة. ولتسويغ طرح هذا السؤال، أضاف الدكتور جواد سؤالا آخر: أليس مستقبل الوطن ونماء ابنأئنا في أيديهم؟
قبل الشروع في عرض مضامين التعليقات التي جاد بها بعض رواد الفيسبوك على هامش “صورة” جواد مبروكي، اود ان أشير في هذا المقام إلى أن تدوينات هذا الرجل غالبا ما تكسب تأييد القراء، غير ان قراء آخرين وهم قلة يتجاوزون حدود اللباقة ويهاجمون الرجل غير فاصلين الشخص عن فكرته أو رأيه.
والآن، هيا بنا نلملم شتات التعاليق التي افترض أولها أن المعلمين أسوياء بالمقارنة مع من سيتولى مهمة إجراء هذه الأختبارات. لكن المعلق الثاني أنهى الأول عن التعميم.
على خط النقاش المثار انطلاقا من سؤال طالما أتعب فكر طارحه، دخل ناشط ثالث ليدلي برأيه. فحسب علمه، في بعض المباريات الشفوية قد تجد مترشحا أكثر كفاءة ومعرفة من أغلب أعضاء اللجنة الذين يختارون في بعض الأحيان الضعفاء لتنفيذ التوصيات ويرفضون الآخرين. فمثلا، كيف يمكن تفسير هذا الأمر؟ أتذكر أنه في بداية التسعينات، للدخول إلى المدرسة العليا الأستاذة ،كان يلزمك المرور أمام أربع لجان ،مكونة في مجموعها،من ثمانية أساتذة. لكن عندما تجتاز مباراة سلك المفتشين، التي هي أكثر أهمية بكثبر بالنسبة للقطاع، فأنت لا تمتحن إلا أمام لجنة وحيدة مكونة من عنصرين أو ثلاثة. التفسير الوحيد ،في تقديري ،هو التحكم في النتائج. بمعني أن المخزن والسياسة نخرا القطاع..
ناشط رابع أعلن عن اتفاقه مع الدكتور جواد، مشترطا إن كانت لهم إديولوجية تخالف الدستور المغربي الذي اجمعت عليه الأمة فوجب استبعادهم. فمن كان منهم معاديا للإسلام أو الملكية أو العربية او الأمازيغية فوجب استبعاده لأن الدستور نص على هذه المكونات جميعا. أما من كان غير متزن نفسيا أو أخلاقيا فوجب استبعاده كذلك.
ناشط رابع استشاظ غضبا من الذي سبقه متسائلا: هل هذا هو التنوير…؟ اعتقد انه من الافضل لكم ان تطالبوا بنزع الجنسية عنهم، كي يبقى المغرب لكم وحدكم.
معلق آخر كتب ما يلي: ليت كل الموظفين والعاملين يتمتعون بما يتمتع به نساء ورجال التعليم، فهم بمثابة أمهات وآباء أبنائنا وما ذكرته من اختبارات نفسية وتربوية حاضرة في امتحاناتهم وتكوينهم بل يجب الاهتمام بهم ورفع الحيف عنهم فاستقرارهم واحترامهم ينعكس مباشرة على استقرار واحترام مستقبل الأمة.
يظهر أن صاحب التعليق الموالي يقتفي أثر السابق عليه ويبدو انه لا يشاطر جواد مبروكي رأيه، فقال له: عن أي تعليم تتحدث؟ تعليم ليسي ديكارت وفيكتور هيغو وليوطي؟ او تتكلم عن تعليم الطبقات المسحوقة المسمى بالتعليم العمومي؟ كان جديرا بك أن تطالب بتعليم عمومي جيد لكل ابناء هذا الوطن على إختلاف مشاربهم سواء كانوا اغنياء او فقراء. على الاقل لتكون الحظوظ متساوية بينهم. تتحدث وكأن ابناءك يدرسون حيث يوجد مثل هؤلاء المعلمون. انتم تنعمون في رغد العيش وتدرسون ابناءكم في مدارس البعثاث لا خوف عليهم ويتم الإعتناء بهم على اكمل وجه.
من جهتي، شاركت في هذا الجدل الفيسبوكي بتعليق يؤيد الطبيب النفسي: هذا هو المسكوت عنه في منظومتنا التعليمية..إخضاع المعلمين لاختبارات نفسية تعمل به الدول المتقدمة، أما في الدول النامية مثل المغرب فذلك آخر شيء لا يتم التفكير فيه نظرا للفقر المفترى عليه والبخل المتحكم في عقلية المسؤولين عن تسيير شؤون الناس. والغريب عندنا في المغرب أنك تجد معلما منهارا نفسيا ومع ذلك يسند إليه تدريس عدد لا يستهان به من المتعلمين.. وأضيف إلى ما قلت أن المساعدة الاجتماعية والمواكبة النفسية للمعلمين والمعلمات الذين مروا من تجربة طلاق غائبتان كليا وتبقى هناك فقط الإجراءات الإدارية البيروقراطية مثل إخطار الوزارة الوصية بالحالة الاجتماعية المستجدة، وهذا كل ما في الأمر.. ففي إحدى المدارس القروية بإقليم سطات لاحظ آباء وأولياء التلاميذ أن معلما مسنا ومريضا فقد القدرة على العمل فما كان منهم إلا التوجه إلى نيابة إقليمهم في مسعى لوضع شكاية يطلبون فيها إعفاء المعلم المريض من التدريس وتعويضه بآخر في صحة جيدة. هل تعلم ما ذا كان جواب الإدارة؟ قال لهم ناطق باسمها: سيبقى في مكانه، نحن لا نريد منه تعليم الأطفال بل حراستهم فقط.
تعقيبا على مداخلتي، قال أحدهم: هذا الأمر يجب أن يشمل جميع الوظائف ؛مبدئيا، لا يمكن أن يشتغل إلا شخص سوي؛ لكن موظفي التعليم لهم نصيب أوفر من العلم والثقافة بالمقارنة مع القطاعات الأخرى؛ أنا أقول لكم إطلعوا على الأرقام والإحصائيات الخاصة بعدد االموظفين الذين تم تشخيصهم كحالات مرضية، وأنذاك قارنوا بين القطاعات وما يحدث في دول مشابهة لنا، ،وأنذاك يمكننكم أن تتحدثوا في هذا الأمر..
لم اترك هذا التعليق يمر دون أن أتفاعل معه، فكان هذا التعليق: يا اخي، مهنة التعليم لها خصوصيتها..اولا المعلم يجد نفسه ملازما للمدرسة منذ طفولته إلى شيخوخته، على خلاف الموظفين في قطاعات أخرى. ثانيا المعلم يتعامل مع أطفال مختلفين من جميع النواحي بينما الموظفون الآخرون يتعاملون مع مساطر إدارية وقانونية..اخيرا، ألا يبدو لك أن السماح للمعلمين بالاقتراض إلى آخر نفس مؤشر على إغراق المعلمين في دوامة الديون، وربما هو مؤشر على تركهم يفقدون توازنهم الفكري والنفسي والاجتماعي؟؟
في الأخير، ايدني محاور قائلا: صحيح. ،هذا ما كان يرغب فيه المخزن، أعني الجهات التي تستفيد من الوضع الحالي (وهنا يجب التفريق بين الدولة والمخزن الذي عمل على التماهي معها، للأسف)، وقد نجح في تحطيم صورة المدرس لدى المجتمع من خلال برنامج عمل هدام كان على رأسه وزير الداخلية السابق وقد طبق خلال سيرورة بدأت منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي. تحطمت هذه الصورة ،بداية، لدى أغلب عناصر المخزن الذين سيعملون بدورهم وبلا هوادة على تحطيمها لدى المواطنين أي الآباء، وذلك خلال الثمانينات والتسعينات، الذين سيعملون، بعد ذلك، على الإجهاز على هذا المشروع بعد ما حطموا صورة المدرس لدى أبنائهم التلاميذ خلال العشريتين من الألفية الثالثة؛ وبذلك يكون هذا المشروع قد نفذ بالشكل الذي تمت هندسته. غير أن القطاع ما زال يقاوم بفضل أطره الغيورة التي كانت من مخرجات المدرسة العمومية ،وما زالت هذه الأطر تقر بفضل هذه المؤسسة على حياتها..
وخير ما نختم به هذا النقاش المهم ما كتبه أحد زملائي المقربين: فعلا. رجل التعليم قبل كل شيء هو انسان يتفاعل مع محيطه سلبا وايجابا. العناية بالصحة النفسية تهم الصحة بصفة عامة وتعني أيضا استباق الامراض عموما قبل وقوعها. على المسؤولين ان يتفهموا ذلك.