أحمد رباص

بادئ دي بدء، أعلن أني سوف أتحرى الاختصار والإيجاز في عرض لآهم ما جاء في الفصل الخامس من أطروحة عبد الفتاح أبو العز الموسومة ب “قضايا المنهج في العلوم الإنسانية”. من المعلوم للقراء المتمرسين أن هدا الفصل الذي نحيل عليه هنا يشكل تجربة تطبيقية أو مثالا تطبيقيا لمفهوم القراءة النقدية المعاصرة.
ومن أجل تفادي الحشو والإطناب، سوف أدهب رأسا إلى العيوب والهنات التي سجلها أبو العز على زميله بلفقيه مع انتقاء لأهمها ولأشدها فداحة.
أول ما يعيبه أبو العز على الأستاد المتخصص في الجغرافيا هو الطول المفرط لمقدمة كتابه حيث تعدى فيها “توضيح أهداف الكتاب ومنطلقاته، وإعلان محاوره” إلى الإقدام على تلخيص محتويات كتابه. ويشير عبد الغني في هدا السياق إلى أن هدا الانزلاق دهب ضحيته كتاب عرب كثر يأتي في طليعتهم محمد عابد الجابري في كتابه “نحن والتراث”.
ومن ضمن ما يسجله الآستاد الناقد من عيوب وتناقضات على زميله أستاد الجغرافيا خلطه بين المطلقات والنسبيات ودلك في معرض دفاعه عن مرجعيته الإسلامية التي يمنحها الصلاحية المطلقة على حساب إبستيمي العلوم الإنسانية.
يقول بلفقيه بهدا الصدد إن “فقه المعرفة” الدي يقترحه كمخرج ل”النفق” الدي تنحبس فيه العلوم الإنسانية هو “نسق فكري لا يتحقق إلا في المذهبية الإسلامية”.
هدا التناقض بين المطلق والنسبي لايستقر في موضع واحد من الكتاب بل هو مبثوث عبر ثناياه ومفاصله وسوف نصادفه مرة أخرى في ما سيأتي من سطور.
أما الآن فإليكم هنة أخرى سقط فيها الأستاد الذي حاول التأريخ لعلم الجغرافيا. ففي إطار حديثه عن شروط العلم الأربعة من موضوع ومنهج واستنباط وتحليل العلاقة بين الذات والموضوع يقع في خلط لايليق به كأستاذ جامعي حيث يعرض تلك الشروط وكأنها مستقلة عن بعضها البعض. أو ليس موضوع تنظيم العلاقة بين الدات والموضوع من اختصاص المنهج؟ أوليس الاستبطان من اختصاص الإبستمولوجيا كتأمل في وسائل التفكير التي هي المنهج بالضرورة؟
ويبلغ التناقض أوجه السلبي عندما يستشهد بلفقيه بحديث نبوي مفاده أن “الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها” وذلك من أجل الخروج بحكم ينزع عن العلوم الإنسانية طابع المتاح للبشرية على حد تعبير عبد الله العروي. فهل فحوى الحديث الشريف المستشهد به يحضنا على الانفتاح والاجتهاد أم على الانغلاق والاتباع؟
خارج المقدمة الحافلة بالتناقضات والعلاقات المفروضة فرضا بين الجغرافيا والمقدسات، نجد أن فصول الكتاب لا تخلو هي الأخرى من عيوب ومفارقات. فمثلا، في الفصل الأول يتبنى رأي ريتر وينقل بالتبني كلام بول كلافال الدي يوافق فيه على صدقية تعريف الأخير للجغرافيا باعتبارها العلم الدي يصف الكرة الأرضية من حيث أنها مهد الإنسان وينوه به على أساس أنه (ريتر) ينطلق في ذلك من الفلسفةالغائية. لاحظ أن الباحث في تاريخ الجغرافيا يصمت ولايبدي اعتراضا على هذه الدعوى وكأنه يوافق عليها. لكنه في سياق حديثه عن مزايا راتزل بشكل إيجابي بناء على ما تسمح به من مقاييس جغرافية “أكثر ملاءمة لضبط التفاعلات” ولتفادي الالتباسات الغائية التي تتصف بها الرؤية الهردرية.
في فقرة موالية، يرد أبو العز على كلام زميله منطلقا من انتقاده للفلسفة الغائية ووصفها بالغموض والالتباس. وبالرغم من موافقته الضمنية على تعريف الغائية الدي اعتمده خصمه والدي مفاده أنها ” إدماج غير ممنهج، وملفق للمعتقدات الدينية داخل الفكر العلمي، الذي لايتناقض مع الفكر الديني الإسلامي”، ( رغم ذلك) يطرح أبو العز هدا السؤال : كيف يبيح الكاتب لنفسه ما ينتقده ويحرمه على غيره؟
ختاما، لو أن الأستاذ محمد بلفقيه شارك زملاءه وأصدقاءه قراءة عمله وهو على شكل مخطوط لكان بإمكانه اهتباال فرص التقويم والتصحيح التي من شأنها تخليص أطروحته من تلك الشوائب المشينة وتنقيحها مما علق بها من مفارقات وتناقضات.
بقي أن أشير إلى أن الكتاب موضوع هذه القراءة من منشورات الرباط العاصمة وهو صادر سنة 1991 فيما كتاب ابو العز من منشورات العاصمة الاقتصادية وقد صدر عن مطبعة النجاح الجديدة سنة 2008.