محمد بوبكري


منذ الانتفاضة الأخيرة للحراك الشعبي في وجه النظام العسكري التي تمحورت فيها الشعارات على التغيير الجذري للنظام السياسي من أجل إقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة، لم يتوقف الجنرالات عن إرسال بعثات إلى الخارج لكسب الدعم السياسي لنظامهم، رغم أنهم يوظفون وسائل الإعلام التابعة لأجهزتهم الاستخباراتية لترويج إشاعة كاذبة مفادها أن هناك قوى أجنبية وراء الحراك. وهذا منتهى التناقض، لأنهم يرمون معارضيهم بما يفعلونه هم أنفسهم بعيدا عن أعين الجزائريين. ولحسن الحظ أن رموز الحراك يعرفون بدقة الأيادي الخارجية التي تحرك حكام الجزائر، وقادرون على تعرية افتراءات الجنرالات ودحضها، وتقديم الحجج الدامغة على الأيادي الخارجية التي تحرك الجنرالات.


هكذا، فإن حكام الجزائر يسيرون على نهج الأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث واجه نظام النظام السوري تحرك الشعب متهما إياه بكونه مرتبطا بمؤامرة كونية، ثم تبين بعد ذلك أن النظام هو مصدر ما يجري من أحداث، وأنه قام بتخريب البلاد دفاعا عن نفسه من أجل بقائه… وقد أكثر “تبون” و”عمار بلحيمر” مؤخرا من تكرار أن هناك جهات خارجية تحرك الحراك من الخارج، على غرار ما قام “معمر القذافي” وزعماء أنظمة أخرى شرق أوسطية بترديد هذه الأسطوانة، وتبين بعد ذلك أنهم هم ذواتهم قاموا بتخريب بلدانهم دفاعا عن أنظمتهم السياسية، حيث تمسكوا بالسلطة على حساب أوطانهم وشعوبهم..!
وجدير بالذكر أن النظام الجزائري تبرم من الوعود التي سبق أن قطعتها المؤسسة العسكرية على نفسها في عهد الجنرال “القايد صالح”، حيث انقلبت على نفسها، وعلى الشعب الجزائري في آن واحد، بدل أن تسير في طريق يُشعر الجزائريين أن مطالبهم تتحقق، إذ لم يتم الشروع في تغيير نظام الحكم وبنياته، وإبعاد العسكر عن السياسة، ومحاربة الفساد والمفسدين…، فكانت النتيجة أن عاد الحراك الشعبي السلمي بقوة وتضاعف، لأن الجزائريين، الذين آمنوا بالوعود الكاذبة للسلطة، تعرضوا للصدمة بعد تأكدهم من أن المؤسسة العسكرية قد نقضت وعودها، فعادوا إلى الحراك بقوة.
وإذا كان العسكر قد استجابوا في السابق لطلبات الحراك، وأجبروا “بوتفليقة” على تقديم استقالته، فهذا يعني، حسب منطقهم، أنهم خضعوا للتدخلات الخارجية في إرغامه على تقديم هذه الاستقالة. فلماذا هذا التناقض في خطاب العسكر بين اليوم والأمس؟ أليس خوفهم من الشارع هو الذي فرض عليهم إجبار ” بوتفليقة” على الاستقالة، حيث فضلوا رحيل بوتفليقة ليبقوا في السلطة؟
صحيح، إن بعض القوى الخارجية تحاول استغلال كل أزمة تحدث في بلدان الشرق الأوسط لخدمة مصالحها الإستراتيجية، ما يفرض على حكام الجزائر الاستجابة لمطالب الشعب الجزائري وتجنب انهيار الكيان الجزائري…
لقد قامت المؤسسة العسكرية بالانقلاب على “القايد صالح” وعلى المقربين منه، فتم اعتقال بعضهم، وإبعاد بعضهم الآخر، وبقيت نفس المؤسسات تشتغل بالعقلية التي كانت سائدة أيام “بوتفليقة”، وتم الاحتفاظ بنفس الوجوه، وساد الفساد، الذي كان سائدا في المرحلة السابقة. إضافة إلى ذلك، فقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، حيث تنعدم السيولة في الأبناك، وقلت المواد الأساسية في الأسواق، إذ لا دقيق، ولا حليب، ولا زيت، كما ارتفعت الأسعار وانهار الدينار، واستفحلت البطالة. زد على ذلك أن هناك أزمة تعليمية، وليس هناك تطبيب… فهل يعقل أن تعيش الجزائر، بخيراتها، هذه الأزمة؟!
ويرى بعض الخبراء أن هناك أياد جهات داخل السلطة تسعى إلى استفحال الأزمة الاجتماعية، وتلعب ورقة الغلاء لتخويف الجزائريين من تعمق تردي الوضع السياسي الداخلي الذي قد يزيد الأوضاع الاجتماعية سوءا.
لقد أرسل الجنرالات بعثات إلى روسيا لدراسة إمكانية إقامة قاعدة عسكرية بحرية روسية في الجزائر، وأرسلوا بعثات إلى فرنسا، بهدف البحث عن دعم سياسي لنظامهم السياسي…
ويؤكد معارضون وباحثون جزائريون أن لديهم معلومات مؤكدة مفادها أن هناك جهات خارجية تدعم النظام وتدفعه إلى مضاعفة العنف ضد الحراك الشعبي السلمي، علما أن الخيار الأمني لم يكن حلا لأي بلد يعيش أزمة مثل الأزمة الجزائرية الحالية. هكذا، فإن الجنرالات مستعدون لفعل أي شيء لصالح القوى الأجنبية التي يمكن أن تحميهم، وتمكنهم من الاستمرار في السلطة. كما أن هذه الجهات التي تدفع الجنرالات في اتجاه الحل الأمني لا تهمها مصلحة الجنرالات، ولا مصلحة الجزائر، بل ما يهمها هو مصالحها الإستراتيجية في الجزائر، حيث عندما يشتد الصراع، وتنفجر الأزمة في البلاد، فإن تلك الجهات ستطالب بتحويل الملف إلى الأمم المتحدة ليبث فيه هذا التنظيم الأممي…
إن الحل لا يكمن في تخوين الشعب، لأن السلطة انقلبت على نفسها، وعلى الشعب، لأنها تؤمن بعقيدة الكذب والتعتيم وتلفيق التهم لخصومها… كما أن هناك جهات عسكرية جزائرية دموية عادت مؤخرا إلى السلطة بقوة، ما قد يدفع العسكر في اتجاه ممارسة العنف ضد الحراك الشعبي السلمي.
وجدير بالذكر أن طريقة مواجهة التدخلات الأجنبية لا تكون بالعنف، بل إنها تتم بتكريس الديمقراطية وسيادة الحرية وحقوق الإنسان، لأن ذلك هو الحل الأمثل، بل إنه هو الحصن الحصين، الذي يقي من التدخلات الخارجية.
ومن المعلوم أن النظام الجزائري يسعى إلى اللجوء إلى روسيا، أو الصين. لكنه لا يفعل ذلك من أجل مصلحة الجزائر، بل حماية لنفسه ليتمكن الجنرالات من البقاء في السلطة. لذلك، فإن هذا النظام ينهض على منطق عدمي فاسد لا يمكن أن يبني دولة ديمقراطية حديثة.


لقد استقدم الجنرالات جهات خارجية إلى الجزائر، فاطلعت على ما يجري في البلاد، وباتت تعرف الوضع السياسي في الجزائر أكثر مما يدركه الجنرالات أنفسهم. وتلك هي مأساة الجزائر! فمن المحتمل جدا أن يصل هذا النظام بالجزائر إلى الباب المسدود، ما سيضر بالنظام نفسه والبلاد والشعب الجزائريين في آن واحد، حيث سيكون الخاسر في نهاية المطاف هو الوطن.