محمد بوبكري

لقد تأكد اليوم أن الحراك الشعبي الجزائري أصبح قوة كبيرة تخيف حكام الجزائر، الذين لا يتوقفون عن ممارسة كل أشكال العنف والترهيب لإخماد جذوته وإسكاته، كما أنهم لجؤوا إلى التحايل والتضليل وتلفيق التهم لرموزه من أجل الإساءة إلى صورتهم، لأن هؤلاء الرموز تمكنوا من تعرية فساد حكام الجزائر وعنفهم.
‎وتؤكد مطالبة الحراك بـ”دولة مدنية” أن الشعب الجزائري يدرك أن العسكر، هم الذين يحكمون في الجزائر، وأن “الرئيس”وأعضاء”حكومته” هم واجهة مدنية يختفي وراءها الجنرالات لممارسة تسلطهم على البلاد والعباد. وإذا كان تصاعد الحراك وانتشاره يخيف العسكر، فإن مطالبة منطقة “القبايل” بحقها في تقرير مصيرها قد أصاب الجنرالات بالهلع، ما ضاعف الضغوط على نظام العسكر المأخوذ بهوى السلطة والنهب والنزعة الفروسية والعنترية…

‎لكن لماذا صار مطلب تقرير مصير منطقة “القبايل” يرعب جنرالات الإرهاب ؟


‎يؤكد المؤرخون، المهتمون بدراسة الفترة الاستعمارية في الجزائر، أن هذه المنطقة شكلت مهد حركة التحرير الشعبية، التي كافحت ضد المستعمر، كما أنها أنجبت أفضل آباء الحركة الوطنية الجزائرية ، وعلى رأسهم المرحوم ” المجاهد الحسين آيت أحمد” وآخرين الذين أفنوا عمرهم في خدمة الجزائر. لكن حكام الجزائر قد تنكروا لهذه المنطقة منذ ما ُسمي بـ “الاستقلال”، حيث عملوا على تهميشها وإقصائها، لأن ماضيها النضالي ضد المستعمر ‎الفرنسي صار يشكل عقدة لهؤلاء الجنرالات الذين رضعوا من حليب فرنسا، وانخرطوا في صفوف جيوشها، وحاربوا الحركة الوطنية.. لكن وباتفاق مع المستعمر الفرنسي، اعتمد “هواري بومدين” على هؤلاء لمحاربة رواد الحركة الوطنية بعد ما ُسمي بـ “الاستقلال”، ما جعل هؤلاء الخونة يشكلون امتدادا للمستعمر في أجهزة الدولة الجزائرية إلى الآن، حيث يخدمون المصالح الإستراتيجية لفرنسا في الجزائر، مقابل دعم الفرنسيين لهم من أجل بقائهم في السلطة في الجزائر.

‎وهذه هي عقدة جنرالات فرنسا ضد وطنية”منطقة القبايل”، فصاروا يعانون من عقدة الخائن أمام وطنية مجاهدي هذه المنطقة وما قدموه من تضحيات جسام في سبيل الجزائر. وهذا ما جعل العسكر يسعون دوما إلى تهميش منطقة “القبايل” وإقصائها، ما يدل على رغبتهم في التشطيب عليها ما خريطة الجزائر.

‎ونظرا للماضي الوطني للقبايل، فإنها تعد أكثر تسيسا ومقاومة للعسكر، ما جعل العسكر يسلطون دوما عنفهم على أهاليها، حيث أكدت الكثير من الأحداث والوقائع حقد الجنرالات على سكان “القبايل”، حيث يتجلى ذلك في العنف البشع الذي مورس ولا يزال يمارس عليهم من قبل العسكر .

ونظرا لتمادي العسكر في التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي لهذه المنطقة ومبالغة الأجهزة الأمنية فيقمع مناضليها، فقد ظهرت هناك حركة تطالب بانفصال هذه المنطقة عن الجزائر، حيث إن الأمر هو في بدايته احتجاج على غياب المأسسة الديمقراطية، الذي نجمت عنه كل أصناف الإقصاء السالفة الذكر…

‎وتؤكد التقارير الاستخباراتية أن هذه الحركة،التي تطالب بحق منطقة القبايل في تقرير مصيرها، قد تضاعفت أعدادها، حيث أنها ضمت في أواخر سنة 2018 خمسين ألف ناشط، فأصبحت في منتصف سنة 2020 تضم 150 ألف ناشط، ما يعني أنها تضاعفت ثلاث مرات خلال هذه الفترة القصيرة. وتدل كل المؤشرات أنه من المحتمل جدا أن تتضاعف مستقبلا أعداد نشطائها مرات عديدة، حيث إن استبداد الجنرالات وسياساتهم الاقتصادية والاجتماعية… هي عوامل أساس تدفع أهالي القبايل إلى المزيد من الانخراط في صفوف هذه الحركة. وبذلك، فإن الجنرالات هم المسؤولون عن بروز هذه الحركة التي تطالب بتقرير مصير منطقة القبايل…

‎وجدير بالذكر أن هذه ‎الحركة تتواجد في مختلف المدن الجزائرية ، حيث تؤطر الطلاب والشباب، ما جعل خطاباتها وتنظيماتها تتوغل في المجتمع وتتجذر فيه، حيث تبدو اليوم هذه الحركة أقوى حركة سياسية في الجزائر، لأنها تجاوزت بكثير أحزاب الموالاة والمعارضة، ما يدل على أنها ستصبح قوة سياسية كبيرة. وهذا ما يفسر حقد العسكر عليها.

ولا يتوقف الأمر عند منطقة القبايل وحدها، بل إن أهالي منطقة “ورغلة”، التي تعرضت للتفقير والتهميش من قبل العسكر ، رغم أنها غنية بخيراتها المعدنية، قد أصبح سكانها يطالبون بالانفصال عن دولة الجنرالات..

وأمام قوة الحراك الشعبي ومطالبة هاتين المنطقتين بحقهما في تقرير مصيرهما، فإن الجنرالات قد أصبحوا يعقدون اجتماعات متتالية من أجل التخطيط لمواجهة الحراك الشعبي ودعوات الانفصال. وتروج أخبار مؤكدة مفادها أن اجتماعات مجلس الأمن الجزائري المتتالية وضعت خطة للتصعيد ضد الشعب الجزائري بهدف كسر شوكته لأن الجنرالات يرفضون مختلف مطالب الشعب الجزائري.

‎هكذا، فإن هؤلاء العسكر متمسكون بالاستمرار في انتهاكات حقوق الإنسان، علما أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة قد وجهت إليهم تحذيرا من مغبة الاستمرار في غيهم، كما أن فرنسا ألغت زيارة وزيرها الأول إلى الجزائر، لأنها ترفض أن يحسب عليها أنها تساند حكام الجزاىر الذين يخططون لممارسة العنف ضد الحراك الشعبي السلمي…

وإذا كان هؤلاء الحكام قد سحبوا قانون نزع الجنسية من المعارضين الجزائريين المقيمين في الخارج، فإن الفضل في ذلك يعود إلى الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا على الجنرالات لكي يتخلوا عن هذا القانون الجائر.

علاوة على ذلك، وللتعبير عن موقف واشنطن من الحراك الشعبي، فقد صرح مؤخرا، القائم بأعمال السفارة الأمريكية في الجزائر، بأن واشنطن تدعم حق الشعب في التظاهر السلمي، ما يعني أن واشنطن انتصرت لصالح الحراك الشعبي.

‎هكذا، تكون فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية قد وجهتا صفعة قوية لحكام الجزائر، ما يؤكد أن قضية حقوق الإنسان في الجزائر قد بدأت تأخذ طريقها نحو التدويل، حيث قد تتخذ بلدان أخرى الموقف نفسه الذي اتخذته كل من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ما يعني أن حكام الجزائر قد يعيشون مزيدا من العزلة الدولية، الأمر الذي قد تترتب عنه قرارات يمكن أن تفضي إلى نهاية عهد الجنرالات في الجزائر، حيث ستتوفر شروط ‎لوضع آليات لبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.