أحمد رباص

عند محاولتي استئناف فعل الحكي بمناوشة الذاكرة، انتبهت إلى أن هناك، في ذاكرتي الخاصة بتلك الفترة التي عشتها في أكدز وضواحيه، فضاءات لم تشملها لحد الساعة التغطية. وإذ أحاول الآن تدارك ما قفزت عليه من ذكريات وكأني أسعى لملء ثغرات متناثرة هنا وهناك على جدران صرح لم يكتمل بناؤه بعد، أود التنبيه إلى أن عملية القفز تلك ليست وليدة سهو أو نسيان، بل هي متأتية عن مقتضيات الميثاق المنهجي الذي يؤطر هذه المذكرات والمبثوث بين ثناياها إن صراحة أو ضمنا.
وبناء عليه، سوف أعيد الاعتبار لعامي الرابع من سنواتي الخمس التي عشتها في هذه الربوع وأزيل عنه جزءا من الغبن الذي ما فتئ يعاتبني عليه في انتظار تلاشي باقي الغبن عنه نهائيا في ما سيأتي من سوانح التذكر العويص الباعث على الدوار والتيهان.
كان العام المومأ إليه محصورا بمعيار مؤسستي حكومي، شأنه في ذلك شأن جميع الأعوام الدراسية، بين خريف 1991 وبداية صيف 1992. بالنسبة لي، تميزت انطلاقة هذا الموسم الدراسي بمبيتي، خلال بضعة ليال، في المطعم المدرسي بترخيص من صديقي عون الخدمة الذي يبدي تعاطفا حارا مع الاشتراكية والاشتراكيين على غرار عائلته وعشيرته.
عندما التحق المدير المجلبب دوما بمقر إدارته بعد انصرام عطلة الصيف، كان العون حاسما في ضرورة إفراغي للمطعم والبحث لي عن سكن بديل..
أبديت على الفور استعدادي لتنفيذ طلبه شريطة أن يتوسط لفائدتي لدى أهالي مجمع آيت إسحاق من أجل إيجاد غرفة للإيجار.. استجاب الحارس لشرطي الوحيد اعترافا منه بمكانتي الرفيعة في وجدانه، سيما وهو يقاسمني نفس القناعات والرؤى السياسية ويتابع مقالاتي الصحافية.. لكن رغم ما بذله من مجهود دبلوماسي وما عرضه من ضمانات بخصوصي، فقد باءت محاولاته بالفشل. على إثر ذلك، لازمني شعور بهشاشة وضعي الاعتباري مقارنة بزملائي الأكثر حظا مني ممن يعملون في مدارس مضيافة تتوفر فيها إمكانات الإسكان والاستضافة..بعبارة واحدة، أحسست بأني على وشك أن أكون معلما شريدا..
بالرغم من أن مدرسة آيت املكت تتوفر على سكن إداري مكون من غرفتين ومطبخ، فضلا عن مرحاض بطبيعة الحال، إلا أن معلما أعزب من الدار البيضاء استأثر به لوحده وتركنا – نحن زملاءه الثلاثة – عرضة للتشرد أو للارتكان في إحدى زوايا القسم، وهما وضعان أحلاهما مر..هكذا، ما وجدت حينئذ بدا من الاحتماء بالقسم الذي أستقبل فيه يوميا تلاميذ الرابع والخامس والسادس من كلا الجنسين.. هؤلاء ينتمون إلى مجمعينين مجاورين: آيت ملكت وآيت إسحاق. غير أن ما يميز بينهما هو أن المجمع الأول خاص بالحراطنة فيما يأوي الدوار الثاني عائلات أمازيغية قحة.. هذا التجاور وهذا التقارب بين التجمعين لا يعنيان أن المسافة بينهما قريبة، إذ المعاملات المتبادلة بينهما لا تتجاوز ما هو مادي إلى ما هو سوسيوثقافي مفض إلى الاختلاط والانصهار.. من الأشياء غير القابلة للتصور على مستوى العلاقات بين المجمعين أن يتزوج شاب من آيت املكت بشابة من آيت إسحاق والعكس صحيح..
في هذا السياق، حكى لي أربعيني من آيت املكت عن اصطدامه بهذا الجدار عندما طلب يد فتاة من آيت إسحاق كان قد وقع في حبها غير أن أهلها رفضوا تزويجه بها رغم أنه هاجر إلى فرنسا وأقام فيها سنوات كلها عمل وادخار..التقيت به مساء في وقت لاحق بأكدز عندما كنت أبحث عن وسيلة نقل تتخذ من بلدة أفرا وجهة لها.. بكل أريحية، توقفت سيارته الفارهة أمامي ودعاني للجلوس بجانبه على المقعد الأمامي قبل أن يسألني عن غايتي ومقصدي..
أثناء طي السيارة للمسافة الفاصلة بين أكدز والبلدة، تبادلنا أطراف الحديث وعرجنا على مواضيع شتى إلى أن شرع يفرغ لي ما قر في نفسه من مسرات وخيبات.. مجمل ما أفصح عنه لي أنه ناجح في حياته من الناحية المادية حيث يوحي مظهره بذلك، غير أن هناك أمرين يفوتان عليه الاستمتاع بنعم هذا النجاح ويجعلان شعوره بالسعادة ناقصا؛ ألا وهما عدم تمدرسه في مرحلة طفولته ما جعله أميا بمنطق ذاك العهد وامتناع أهل عشيقته الأمازيغية عن الموافقة على أن تكون زوجة له..
مهما تقسو الظروف وتشتد الأزمات لا بد للحياة من أن تستمر..ها هي المدرسة تستعيد حيويتها ونشاطها إذ سرعان ما غذت كخلية نحل تعج بالحركة.. مع مرور الأيام الأولى من الدخول المدرسي، لا حظت أن تلميذتين ذواتا اسم عائلي واحد لم تلتحقا بعد بالفصل الدراسي مع أنهما مسجلتان في اللائحة التي مدتني بها إدارة المؤسسة في وقت سابق..كان علي التحري في شأن غيابهما لأعرف ما الداعي إليه وما سببه..
فاتحت صديقي الحارس في الأمر وطلبت منه أن يأتيني بتفاصيله من مصدر موثوق.. وعدني بأن يعمل ما بوسعه لإطلاعي على الحقيقة في أقرب وقت.. في الغد، أخبرني أن التلميذتين سوف تلتحقان قريبا بالمدرسة وأنه تمكن من إقناع ذويهما بمجانبة تحفظاتهم مني كوافد جديد لجادة الصواب.. حكى لي كيف أنه قدم لهم صورة مطابقة لحقيقتي كإنسان ذي مروءة وأخلاق ومناقضة للصورة التي ترسخت في متخيلهم بفعل وشايات كيدية وأحكام مسبقة..بالفعل، استأنفت المتعلمتان الصغيرتان دراستهما بغير قليل من الخجل الذي مرده جزئيا إلى التنشئة التي تلقتاها في بيئة اجتماعية محافظة ومنغلقة على ذاتها..
كانت البادرة الحسنة لصديقي العون (بلغة ذلك الزمن) فاتحة خير في علاقتي بأفراد عائلة الطفلتين الخجلاوين حيث مهدت لتوطيدها واستمرارها من يوم لآخر.. في أول انفتاحي عليهم، اكتشفت أنهم محسوبون على آيت إسحاق.. هم أربعة إخوة، هاجر منهم إثنان إلى فرنسا ليديرا شركة مختصة في صباغة المباني، بينما بقي إثنان ساهرين على تدبير شؤون العائلة.. كانوا كلهم متزوجين وآباء للفيف من الأطفال، أكبرهم غادر الدراسة ولم يتجاوز سن المراهقة بعد.. إلى جانب الأشغال الفلاحية التي كانوا يزاولونها في أراضيهم وفدادينهم الموروثة عن أسلافهم سواء الواقعة في الحوض قريبا من النهر أو تلك الخالدة إلى صمتها فيما وراء جبل كيسان، رأيتهم منشغلين أيضا بامتهان تجارة “تبقالت” في حانوت بنوه أمام مدخل سكنهم الفسيح الأرجاء والذي تحفه الأشجار المثمرة من كل جانب..
على الجانب الأيمن لواجهة محل سكناهم، ثمة غرفة تأوي محركا يشتغل بالبنزين وبئرا مجهزا بمضخة..لهذا المحرك وظيفتان: توفير الماء الشروب وتوزيعه على كل مرافق الدار الكبيرة وتوليد قدر من الطاقة الكهربائية من أجل الإنارة.. هذا يعني أن هذه العائلة تنعم باكتفاء واستقلال ذاتيين قلما يتوفران لعائلة أخرى في مثل هذه البلدة.. هنا وعلى هذا المستوى، تبقى هذه العائلة ومثيلاتها معدودة على رؤوس الأصابع لأن الغالبية العظمى من السكان المحليين تجلب الماء من معانه بطرق تقليدية معروفة ولا تستفيد من الكهرباء في كل ليلة إلا خلال مدة أقصاها ساعتان أو ثلاث حسب ما تسمح به إمكانات تشغيل المحرك الخاص بكل مجمع على حدة والمساهمات المادية المرصودة لذات الغرض من قبل هذا الدوار أو ذاك.. أحيانا تطول مدة اشتغال المحرك وتستمر المصابيح مضاءة خلال مدة أطول بفضل إقامة إحدى العائلات لحفل لمناسبة من المناسبات..
أما إذا التفتنا إلى المدرسة التي تتوسط مؤخرة جبل كيسان العظيم، فنجد أن الماء والكهرباء منعدمان منها بالمرة.. لتوفير ما نحتاجه من ماء، كنا نكلف التلاميذ بجلبه من البئر في قنينات سعتها 5 لترات.. قمنا بذلك مع أننا واعون بمخالفته للقانون إلى حد أنه قد يقع أحيانا تحت طائلة الأخطاء المهنية، لكن تسامح الآباء في هذا الشأن وتقديرهم للوضع الذي نوجد عليه أكسبنا طمأنينة وراحة بال.. في الليل، عندما يبسط الظلام أجنحته على الدنيا، نلتجئ إلى الشمع المدرف للدموع حتى الموت..
في بداية ليلة من الليالي الأولى التي قضيتها مقيما بإحدى زوايا القسم، خرجت إلى الشارع وتركت الشمعة شاعلة، فصادفت عمدة الدار الكبيرة والأب لواحدة من تلميذاتي .. ما أن تعرف علي في جنح الظلام حتى قال لي بلهجة ساخرة أعقبتها قهقهات: يظهر القسم مثل حافلة مركونة في جانب الطريق وأضواؤها مشتعلة.. فعلا، يبدو كذلك وقد سبق لي أن انتبهت إلى نفس الصورة التي يوحي بها ليلا القسم المبني بالمفكك وهو مضاء بالشمع فقط..

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube