محمد المباركي

7 – الفرق بين الشيوعية والماركسية كمظاهر للاشتراكية

خلال المرحلة التي عقبت نكسة اليساريين الفرنسيين في تطبيق البرنامج الاشتراكي، يأتي دور كارل ماركس وفريدريك أنجلز. كثيرا ما يقع الخلط بين الشيوعية والماركسية وكأن ماركس هو واضع المذهب الشيوعي. خلافا لذلك فان الشيوعية، كما أوضحنا سابقا، تجد أسسها في أحضان الثورة الفرنسية. في التوجه الذي مثله بابوف، وابان الثورة الصناعية البريطانية كما دعا لذلك مناهضي التوجه الليبيرالي أمثال أوين. لكن الشيء المهم الذي جاء به ماركس وأنجلز كما وضحته خلاصة المخطوط التاريخي ل ” البيان الشيوعي ” والذي مستهله “ان تاريخ المجتمع الانساني كله حتى يومنا هذا هو تاريخ صراع الطبقات. وهو صراع يستمر الى أن يقوم المجتمع الذي لا طبقات فيه. فكيف ظهر البرجوازي، الذي يضطهد اليوم؟ … لقد شهدنا وسائل الانتاج والاستهلاك، التي جعلت تشكل البرجوازية ممكنا، تتولد من المجتمع الاقطاعي …” ويؤكد البيان “ليس للكادحين ما يفقدونه غير أغلالهم، وأمامهم عالم عليهم أن يكسبوه. أيها الكادحون في جميع البلدان، اتحدوا “. هذه العبارة الأخيرة التي ستصبح بعد تشكيل الأممية الأولي عام 1864 ” يا عمال العالم اتحدوا “، شعار لوحدة كل الكادحين في العالم.

ان البيان الشيوعي الذي حرره ماركس وأنجلس في خضم الثورة الاجتماعية بفرنسا عام 1948، والذي كتبه أنجلز وصححه ماركس. جاء البيان الشيوعي يحمل توجهات المذهب الماركسي والذي تمحور في العمق للإجابة عن المعضلات الأساسية التي كان يشتكي منها اليسار الاشتراكي بكل اتجاهاته وهي:

أولا: ديالكتيك/جدلية التاريخ ومادية تاريخية. قبل القرن التاسع عشر كان المفكرون يقرون بسكونية التاريخ وأنه العالم خاضع لقوانين أزلية. وهذا ما نجده عند علامة في حجم ابن خلدون مثلا. عكس ذلك وصل فهم مفكري القرن التاسع عشر أن كل مرحلة تخضع لقوانين مختلفة أي أن هناك حركة دائمة وهذا ما عبر عنه هيجل لما طرح نظريته في الديالكتيك والذي أخذه عنه ماركس ليطوره. فديالكتيك هيجل تنطلق من المطلق لتنتهي الى المطلق. أما ديالكتيك ماركس تنطلق من النسبي لتنتهي الى النسبي. ومن الانسان لترجع الى الانسان، فهو يرى في الانسان الواقعي والفعال، العلة البدائية وعلة الحركة الجدلية. ففي الحين الذي يخرج فيه هيجل، رغم اتساع فهمه للديالكتيك التاريخي، الانسان من مركز الفعل التاريخي يثبه ماركس. وفي الحين الذي يرى فيه هيجل تطور المجتمع عبر مراحل متعاقبة، يراها ماركس تسير عبر ثورات سياسية حسب تعبيره ” اما الكفاح أو الموت، اما النضال الدامي أو العدم “. هكذا يتميز الديالكتيك/الجدل الانساني عند ماركس عن الديالكتيك/الجدل اللاهوتي عند هيجل. ومنه العبارة الشهيرة القائلة ” كان الديالكتيك/الجدل العلمي ما معناه الفلسفة عند هيجل تسير على رأسها، فجعلها ماركس تقف على رجليها “.

الماركسية اذن حسب ماركس تتمحور في كون الانسان ضرورة تاريخية، وأن طبيعة هذه الضرورة هي تحقيق حرية الانسان التي يتوصل اليها عبر الوعي وعبر النضال.

ثانيا أخدا بالمنطلق الفلسفي الديالكتيكي للتاريخ المتطور عبر صراع طبقات اجتماعية ذات مصالح متباينة، يتجه ماركس الى الاقتصاد السياسي ليجد الاجابات على فك علاقات الانتاج عبر الانسان الاقتصادي، الانسان المشخص، الانسان الواقعي، الانسان الفعال الذي يفسر الانسان الاجتماعي، قانونيا وأخلاقيا وعقائديا. وقد أوضح ماركس في كتاب ” رأس المال “، نظرية القيمة وفائض القيمة أي الربح وبذا يكون قد أجاب على العديد من التساؤلات التي لم تأتي في شكل واضح عند آدم سميت وريكاردو وغيرهم ممن وضعوا أسس الاقتصاد السياسي والذين كانوا يقرون ” بأن العمل هو مقياس القيمة “. الأمر الذي رد عليه ماركس بالتساؤل التالي قبل أن يجيب ” إذا كان كل شيء يشترى بقيمته، فمن أين يأتي الربح؟ ومنه يخلص ماركس “أن احتكار الرأسمالية لفائض العمل الذي يقابله فائض القيمة، جريمة اجتماعية مطروح على الاشتراكيين محاربتها “

ثالثا – صراع الطبقات والانهار الرأسمالي: بعد أن حصن ماركس نهجه من الناحية الفلسفية بدحض نظرية الديالكتيك الهجيلية، وهي أوج ما وصل اليه الفكر الفلسفي الألماني والغربي عامة في ذلك الوقت، أتبعه بنقد علم الاقتصاد السياسي الذي كان متطورا عند الأنجلين، ليكمله بالتحليل السياسي الاجتماعي الذي كان متطورا عند الفرنسيين. كانت باريس تعد عاصمة الثوريين في القرن التاسع عشر وحيث التنظيمات العمالية ذات التوجه اليساري كانت نشيطة باتجاهها الراديكالي الثوري. لذا نجد شيوعية ماركس تقر أن التاريخ يتجه من تلقاء نفسه وبضرورة لا مناص عنها نحو الثورة الاشتراكية. فالصراع الطبقي هو اذن حتمية تاريخية. وأن التناقضات لا تحل إلا بالعنف الثوري الذي يخوضه الذين ينتجون ولا يستفيدون من انتاجهم والذين لن يخسروا في آخر الأمر غير أغلالهم. هكذا لم تعد مطالب الكادحين في مستوى الاحتجاجات فقط، بل تعدتها لمرتبة امتلاك وسائل الانتاج عن طريق الثورة السياسية. ومن أجل تحصين العمال المشتتين في بلدانهم بينما الرأسمالية تتوسع لتصبح امبريالية، أي كونية الاستغلال، وجب توحيد نضال العمال والكادحين عامة على المستوى العالمي ومنه كانت الدعوة لخلق أممية عمالية بلدن عام 1864 التي دعا لها ماركس. والذي ظل فاعلا في صفوفها الي نشوب الحرب بين ألمانيا وفرنسا عام 1870.

أنظم للأممية الثانية مجمل التنظيمات العمالية والأحزاب الثورية المتبنية للشيوعية، وسرعان ما ظهرت خلافات بين اتجاهين أساسين. الأول مثله الأنرشيين / الفوضويين الذين يرفضون أي نوع لسلطة، سواء كتن نتاج دولة برجوازية أو دولة بروليتارية / عمالية. لأنه بالنسبة لهم، أي نوع من الدولة يجسد الاستبداد واستلاب للحرية الطبيعية عند الإنسان. لذا يتبنون مجتمع شيوعي حيث الأفراد فيه أحرارا. ممثلو هذا الاتجاه الثوري هم أنصار برودون خاصة وثيار بلانكي. أما اتجاه ماركس وأنجلز الممثل للأغلبية داخل الأممية الأولى فكان يرى ضرورة المرور بمرحلة الدولة الاشتراكية كمدخل ضروري للقضاء على نوع الدولة الليبرالية البرجوازية. بعدها يأتي المجتمع الشيوعي التي تنمحي معه الفوارق الطبية ومعها زوال الدولة كأداة اضطهاد، كيفما كان نوعها.

اذا لخصنا القول أمكن اعتبار الأممية الأولي هي بمثابة مرحلة تبلورت خلالها المعالم الأساسية لليسار. سواء منها الجانب الفلسفي وذلك باعتبار العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي عوامل مادية جدلية تشكل جوهر المادية التاريخية المطبوعة بالقفزات الثورية كنتاج صراع دائم بين الطبقات المتباينة المصالح. و لن ينتهي هذا الصراع الدائم الا بزوال الدولة التي هي أداة سلطة في يد الطبقة السائدة. لكن نوع الثورات ونوع التعامل مع الصراعات المجتمعية والصيرورة المؤدية للمجتمع الاشتراكي والشيوعي ظلت قضايا تساير مسار اليسار الكوني ليومنا هذا. و منه ضبط المراحل التي يمر بها طبيعة الصراع الطبقي الذي يمر به كل مجتمع معين لوضع استراتيجية معية وربطها بتكتيكات دقيقة ومتطورة. ولحل هذه المعادلات المعقدة لتطور الصراع المجتمعي تأتي قيمة الاستفادة من المنهجية الغرامشية التي تعد عن حق تطوير للنهج النادي الجدلي والتاريخي عند الاشتراكيين الكلاسيكيين من أمثال ماركس لينين ماهو زيتون تروتكسي روزا لكسمبورج… ويساد الاشتراكيين المغاربة ولعرب عامة تجاوز التنظيرات القومية والوطنية التي شاعت بشكل أوسع من المنهج والمواقف اليسارية، خاصة أنها تبنت الاشتراكية بشكل هجين للاستهلاك مفرغة جوهر الاشتراكية من جوهرها الممثل في ربط التحرير الوطني والقومي بالصراع الطبقي المدخل لبناء دولة ديمقراطية لصالح الطبقات الاجتماعية التي لها المصلحة في التحرير وبناء المجتمع الديمقراطي الضامن للحريات الفردية والجماعية والعادلة الاجتماعية وربط المسؤولية بالمحاسبة المباشرة.

ملحوظة: كما تمت الإشارة اليه بداية نشر هذه النصوص، تفاديا لإثقالها بالمراجع، التي منها ما هو بين أيدينا ومنها ما تمليه الذاكرة مع ما للذاكرة من هفوات، سنضيف مجملها عند نهاية السرد.

يتبع