*بقلم عمربنشقرون، مدير مركز الأعمال والدراسات المالية بالدار البيضاء* 

أثارت الأزمة المالية الحالية حملة عالمية لإعادة النظر في النظام المالي العالمي بسبب ارتفاع درجة الهشاشة المتأصلة في الهيكل الحالي لهذا النظام، وبصفة خاصة في ظل مد العولمة الذي اجتاح أسواق المال خلال الثلاث عقود الماضية، والفوضى التي صاحبت عمليات الابتكار للأدوات المالية الجديدة، وطبيعة المخاطر المصاحبة لها، وفشل مؤسسات التقييم في فهم طبيعة المخاطر الخاصة بها. 

وتتركز جهود إعادة هيكلة النظام المالي العالمي حاليا حول الجوانب التنظيمية، ودور المؤسسات المالية المختلفة، والدور المنوط بالحكومات القيام به في ظل الأزمة. فيمكن أن ينظر إلى الأزمة المالية على أنها تمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ العالم الحديث، فبعدما كان النظام المالي العالمي يؤمن ايمانا مطلقا بنظام السوق وآليات الاقتصاد الحر، أخذت المؤسسات المالية تتكيف مع بيئة أعمال جديدة تتسم بشكل عام بتشديد الائتمان وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي وزيادة درجة التدخل الحكومي، وتراجع وتيرة العولمة المالية التي سادت في السابق مع اتجاه الحكومات نحو تشديد عملية فتح حدودها من أجل حماية اقتصاداتها من الآثار السلبية التي تنشأ عن ضعف مالي في المناطق الأخرى من العالم. 

ففي احد تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي، في دافوس، حول مستقبل النظام المالي العالمي، و الذي تناول بالتحليل طبيعة التغيرات المتوقع حدوثها لإعادة هيكلة النظام المالي العالمي في المستقبل، كان قد تنبأ وأشار إلى أن أهم جوانب التغير المتوقع حدوثها للقطاع المالي العالمي هي كالآتي: 

التدخل التنظيمي لإصلاح النظام المالي:  ارتكزت الاستراتيجيات الرئيسة للبنوك العالمية على الإيمان بحرية الأسواق والاعتماد على التنظيم الذاتي. فعلى سبيل المثال فإن قطاع الخدمات المالية في أوروبا و الولايات المتحدة شهد قبل الأزمة تطورا جوهريا في شكل تعديل قاعدة “صافي رأس المال” لبنوك الاستثمار التي تمتلك أصولا تتجاوز خمسة مليارات دولار، حيث سمح لهذه البنوك باستخدام نظم إدارة المخاطر الخاصة بها لحساب احتياجاتها الرأسمالية، وهو ما أدى إلى نقل بعض مسؤوليات عمليات الرقابة من لجنة الأوراق المالية والبورصات في الولايات المتحدة وهيئات الرقابة في أوروبا إلى البنوك ذاتها. 

غير أن الأزمة المالية قد أدت إلى إعادة التفكير حول دور الحكومة في قطاع الخدمات المالية، فعلى النقيض من العقد الماضي وتفضيل الدور الحكومي المحدود، أصبح ينظر إلى الحكومات الوطنية حاليا على أنها مصدر مهم لرأس المال في حماية النظام المالي العالمي، وهذا الاتجاه الجديد والتحول الجوهري في نظرة القطاع المالي لدور الحكومات يشير إلى بداية وجود نوع من العقد الضمني بين الحكومات والمؤسسات المالية، الذي بمقتضاه تمنح الحكومات الطرف الأخير حق الاستمرار في ممارسة النشاط مقابل مزيد من الرقابة والتنظيم من قبل الحكومات. أكثر من ذلك فإنه من المتوقع إعادة هيكلة البدائل الاستثمارية لمؤسسات القطاع المالي، بحيث يقل استخدام المحافظ مرتفعة المخاطرة وضمان ضرورة تنويع المحافظ المالية للمؤسسات المالية وتوازنها لإحداث التوازن المطلوب بين العوائد ومستويات المخاطرة، وفي الوقت ذاته ضمان مستويات أعلى من السيولة.

وفي قمة مجموعة العشرين حول الأسواق المالية والاقتصاد العالمي، التي كانت قد عقدت قبل تفشي كورونا، التزم قادة تلك الدول باتخاذ إجراءات عاجلة وفي الأجل المتوسط يلتزم بمقتضاها صانعو السياسة على المستوى العالمي بإطار تنظيمي جديد للقطاع المالي، الذي يتوقع معه أن تتسع عمليات تنظيم وحدات القطاع المالي، وزيادة التنسيق العالمي في مجال تنظيم هذا القطاع. وترتكز عمليات إصلاح النظام المالي على خمسة مبادئ أساسية للإصلاح، وهي: 1. تعزيز الشفافية والمساءلة في النظام المالي. 2. تعزيز التنظيم السليم في النظام المالي. 3. تعزيز النزاهة في الأسواق المالية. 4. تعزيز التعاون الدولي بشكل عام. 5. إصلاح المؤسسات المالية الدولية.

إن القطاع المالي العالمي سيشهد في المستقبل القريب درجة أكبر من التنظيم ومستويات أعلى من الرقابة على أعماله. والعودة إلى أساسيات العمل المصرفي ستدفع الأزمة المالية العالمية البنوك إلى العودة مرة أخرى إلى أساسيات الصناعة المالية، بصفة خاصة الحفاظ على ميزانيات سليمة. وستبدأ البنوك من جميع الأنواع في عمليات إصلاح واسعة لمواقف ميزانياتها من خلال رفع معدلات السيولة، والحفاظ على نسبة ملائمة لرأس المال إلى الأصول، وتخفيض الاعتماد على عمليات الإقراض قصير الأجل ومرتفع المخاطر. ومن المتوقع أيضا أن تسلك البنوك سلوكا مختلفا في استراتيجياتها التنافسية، بحيث تعتمد بشكل أكبر على قدراتها الجوهرية، وكذلك من المتوقع التأكيد على المزايا التنافسية التي تملكها البنوك من جديد. 

فمعظم البنوك ستقوم بعملية التحول هذه على مرحلتين:

  • في المرحلة الأولى الاستمرار في موجة إلغاء القروض التي تتسع حاليا في مجال الصناعة المصرفية، حيث سترتكز استراتيجيات البنوك في هذه المرحلة على إصلاح ميزانياتها من خلال تعديل تركيبة أصولها والتزاماتها، وزيادة رأسمالها، وربما الاندماج كإمكانية للمؤسسات الأضعف في إعادة بناء نفسها. 
  • وفي المرحلة الثانية فإن البنوك التي ستجتاز الأزمة ستعيد تقييم قدراتها، وتعيد تركيز نماذج أعمالها في أنشطة أضيق نطاقا موجهة أساسا نحو زبنائها من ناحية أخرى.

إن الإطار المقترح للمؤسسات المالية في المستقبل سيشير إلى أنها ستخضع لدرجة عالية من التنظيم، كما ستمنح ضمانات حكومية عالية بصفة خاصة للبنوك، وذلك من بين أمور أخرى. وفي المقابل فإن البنوك يجب أن تحتفظ بكميات كافية من الأصول السائلة قصيرة الأجل لكي تكون على أهبة الاستعداد دائما إذا حدث خلل في الأسواق. معنى ذلك أن الأوان قد آن لموجات تكسير القواعد التي صاحبت الابتكارات المالية الحديثة، التي صبغت النظام المالي العالمي خلال الثلاث عقود الماضية أن تتم مراجعتها لضمان سلامة القطاع البنكي والعودة مرة أخرى إلى أساسيات العمل البنكي الرصينة. إن تباطؤ وتيرة عولمة القطاع المالي مكنت العولمة المالية مؤسسات القطاع المالي من النمو في أسواق جديدة في كل من الدول المتقدمة والناشئة معا، وهو ما ساعد الصناعة المالية على النمو بالشكل الهائل الذي رأيناه في السابق، ومكن المؤسسات المالية من تحقيق إيرادات وأرباح مرتفعة، وفي الوقت ذاته مكنها من تحقيق درجات أعلى من التنويع لمحافظها المالية. ومن أهم الآثار المصاحبة للأزمة حدوث تباطؤ في نمو عولمة السوق المالية العالمية، ومن ثم النمو المستقبلي للمؤسسات المالية التي تقرض بالجملة. وتتمثل أهم ملامح هذا التباطؤ في أن الأزمة قد تؤدي إلى تأميم الكثير من البنوك على المستوى العالمي سواء بصورة كاملة أو جزئية، ومع تزايد أعداد البنوك ستزداد الحوافز لدى الحكومات نحو تبني سياسات بنكية وطنية لحماية هذا القطاع من المنافسة، ومن المتوقع بعد أن قامت الحكومات بإنفاق مليارات الدولارات لإنقاذ بنوكها الوطنية، ألا تصبح راغبة في أن تسمح للبنوك الأجنبية بالمنافسة مع بنوكها الوطنية، وهو ما قد يترتب عليه فصل النظام المصرفي المحلي عن النظام المصرفي العالمي من خلال ازدياد تركيز البنوك على أسواقها الوطنية. من ناحية أخرى، هناك تهديد متمثل في زيادة مستويات الرقابة المالية على خروج ودخول الرساميل، فمع قيام حكومات العالم بتحمل الأعباء التي ترتبت على الأزمة، فإنه من المتوقع أن تعمل هذه الحكومات على الحد من فرص تعرض اقتصاداتها المحلية للأزمات الخارجية مرة أخرى. ولكن ما الآثار المصاحبة لتباطؤ العولمة المالية؟ إن أهم الآثار المترتبة على ذلك هو الحد من فرص الاستثمار المالي دوليا بالنسبة للمؤسسات المالية ذات الحجم الكبير، فضلا عن أن فرض القيود على حركة رأس المال سترفع من تكلفة الديون ومن الممكن أن تقلل من درجة الارتباط بين العوائد على الأصول عالميا. باختصار فإنه من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة انخفاضا في حجم النظام المالي العالمي وزيادة في التدخل الحكومي لتنظيم هذا القطاع، وإعادة هيكلة للأدوات المالية المستخدمة، وانخفاض حركة الأموال عبر حدود الدول. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *