الشرق شرق والغرب غرب لمحمد المباركي: الباب الثالث

لماذا ستنتصر إيران؟
العقلية التي ينطلق منها ثنائي الشر والخراب الأمريكي الصهيوني هي قانون الغاب، حيث الغلبة للقوة والعتاد. وهي عقلية ترجع بالإنسانية الى عهد ما قبل الحضارة وان تغلّفت بطلاء الحداثة. ومنه وجب النظر الى التحضّر وأصل الحكمة والعقل لفهم ماضي وحاضر المجتمعات الانسانية. للإبحار في هذا الميدان، لحسن الحظ بين أيدينا عتاد قويٌّ وجميل يمكن التعبير به عمّا نقصده بالتحضر الذي أساسه الحكمة والعقل. هذا العتاد هو اللغة العربية التي تمثّل أغنى لغة التعبير أنتجها نطق البشر. فهي أسهل لغة وأعمقها تعبيرا وأكثرها ألفاظ وأقلّها حروفا.
كيف حصل ذلك؟
لأنها تلقحت وتطورت ضمن أقدم الحضارات الانسانيّة التي منها تشكلت الحضارة العربية الإسلامية والتي ارتوى منها العقل الغربي. كبرهان عن هذا القول، نظرة بسيطة عمّا وصل اليه أعلى مستويات التكنولوجيا المتمثلة في الذكاء الاصطناعي. الذي سيقود مجرى التطور البشري على مختلف الواجهات، فكرية كانت أو سياسية اقتصادية اجتماعية عسكرية وإعلامية….
لكن إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على غزو مجمل المجالات، فان المجال الثقافي الحضاري يستعصي عليه ممّا يمكن الشعوب من المقاومة والصمود في وجه العتاد الحربي المتطور. الأمر الذي يصعب على المعتدين ادراكه أو تصوّره. كرامة واستقلال الشعوب لا تعرف الانهزام أم عتاد الغزاة. وهو ما يفسر حتميّة انتصار إيران النهائي رغم ويلات الحرب ورغم التضحيات.يكثر الحديث حول الثورة التكنولوجية الخامسة والذكاء الاصطناعي، لكن لا نعطي اهتمام لمبتكر علم الخوارزميات الجبرية. مخترع هذا العلم العظيم وهذا منذ أزيد من 1200 عاما لما، هو العالم الملهم محمد الخوارزمي (781-847م). الأرقام المستعملة عبر العالم وضعها العالم الجليل انطلاقا من زوايا كل منها. يظهر الأمر بسيطا، لكنه في العمق نتاج عبقرية لا حدود لها، أوصلت عبر الجبر والرياضيّات الاختراعات الى حدودها القصوى.
للتذكير:
لم يترك الغرب العمل بالأرقام الرومانية التي ليس بوسعها القيام بالحساب الجبري والرياضيات وغيرها من العلوم التطبيقية والذهنية نظرا لتعقيداتها ومحدودية إمكانية استعمالها، الاّ في القرن السادس عشر الميلادي أي ستّة قرون بعد اختراعها واستعمالها من قبل الحضارة الشرقية. والغريب أن الناس في العالم يستعملون الخوارزميات جاهلين مخترعها وناعتين الحضارة التي ينتمي اليها بالغباء. ان اللوم لومنا نحن أبناء هذه الحضارة التي من نبعها ارتوى الغرب وعبره العالم ابتداء من القر السادس عشر. إذا ساد الغرب منذ خمسة قرون، فان الحضارة العربية الإسلامية التي هي استمرار الحضارة الأكادية البابلية التيبتية الفارسية السريانية الكلدانية الكنعانية الفينيقية المصرية القرطجية الأمازيغية الأندلسية الكردية…. أي كل الحضارات الراشدة التي أعطت حضارة تشكل عن حقّ أم الحضارات. حاول الغرب ولا زال تبخيس حضارتنا وهو كالطفل الذي يريد قتل الأب الروحي والحضاري له على منوال العُقدة النفسية للطفل والتي لخصها العالم النفساني سكموند فرود (1856-1939م) بعقدة أوديب. وبالمناسبة ان السيكولوجية الخاصة بثقافتنا لا تتوافق في جانب كبير مع الأطروحات التي وضعها هذا العالم والتي أراد علماء الغرب فرضها كمرجع رئيسي لعلم النفس الحديث. من يدرس علم النفس عند ابن سينا والرازي الطبيب أو غيرهما من علمائنا الذين تبحروا في موضوع النفس والذات أو ما يمكن استنتاجه من مراجع منتوج حضارتنا الأدبي مثل ملحمة ألف ليلة وليلة، يظهر له مواطن الخلاف.الحاضر هو قنطرة العبور من ضفة الماضي لضفة المستقبل. زمن هذه القنطرة يمكنه عند الركود والتراجع الحضاري أن يطور وفي بعض الحالات أن يزيغ عن مجراه، لذا من المفيد والأكيد العودة الى مضامن تاريخنا الحضاري والنظر اليه بافتخار وعزة وموضوعية وتاريخانية مُتَبصرة. لا مستنبطة أو مستوردة. لذا لا بد من استيعاب الماضي والاستعاضة بتجاربه. ذلك أن الشعوب والأمم التي لا تحتضن تاريخها يسهل استيلابها واستعبادها.
ا – العلاقة بين ملحمة الإلياذة والأوديسة وملحمة ألف ليلة وليلة
لقد أثار انتباهي وشدّ عقلي التفكير في محتوى الإلياذة والأوديسة ممّا دفعني الالمام بمضامينها الأساسية. ذلك أن ظاهر أساطيرها يأخذ اللبّ، كما هو شأن قصص ألف ليلة وليلة. لكن عندما تعمّق النظر في باطنها، كما هو الحال بالنسبة لأمهات الكتب، تجد في باطن كل منها –ا الإلياذة ولأوديسة وألف ليلة ولية -فكر معرفي عميق ذا فائدة أكيدة لمعرفة العقلية التي يتحرك ضمنها الأقوام التي خصتهم تلك الأساطير والقصص. هناك فعلا، العامل الزمني الذي يفرق بين صياغة كل من الالياذة ولأوديسة وألف ليلة وليلة، لكن رغم ذلك يمكن استنتاج أسس التفكير العقلي عند الغرب الذي ينطلق من الموروث الثقافي للإلياذة والأوديسة وكذا الموروث الشرقي الذي تعبر عنه ملحمة ألف ليلة ولية وغيرها. لقد استعملنا كلمتي ينطلق وتعبر ولم نجعل بينهما تعارضا لنخلص أن هناك تكامل وفي أغلب المحطات الفكرية تطابق. السيناريوهات تختلف لكن البحث عن الحقيقة العقلية تتطابق. كل منها-أي الإلياذة والأوديسة وألف ليلة وليلة-يعالج في لعمق العلاقة بين المقدس والجنس وبين الفضيلة/الأخلاق والحكمة/الفلسفة. والحاصل بعد الغربلة الموضوعية للموروث الفكري الاغريقي الذي تبّاه الغرب كمنطلق لثقافته الحضارية نجد أساسه شرقي. لا كما يقده إيديولوجيو الغرب كون أصل ثقافته توراتية انجيليّة أي يهودي مسيحي وهي صيغة صليبيّة محدثة الصيّاغة. ذلك منذ قيام الصهيونية كمنظومة فكرية عنصرية واختيار سياسياي استعماري استيطاني لفلسطين، ضمت لفظة اليهودية للفظة مسيحية والكل يعرف العداوة التاريخية بين المذهبين. بخصوص واقع اليهود بالمجتمعات الغربية الى حدود المحرقة النازية ومقارنتها بوضعيتهم في البلدان الشرقية (العربية الإسلامية)، يلزمه دراسة مفصلة وتعبأة لتوضيحه للرأي الغربي حتى تظهر حقيقة تواطؤ الصهيونية والرأسمالية الاستعمارية على اليهود المسيحيّين والزجّ بهم في حروب عنصرية استيطانية ومصلحية ضحيّتها الشعوب.كما هو مطروح المزيد في نشر الدراسات وتعميمها حول الدور الذي لعبته الحضارة العربية الإسلامية في تطوير علوم الحكمة والفلسفة التي ارتوى منها الغرب الأوروبي للقيّام بالثورة الثقافية لعصر الأنوار. وفي هذا المضمار يلزم التأكيد على الدور الفعّال الذي قام به محتوى كتاب ألف ليلة وليلة في تحرير الفكر والذات الفردية. فلقد لجأ اليها مفكرو عصر الأنوار لتحرير الانسان الغربي من قيود الكنيسة التي كانت تحرم عليه التمتع بملذات الحياة الطبيعية بما فيها الجنس. الأمر الذي أحدث ثورة في تحرير العادات الطبيعية عند البشر التي كانت تحرّمها الكنيسة. فعصر الأنوار كان منبعه أساسا الموروث الثقافي العربي الإسلامي سواء عبر الأندلس وصقليا أو الشام (سوريان فلسطين لبنان والأردن حاليّا)، خلال الحروب الصليبية…
اا – أصل الحضارة اليونانية
إذا كانت الإلياذة والأودسة التي تنسب لهوميروس حوالي القرن السادس قبل الميلاد، فان المراجع الأثرية والمخطوطات الأدبية والفلسفية تشير الى التأثير الكبير للحضارات الشرقية القديمة على لحضارة اليونانية الحديثة العهد بالنسبة لهنّ. على المستوى المعماري والفني وكذا الموروث العقائدي تأثير مصر الفرعونية ظاهر بشكل جلّ في الأثار وعلوم الهندسة المعمارية وكذا الطقوس الدينية. كما معروف تأثير الحكمة الشرقية، الأكادية والبابلية والسريانية الكنعانية. وكذلك نظم الحكم الشرقية لمّا احتلّ الفرس بلاد اليونان خلال القرن السادس والخامس قبل الميلاد. وهنا لا بد من التوقّف عند ذو القرنين كما نسميه في ثقافتنا والذي يسمّى في الأدبيات الغربية بالإسكندر المقدوني أو الإسكندر الأكبر. ذلك أنه يعد أكبر إمبراطور على وجه الاطلاق والذي اقتدى به كل من أباطرة الروم وفي العصر الحديث نابليون بونبارت. وكل الأباطرة الذين جاؤوا بعده كان همُّهم غزو الشرق ومصر بالخصوص. والذي لا يعطيه منظرو وباحثوا الغرب الأهمية التي يستلزمها، هو أنه بعد احتلاله لإمبراطورية الفرس ما بين 332 و328 قبل الميلاد تبنّى ذو القرنين القوانين ونمط الحكم وتسيير الدولة كما كان سائر به العمل عند الفرس.
ثم وهذا أيضا مهم، فان ذو القرنين لم يعد الى بلاد اليونان التي انطلق منها، بل بنى مدينة الإسكندرية واستقر بمصر حتى توفي بها ودفن قرب والده الميثولوجي وهو احدى آلهة مصر. والمعروف أن مدينة الإسكندرية أصبحت منذ ذلك الوقت المركز الأساسي للثقافة اليونانية الشرقية. ولقد ظل الحال هكذا الى حين ظهور الحضارة العربية الاسلامية الجامعة. خلاصة القول في هذا الباب، أنه رغم انهزام جيوش الفرس أمام ذو القرنين، فان الغلبة الثقافية والحضارية كانت لهم. ما معناه، أن الغلبة الحاسمة في النهاية ليست هي القوة العسكرية، بل التماسك الثقافي والحضاري للشعوب. وهذا ما تتناساه القوى الاستعمارية في زمننا الحديث. وهذا ما يفسر لماذا انتصر الشعب الفيتنامي على المستمر الفرنسي والامبريالية الأمريكية. وهو الأمر الذي يجعل الشعب الفلسطيني يصمد في وجهة الكيان الصهيوني الاستيطاني الذي ما هو الا قاعدة حربية للاستعمار لإمبريالية الغربي بزعامة أمريكا في قلب الشرق الأوسط. وهو أيضا عنوان صمود الشعب اللبناني البطل وكذا الشعب الأفغاني والعراقي واليمني…….في الباب الموالي نتطرق لدور بلاد فارس على حضارتنا العربية الإسلامية



