فيسبوكياتمستجدات

سعيد عاهد: صديق يمشي بتؤدةٍ في الذاكرة

لم يمت سعيد عاهد…
اكتفى بأن يُزيح خيمته من تراب الدنيا،
ويترك قهوته تبرد على الطاولة،
ويقول لنا بصوت لا يُسمع إلّا عند السحرة والشعراء:
“أكملوا الطريق.. فقد تكاثر الغبار في الجهات”.
كان يمشي في اللغة كما يمشي الفلاح بين الصفوف،
لا يتعجّل الحصاد…
ويعرف أن القصيدة لا تُكتب بالشهوة
بالصبر الذي يربّي العشب حتى يصير قمحا تكتب.
يا لرفاق الشعر حين يفقدون واحدا منهم!
لن يتقاسموا الخبز كما كانوا يفعلون،
سيقتسمون الصمت،
ويقفون طويلاً عند الباب،
ينتظرون ظلاً يعود أو ورقة تنبت من الرخام.
سعيد الذي عرفته – لا الذي يكتبه الآن الناعون –
كان يخبّئ هشاشته مثل عطرٍ نفيس،
ولا يكشفها إلا لمن استحقّ.
كان يضحك دون استعراض،
ويحزن دون ضوضاء،
ويعرف أن الشعر نوعٌ من الخسارة النبيلة.
في حضرته كان الكلام يتربّى.
حتى الوقاحة كانت تتأدّب،
وحتى الخوف يتعلّم أن يمشي على قدمين
لا على أربع.
أنا لا أبكيه لأن الموت أخذه،
أتحسر أن الزمن لم يمهله
ليقول آخر جملة بدأها.
لأن الأوراق التي كانت تنتظر في درجٍ ما
لن تسمع طرق أصابعه من جديد.
ولأنه -وهذا سر المراثي كلها –
لا تجد من تقاسمه تلك النبرة الصغيرة
التي كان يفهمها وحده دون شروح.
سعيد يا صديقي
لم تكن شاعراً يكتب
كنت تزرع.
والفرق شاسع.
فالشعر الذي يُكتب قد يُنسى،
أما الشعر الذي يُزرع
فيظلّ يطلع من الوجوه والكتب والمقاهي
والشوارع التي مرّ بها ذات ظهيرة
وترك فيها رائحة غيابٍ لم نكن نفهمه وقتها.
الآن فقط نفهم.
والآن فقط نعرف
أن الشعراء لا يموتون كما قال شيلي،
إنهم ينسحبون من الجسد
ويتركون روحهم تمشي في هواء الأحياء
كأنها لا تزال تتلمّس جيب المعطف
بحثًا عن قلمٍ ضاع.
لك الرحمة يا سعيد،
ولك الشكر لأنك بَقيت كما تريد،
لا كما أرادت الدنيا.

عزيز كوغاس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID