أحمد رباص – حرة بريس

باعتباري عضوا في المركز الأوربي للإعلام الحر، حرصت منذ مدة على متابعة حلقات قناة (حرة بريس) التي يسيرها الرائع أسامة سعدون ويؤطرها المناضل أحمد المرزوقي، أحد الأحياء القلائل من الناجين من جحيم تزمامارت، وكنت ملتزما، أثناء استماعي لما يحكيه مؤلف كتاب “تزمامارت، الزنزانة 10″، بالمشاركة بتعليقات متضمنة لأسئلة وملاحظات.

لكن الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة اوحت لي بكتابة مقال عن حاضر هذه القرية الخالدة إلى بؤسها في شرق المغرب والتي اشتهرت باحتضانها لسجن رهيب عاش ويلاته ومحنه سجناء سياسيون في ظروف لا إنسانية وصعبة للغاية.
تقع تزمامارت في منطقة صحراوية بين الرشيدية وميدلت. على قارعة الطريق الرابطة بين المدينتين، تظهر لوحة تحمل اسم تازمامارت، وسط مشهد قمري، يكاد يكون غير واقعي. لا أثر للحياة على هذه الأرض الصحراوية حيث يمكنك فقط سماع صوت الرياح. يظهر في الأفق برج مائي ثم مبنيان وفناء كبير..تلك ثكنة عسكرية.
لم يبق أثر من هذا السجن المشؤوم والموشوم في الذاكرة. تم تدميره بالكامل في عام 2006، وأفسح المجال لأرض حجرية مجاورة لمقبرة مرتجلة حيث تم دفن ثلاثين جثة مجهولة الهوية.
“تازمامارت لا توجد إلا في خيال أعداء المغرب”، قال برلماني مغربي يدعى فيصل الخطيب بثقة لا تصدق وهو يرد على الصحفي الذي استجوبه، كما جاء ذكر ذلك في كتاب أحمد المرزوقي.
في الحقيقة، لم يعد هناك أي أثر دال على الجريمة. يتذكر سكان القرية المجاورة للمستعمرة العقابية أنهم رأوا آلات هائلة “تقوم بالمهمة”. من أحضرها؟ ما هي مدة عملية الهدم هذه؟ لا أحد يعرف، أو بالأحرى لا أحد يريد أن يعرف. لأنه لا يزال موضوعا محظورا في هذا المجمع الصغير الذي يبلغ عدد سكانه 700 نسمة.
بعد صدمة ما رأوه أو سمعوه، لا يزال السكان يمتنعون اليوم عن الاقتراب من المستعمرة أو حتى إلقاء نظرة عليها.
قال شاب من أهالي البلدة بلهجة تبدو جادة: “يمكن لهم أن يجعلونا نختفي”.
في ذروة “نشاط” تازمامارت، بين عامي 1973 و 1991، كان أي شخص يرغب في القدوم إلى القرية يخضع لتحقيق يهدف إلى تحديد أسباب زيارته، قبل إصدار تصريح بذلك.
حتى الجبال المجاورة، وهي حيوية لممارسة النشاط الفلاحي في المنطقة، تم إغلاقها أمام حركة المرور، خوفا من تسرب أي دليل. أولئك الذين تحدوا الحظر تعرضوا للتعذيب الممنهج.
يقول لحسن آيت الفقيه، الباحث في التراث والملم بالمنطقة: “مرة أنزلوا جملا مسكينا ضائعا في الجبال وفتحوا تحقيقا لمعرفة صاحبه ومعاقبته”.
حاليا، التازمامريون أحرار في التنقل. لكنهم موصومون في كل مكان. تم فحص أحدهم مرة من قبل شرطي في الدار البيضاء. عندما رأى الأخير اسم تازمامارت على بطاقته الوطنية، استحضر جميع أسماء الشيطان وهو يمسك رأسه. القرية، التي لا يزال اسمها وحده يجعل الناس يرتعدون، ليست على وشك الانفصال عن ماضيها.
حتى مبادرات التنمية المحلية الصغيرة التي تم إطلاقها كجزء من جبر ضرر المجتمع المحلي فشلت في المهد. المستوصف الذي افتتح في عام 2010 في مبنى سابق للثكنات لا يزال بلا كهرباء، وبلا اسم حتى.
تأسست في نفس التاريخ جمعية تازمامارت للثقافة والتنمية وهي الآن شبه مجمدة وغير قادرة على أن يكون لها تصور عن المستقبل. من أجل الحصول على دخل، تنسج نساء القرية الخيام من شعر الماعز والجمال، لكنها منتجات لا يأتي أحد لشرائها. مر عليها حول كامل في مقر الجمعية، فتوشحت بالسواد.

عند مدخل القرية، وبفضل تمويل أوروبي، تم زرع بستان زيتون تخليدا لذكرى الضحايا، ولكن لم تتوافر مياه لري شتائله.

بالنسبة لتازمامارت، ذهب نظر الدولة بعيدا ، لكننا بعيدون جدا عن الحصيلة. في موقع السجن السابق، أراد المجلس الوطني لحقوق الإنسان إعادة بناء الزنازين القديمة لتشييد نصب تذكاري وبناء قاعة عرض “يسودها الهدوء والسكينة”، ومدرسة وتعاونيات وكافيتريا …بعد 31 سنة على إغلاق سجنهها عام 1991، لا تزال تازمامارت ، “أرض الأسد” بالأمازيغية (كان هناك أسود في المنطقة قبل مائة عام)، منطقة منبوذة محيت من خارطة التنمية.


عن مجلة (جون أفريك)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube