مقالات الرأي

*كلمات* .. في أسيدون الفلسطيني وبنمسعود الليكود ومراكش القدس الثانية –

———————————–

*ما معنى تغييب الأول .. واختلاق وترميز الثاني في مغرب السوفطما داخل القصر الملكي .. و”مراكش القدس الثانية” ؟*

أحمد ويحمان

× في الذكرى الأولى لرحيل المعطي أسيدون، لا أجد ما يليق باستحضار الرجل أكثر من العودة إلى بعض محطات سيرته التي تختصر معنى أن يكون الإنسان مناضلاً، وأن تكون هويته الإنسانية والوطنية أكبر من كل محاولات الاختزال والتوظيف. فأسيدون لم يكن مجرد يهودي مغربي وقف ضد الصهيونية، بل كان مناضلاً سياسياً ونقابياً وحقوقياً، ومثقفاً منخرطاً في قضايا وطنه وأمته والإنسانية، جعل من مقاومة الاستبداد والفساد والعنصرية والاستعمار والاحتلال التزاماً متكاملاً، لا يتجزأ ولا يتوقف عند حدود الشعارات. وفي مثل هذا اليوم من السنة الماضية، كنا ثلة من الرفاق والرفيقات في بيروت، مشاركين في أشغال المؤتمر القومي العربي، وكان ( ويا للمصادفة! ) المناضل الأممي جورج إبراهيم عبد الله يتناول الكلمة، وكان حديث الخروج من عقود طويلة من السجن، حين وصلني خبر رحيل رفيقنا المعطي. وكان وقع الخبر مضاعفاً؛ فالرجل الذي غادرنا كان، في ذاكرتنا النضالية، شبيهاً بجورج إبراهيم عبد الله، في سنوات السجن الطويلة، وفي صلابة الموقف والانحياز إلى قضايا التحرر. وصلني الخبر من مصدر موثوق، وأنا في بيروت، وكان عليّ أن أتولى المهمة الأصعب : إبلاغ الرفاق هناك بالنبأ الذي لم يكن أحد يتمنى سماعه ولم يسمع به أحد بعد حتى في المغرب . طلبت من المنصة أن تستمهل الرفيق جورج عبد الله لتعلن وفاة «جورج عبد الله المغرب»، قبل أن تصل اتصالات النعي إلى الرباط والدار البيضاء، حيث كان أسيدون قد رحل. وما زلت أستحضر تلك اللحظة، وتلك العبارة التي خرجت مني مثقلة بالصدمة: «أيها الرفاق، المعطي مات !». كان خبراً جللاً، وكان ثقل اللحظة وحساسية ظروف الوفاة وما أحاط بإعلانها من تردد يزيدان من وطأة الصدمة. ولكي نفهم من هو المعطي أسيدون، لا بد من استحضار مساره كاملاً، لا اختزاله في عنوان واحد، مهما كانت مركزية القضية الفلسطينية في حياته. فقد كان من مناضلي اليسار المغربي الذين انخرطوا مبكراً في مواجهة الاستبداد، وأسهموا في تأسيس منظمة «23 مارس»، وتحمل بسبب اختياراته السياسية الاعتقال والتعذيب والحكم بالسجن خمس عشرة سنة، قضى منها أكثر من اثنتي عشرة سنة في السجن المركزي بالقنيطرة. لكنه لم يخرج من السجن منكسراً، ولا متراجعاً عن قناعاته، بل خرج ليواصل النضال بأدوات ومجالات أخرى. كان مناضلاً سياسياً ونقابياً، وحقوقياً حمل مسؤوليات على المستوى الأممي في الهيئة التنفيذية لمنظمة العفو الدولية «أمنستي إنترناسيونال»، كما كان من أبرز الوجوه المغربية في معركة محاربة الرشوة والفساد، والرئيس المؤسس للجمعية المغربية لمحاربة الرشوة «ترانسبرانسي المغرب»، التي تولى أول أمانة عامة لها، وأسهم في جعل مكافحة الفساد قضية مؤسساتية ومجتمعية، لا مجرد خطاب أخلاقي عابر. ثم انخرط في العمل المدني والحقوقي، وظل حاضراً في مختلف المعارك الوطنية، وفي مقدمتها معركة الدفاع عن فلسطين ومناهضة التطبيع. ولعل أجمل ما يلخص هذا المسار، وأعمقه دلالة، واقعة تعود إلى سنة 1982. ففي 19 يونيو من تلك السنة، وبينما كانت بيروت تحت حصار الاحتلال الصهيوني، وقبيل مجزرة صبرا وشاتيلا، بعث المعطي أسيدون ورفيقه أبراهام السرفاتي، من داخل سجن القنيطرة، رسالة إلى ياسر عرفات. وكان السرفاتي، وهو يهودي مغربي أيضاً، محكوماً بالمؤبد، فيما كان أسيدون يقضي عقوبته الطويلة. ولم يكتف الرجلان بإعلان تضامنهما مع الثورة الفلسطينية والمقاومة في مواجهة العدوان، بل طلبا من أبي عمار أن يعتبرهما جنديين في صفوف الثورة الفلسطينية ومكافحين من أجل تحرير فلسطين ! تأملوا المشهد: رجلان يهوديان مغربيان، أحدهما محكوم بالمؤبد والآخر بعقوبة سجنية طويلة، يكتبان من وراء قضبان السجن إلى قائد المقاومة الفلسطينية، معلنين استعدادهما للالتحاق بها. تلك ليست حكاية رمزية صنعها أحد بعد رحيلهما؛ إنها وثيقة تاريخية منشورة، تختصر مدرسة بكاملها في الفكر والموقف والتضحية. هذه هي اليهودية المغربية التي جسدها أسيدون والسرفاتي ومعهما إدمون عمران المليح وجيرمان عياش ويعقوب كوهين … : يهودية متجذرة في تاريخ المغرب، ومنفتحة على القيم الإنسانية، لا تحتاج إلى الصهيونية كي تثبت وجودها، ولا إلى التنكر لفلسطين كي تؤكد هويتها. بل إن الرجلين قدما، من داخل السجن، درساً في معنى الانتماء الذي يتجاوز حدود الدين والعرق، ويجعل نصرة المظلوم والوقوف في وجه الاحتلال والاستعمار معياراً للإنسانية. ولم يكن ذلك موقفاً عابراً في حياة أسيدون؛ فقد ظل وفياً له حتى آخر أيامه، من خلال انخراطه في حركة المقاطعة «BDS»، ومناهضة التطبيع، ومشاركته في مختلف المعارك الشعبية دفاعاً عن فلسطين، إلى جانب انشغالاته بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والشفافية ومحاربة الفساد. لقد كان صاحب تكوين فكري وسياسي متين، وتجربة نضالية غنية، وممارسة مؤسساتية امتدت من الساحة الوطنية إلى الفضاء الأممي.ومن هنا بالذات تتضح المفارقة التي نريد الوقوف عندها اليوم. فبينما نودع مناضلاً من هذه الطينة، يجري العمل على تقديم واجهات وأدوات لتسويق مشروع سياسي جديد بالمغرب، تحت اسم «الليكود»، وبمرجعية يهودية معلنة. ويتصدر هذه الواجهة المدعو حسين بنمسعود، الذي يتم تقديمه “زعيماً “للمشروع، فيما تكشف تصريحاته في الحوار الذي أجراه معه المدعو عبد الخالق كلاب، صاحب قرآن بورغواطة عن طبيعة الخطاب الذي يراد تمريره. فقد أعلن، وفق ما ورد في الحوار، تضامنه مع أزنكوط في مقتل ابنه، ومع “إسرائيل الشقيقة” في غزة، على ” يد الإرهابيين في حركة حماس” بغزة، على حد تعبيره ! . وهنا لا نحتاج إلى كثير من التعليق؛ فالمفارقة قائمة بذاتها: أسيدون والسرفاتي يكتبان من السجن إلى ياسر عرفات، ويطلبان الالتحاق بالثورة الفلسطينية، بينما تقدم لنا واجهة الليكود الجديدة خطاباً يتضامن مع “إسرائيل الشقيقة ” التي يدينها العالم كله وتصف أعلى هيأة قضائية دولية قائدها ب ” مجرم حرب ” مطلوب للعدالة الدولية؛ ويضع المقاومة الفلسطينية في خانة الإرهاب ! وليس المقصود هنا منح هذه الواجهة حجماً لا تستحقه، ولا عقد مقارنة شخصية بين مناضل بحجم أسيدون وأداة، تتهجى الحروف، يجري تقديمها لتسويق مشروع سياسي صهيوني إحلالي . فالمقارنة في جوهرها بين مدرستين: مدرسة صنعت مناضلين بعمق التكوين ومتانة الموقف وغنى التجربة، ومدرسة الاختلاق والترميز والاستنبات، التي تستعمل أدوات وواجهات لتقديم مشروع لا تكفيه الأسماء المغربية ولا المرجعية الدينية المعلنة لكي يكتسب مشروعية وطنية أو تاريخية ! فالمعطي أسيدون لم يكن في حاجة إلى حزب كي يثبت يهوديته، ولا إلى واجهة كي يثبت مغربيته، ولا إلى خطاب دعائي كي يثبت انتماءه إلى قضايا التحرر. لقد فعل ذلك كله بحياته ومواقفه وتضحياته.والأمر أبعد من مجرد تأسيس حزب أو إطلاق مبادرة سياسية. فنحن نتابع، منذ مدة، سلسلة محاولات تروم إعادة تشكيل الوعي المغربي، وتوظيف المكون اليهودي في سياق مشروع سياسي وثقافي يتجاوز مجرد التعبير عن الهوية أو ممارسة الحقوق السياسية المشروعة. وهنا تحضر، من زاوية أخرى، أطروحة المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند في كتابه «اختراع الشعب اليهودي»، بما تطرحه من أسئلة حول صناعة السرديات والهويات وتوظيفها سياسياً. فنحن أمام محاولة لاختلاق رموز وترميزها، واستعمال أسماء مغربية ذات حمولة دينية ووطنية، لتقديم مشروع يستلهم مرجعية الليكود الصهيوني الدموي، في سياق ما سبق أن تناولناه في أعمدة «كلمات» بشأن اختلاق «إسرائيل جديدة بالمغرب». والفرق واضح بين مواطن يهودي مغربي يمارس حقوقه السياسية والمدنية، وهو أمر لا ينازع فيه أحد، وبين توظيف الهوية اليهودية لتسويق مشروع صهيوني وإعادة ترتيب علاقة المغرب بفلسطين وبذاكرته الوطنية.لكن، وسط هذه المفارقات كلها، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً في ذكرى اليوم: ماذا عن ظروف رحيل المعطي أسيدون نفسه؟ لقد عُثر عليه في منزله يوم 11 غشت 2025 في حالة إغماء، ونقل إلى المستشفى، وخضع لعملية جراحية على مستوى الرأس، وظل في غيبوبة إلى أن وافته المنية يوم 7 نونبر من السنة نفسها. وقد أعلنت النيابة العامة، في بلاغ صدر بعد ذلك، أن نتائج التشريح أظهرت إصابة رضية خطيرة على مستوى الرأس، وأن المعطيات الأولية رجحت فرضية سقوطه من سلم أثناء تشذيب حديقته. ونحن لا نتجاهل ما أعلنته النيابة العامة، ولا نستبق نتائج الأبحاث، لكننا لا نعتبر الإعلان عن فرضية أولية جواباً نهائياً عن جميع الأسئلة التي أثارتها ظروف العثور عليه، وملابسات إصابته، وما سبق ذلك من انقطاع أخباره عن أصدقائه. وقد كانت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة «ترانسبرانسي المغرب» نفسها قد طالبت النيابة العامة، في بلاغ بتاريخ 14 غشت 2025، بأن تحدد الأبحاث أصل الواقعة وأن تنير الرأي العام بشأن ظروفها. ونحن في المرصد المغربي لمناهضة التطبيع ومجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، إلى جانب الجبهة المغربية لمناهضة التطبيع ومنظمة ترانسبرانسي والائتلاف المغربي لهيآت حقوق الإنسان وكل القوى الحية بالمغرب .. نتمسك بضرورة استجلاء جميع الملابسات، وعدم إغلاق الملف قبل استنفاذ كل أوجه البحث والتحري. ولا نريد هنا استباق المساطر القضائية والأمنية، أو الكشف عما ينبغي أن يسلك طريقه المؤسساتي والقانوني، لكننا نقول إننا لن نقبل أن تتحول قضية رحيل مناضل بهذه القيمة إلى ملف يطويه النسيان. إن استعمالنا لمفهوم «التغييب» ليس مجرد اختيار لغوي، ولا تعبيراً عن غياب الرجل عن المشهد؛ إنه توصيف يختزل، في حده الأدنى، خطورة ما وقع، ويخفف به القول بشيء آخر إلى حين استجلاء الحقيقة. فليس المجتمع هو من غيّب أسيدون، ولا هي ذاكرة جماعية قصرت في حقه؛ وإنما هناك ألغاز مؤكدة تلف هذا الملف وينبغي أن تكشف الأبحاث حقيقة كل ما جرى وتحدد المسؤوليات . هذا واجب على كل المؤسسات المعنية.إن الوفاء للمعطي لا يكون فقط بتأبينه، ولا باستعادة ذكرياته، ولا بترديد مناقبه. الوفاء له هو أن نحمي الذاكرة التي جسدها، وأن نواصل المعارك التي عاش من أجلها، وأن نرفض تزوير التاريخ وتزييف معاني الانتماء والهوية، وأن نطالب بكشف الحقيقة كاملة بشأن ظروف رحيله. فقد كان أسيدون نموذجاً للمناضل الذي لا يفصل بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ولا بين حقوق الإنسان ومناهضة الفساد، ولا بين النضال الوطني والتضامن الأممي، ولا بين انتماءه اليهودي وانتصاره لفلسطين. كان يرى أن الظلم واحد، وإن تعددت أشكاله وعناوينه، وأن مقاومته لا تقبل التجزئة. *آخر الكلام* في الذكرى الأولى لرحيل أسيدون، نستحضر رجلاً لم يحتج إلى ليكود كي يكون يهودياً، ولا إلى شهادة من أحد كي يكون مغربياً، ولا إلى واجهة حزبية كي يبرهن على انتمائه. كان تكوينه السياسي والحقوقي، ومساره النقابي، ومسؤولياته الأممية، وتجربته في السجن، وعطاؤه في محاربة الفساد، ورسالة القنيطرة إلى ياسر عرفات، أبلغ من كل ادعاء. وفي المقابل، يجري استنبات وترميز أدوات وواجهات لتسويق مشروع الليكود بالمغرب، بأسماء مغربية ومرجعية يهودية، في مفارقة تكشف الفرق بين مناضلين صنعوا تاريخهم بتضحياتهم، وأدوات يجري توظيفها في صناعة مشروع سياسي. لكن السؤال الذي لا يجوز أن يضيع وسط كل ذلك هو : لماذا غُيّب أسيدون؟ ومن هي الجهة التي غيّبته؟ ولماذا لم تُكشف للمغاربة، إلى اليوم، كل تفاصيل الملف القضائي والأمني المتعلق بإصابته ووفاته؟ إن الغموض الذي لف ” وفاة ” المناضل أسيدون يزداد التباسا وإلحاحا مع ما تبعه من تهافت المشروع الصهيوني واختراقاته بحائط مبكى بباب دكالة ونبي الأمازيغ و… و… وليس آخرها وصول الليكود إلى مبنى وزارة الداخلية واكتساح القصر الملكي ب “السوفطما ” وإفران الأطلس الصغير التي أصبحت ” وأورشليم صغيرة ” كما أصبح يطلقون عليها .. وأن مراكش هي القدس الثانية !!! ( أنظر الفيديو !) . إننا لن نسمح بأن يُغيّب أسيدون مرتين : مرة في ظروف رحيله التي نطالب بكشف حقيقتها، ومرة أخرى في محاولة محو المعنى الذي عاش وناضل وضحّى من أجله.

—————– ×

باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع+

هام :

👇👇👇*الليكود وصل إلى وزارة الداخلية والسوفطما إلى القصر الملكي .. والقدس الثانية هي مراكش !* … والآن .. هل فهمتم معنى صلاة الحاخامات بباب دكالة ومحاولة استنبات حائط مبكى جديد في سور باب دكالة ؟!ها هو يجيبكم : القدس الثانية هي مراكش !!! 👇👇👇

https://www.facebook.com/share/r/194TPT2DAb/?mibextid=wwXIfrhttps://www.facebook.com/share/r/194TPT2DAb/?mibextid=wwXIfrhttps://www.facebook.com/share/p/19dDeWyDe6/

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID