مستجداتمقالات الرأي

*عندما يصمت الصندوق وينطق الشارع: حكاية 23 شتنبر ومآلاتها*

الأستاذ يوسف بوبكري

وضعت الانتخابات أوزارها، وهدأت الأصوات التي ملأت الشوارع والأحياء وشاشات الهواتف بضجيجها وتلاطم وعودها. عاد الهدوء إلى الأزقة، وصمتت مكبرات الصوت، وتبدلت مواقع الخصوم إلى حلفاء مرتقبين على طاولة التفاوض. أشرقت شمس ما بعد الثالث والعشرين من شتنبر 2026، لتنكشف الغشاوة عن خريطة سياسية جديدة؛ أرقامها واضحة في كشوفات النتائج، لكن أرواحها ورسائلها تائهة بين الأزقة والبيوت المغربية.

*صمت الصناديق وحسرة الشارع*

لم تكن القصة هذه المرة مجرد حسابات رياضية للفائزين والخاسرين، بل كانت حكاية ثقة تُختبر على جدار الواقع. أعلنت الأرقام الرسمية عن نسبة مشاركة بلغت 38% ممن لم تُدحض أصواتهم بالنظام الانتخابي الجديد، غير أن الحقيقة التأملية في عمق الوطن تكمن في أن ما يقارب 60% من الناخبين المغاربة المسجلين باللوائح الانتخابية قد تخلفوا عن الإدلاء بأصواتهم يوم الاقتراع.كان هذا الغياب الشبه الصامت صراخاً بليغاً في أذن السياسة؛ إجهاداً تسرب إلى نفوس الشباب وهم يرقبون أوراقهم دون أن يجدوا فيها مرآة لتطلعاتهم. وفي المقابل، جاءت تلك الإشارات الخجولة عبر تقدم بعض الأحزاب التي كانت في المعارضة في عدد المقاعد المحصل عليها وتخلف أخرى، كمن يفتش في العتمة عن منفذ نقدٍ ورغبةٍ ملحة في التغيير.حكاية الخريطة: بين الهيبة والعقاب والصمودمسرح الأحزاب شهد تحولات دراماتيكية صاغتها خيارات الناخبين ومشاعرهم: *الأصالة والمعاصرة..* قوة العبور القوي: اعتلى الحزب صدارة المشهد بفارق مريح، في مشهدٍ حبكته تفاصيل سبقت يوم الاقتراع. كان لحضور السيد فوزي القجع شحنة عاطفية وانتخابية قوية طبعت هذا التحول؛ شخصية اقترنت في المخيال الشعبي بالجدية والتفاني في الإنجازات الكروية الوطنية المشرفة، وبالهيبة والرضا اللذين تحظى بهما في دوائر التسيير، ليتحول هذا الامتداد إلى طاقة رمى بها الناخبون في كفة الحزب. *التجمع الوطني للأحرار..* قسوة التصويت العقابي: على الضفة الأخرى، عاش الحزب الذي قاد الحكومة مرارة الهبوط من المرتبة الأولى إلى المرتبتين الثانية والثالثة في ترتيب الأصوات؛ إذ فقد الحزب زهاء 35% من مقاعده و40% من أصوات ناخبيه مقارنة بعام 2021. كان هذا السقوط تجسيداً لحالة غضب و”عقاب انتخابي” شاهر، رداً على خيبات لاحقت بعض مسؤوليه النافذين، ولعل ملفات من قبيل قضية “الفراقشية” وشبهات تضارب المصالح كانت القشة التي قصمت ظهر الثقة بين الناخب والحكومة. *حزب الاستقلال..* الصمود في خطوط الدفاع الترابي ورهان التجذّر: نجا الحزب التاريخي من زلزال السقوط كالقلاع العتيدة؛ إذ تحصّن ببنيته التنظيمية شبه المتراصة، وبنفوذه الترابي والاجتماعي العميق في جهات المملكة، لا سيما في أقاليمنا الجنوبية التي شكلت حصناً انتخابياً متيناً يعكس امتداد الحزب الوجداني والتاريخي. ورغم محاولات قيادته إبراز دينامية فكرية وتجديد العرض السياسي والملاءمة مع تطلعات الطبقة المتوسطة وحاجيات المواطنين اليومية، إلا أن الجدار السميك للعزوف الانتخابي، وتراجع التعبئة الحضرية، حدّا من قدرة الحزب على تحقيق قفزة نوعية أو إحداث اختراق كاسح في النتائج الرقمية. ومع ذلك، يخرج الاستقلال من هذه الاستحقاقات بصفة “الرقم الصعب” و”الضامن للميزان”؛ فهو رقم محوري لا غنى عنه لإحداث التوازن داخل أي معادلة تحالفية قادمة تبحث عن الخبرة الوطنية، والشرعية التاريخية، والعمق الترابي.

*العدالة والتنمية..* محاولة التصدر والخطاب الشعبوي:

أطلّ الحزب مجدداً من بين الركام ليرسم حضوره كقوة ذات مشروعية مسكونة بتماسكه التنظيمي والترابط مع ذراعه الدعوي. وفي القلم واللسان، استمد الحزب حياته من استملاح قطاع واسع من المغاربة لخطاب زعيمه عبد الإله بنكيران؛ ذلك الخطاب الذي ينتقد فيه الجميع ويعتبر نفسه يشفي غليل الشارع في قضايا الهوية والتطبيع، حتى وإن اتهمه الخصوم بالشعبوية والهروب من بدائل التدبير الواقعي. ويظل التحدي الأكبر أمامه اليوم هو تجديد الدماء بنخب تفهم لغة العصر وإكراهات الاقتصاد والابتكار.

*حراك اليسار: انحسار التقاليد وانبثاق البديل*وعلى رقعة اليسار، دارت سردية أخرى لا تقل إثارة وتكثيفاً؛ إذ عاش القطب الاجتماعي المغربي تحولاً مزدوج المشاعر بين الانحسار والانبثاق. ففي الوقت الذي تجرع فيه كل من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية مرارة الانحسار والتقهقر في عدد المقاعد نتيجة تموقعٍ سياسي غلب عليه الغموض بين أخذ مسافة المعارضة وإغراءات الأغلبية، خيّم على الاتحاد الاشتراكي نزيف تنظيمي داخلي أعمق؛ تعود جذوره إلى الاستفراد بالقرار الحزبي، وتهميش الكفاءات السياسية وإقصائها، والتعنت في غياب التداول على المسؤولية القيادية، مما جمّد عروق الحزب وعزله عن امتداده الشعبي التاريخي.وإلى جانب شيخوخة آلياتهما التنظيمية وعجزهما عن مجاراة تطلعات الطبقة المتوسطة والشباب، كان هبوب الرياح يأتي بما يشتهيه اليسار الراديكالي؛ حيث أشرق انبعاث متجدد متمثل في فوز تحالف اليسار (فدرالية اليسار) بمقاعد برلمانية إضافية. لم يكن هذا الفوز مجرد أرقام أضيفت إلى الرصيد، بل كان بمثابة شعاع أمل ونبض حيّ عكس رغبة جارفة لدى قطاع من الناخبين — لا سيما الشباب والمثقفين — في بعث معارضة مبدئية، نقدية، وصريحة، تجعل من الشفافية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد بوصلتها الأساسية تحت قبة البرلمان.

*ماذا الآن؟ نحو أفق التحالفات والمسؤولية

*مع انقضاء يوم الاقتراع، تتجه الأنظار نحو تطبيق المادة 47 من الدستور، حيث سيقوم جلالة الملك محمد السادس حفظه الله بتعيين رئيس أو رئيسة الحكومة من حزب الأصالة والمعاصرة المتصدر.تبدأ الآن “الحرب الهادئة” للمشاورات والتفاوض، وهي مرحلة تفرض التوقف والتأمل قبل خوض حسابات الحقائب:

* تجاوز ممارسات الماضي: إن التغيير المستحب اليوم يقضي بعدم تكرار تجربة الأغلبية السابقة، والقطع التام مع ممارسات المنفعة وتضارب المصالح التي طبعت مرحلة “الفراقشية”.

* هندسة التحالف الأقل ضرراً: يتشكل الأمل في بناء تحالف متماسك يضم الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، الحركة الشعبية، ومشاركة التقدم والاشتراكية، كخيار مرحلي يضمن الانسجام والفعالية.

* الرهان على العنصر البشري: أصل الحكاية وغايتها هو الإنسان المغربي. لن تنجح أي حكومة قادمة ما لم تضع في صلب أهدافها إعادة الثقة للشباب، وإصلاح المدرسة والجامعة والمستشفى العمومي، واجتثاث الفساد بكل أشكاله.ليست الانتخابات مجرد محطة تنتهي بإعلان الفائزين، بل هي بداية اختبار حقيقي لمفهوم السلطة والخدمة الوطنية. إن الشارع الذي صمت بأغلبيته وتكلم بأقليته قد قال كلمته الضمنية، والكرة اليوم في ملعب حكومة قادمة عليها أن تؤدي الواجب الدستوري بأعلى درجات التجرد والإخلاص، لتثبت أن أمل المغاربة في التغيير والكرامة يستحق أن يُروى وينجز.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID