الصحراء المغربية بين أوهام الرهان على الخارج وحتمية الديمقراطية الحقيقية في المغرب والجزائر*

لم يعد من المعقول أن يظل مستقبل قضية الصحراء المغربية رهيناً بحسابات القوى الكبرى ومساومات مجلس الأمن الدولي، ولا أن يستمر المغرب في استنزاف وقته وموارده الفلاحية و البحرية و الفوسفاط و المعادن وأمواله في انتظار اعترافات دولية تتحكم فيها المصالح الجيوسياسية أكثر مما تتحكم فيها مبادئ العدالة والإنصاف. إن قضية الصحراء، في تقديري، لن تجد طريقها إلى الحل بمجرد قرارات أممية أو اعترافات دبلوماسية، وإنما تحتاج إلى معالجة سياسية عميقة تنطلق من إصلاح النظام السياسي وترسيخ الديمقراطية في المغرب والجزائر.إن الرهان على مجلس الأمن والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والدول الكبرى قد يطيل أمد الأزمة ويستهلك المال والجهد والوقت دون الوصول إلى حل نهائي. واستعمال روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن يذكّرنا بأن الملف ما زال خاضعاً لتجاذبات دولية، وأن كل دولة تتحرك وفق حساباتها ومصالحها الاستراتيجية. فالدول لا تمنح مواقفها مجاناً، ولا ينبغي للمغرب أن يبني مستقبله على أوهام أن القوى الكبرى ستتفق يوماً على حل يخدم مصالح شعوب المنطقة بالضرورة.والأخطر أن استمرار النزاع أصبح يخدم مصالح متعددة. فالثروات البحرية والفلاحية والمعدنية، والموقع الاستراتيجي للمنطقة، كلها عناصر تجعل الملف موضوعاً للتنافس والمساومة بين القوى الدولية. وهنا يطرح السؤال الحقيقي: من المستفيد من استمرار هذا النزاع؟ هل المواطن المغربي والجزائري، أم القوى التي تجد في استمرار الأزمة فرصة لتعزيز نفوذها وتحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية؟ إن استمرار النزاع لا يعني فقط استمرار التوتر بين البلدين، بل يعني أيضاً ضياع فرص التنمية والتكامل المغاربي، واستمرار استنزاف موارد كان من المفترض أن توجه لتحسين حياة المواطنين.أما الحل الحقيقي فلا يبدأ من واشنطن أو موسكو أو باريس، بل يبدأ من الرباط والجزائر. فالمغرب يحتاج إلى ديمقراطية حقيقية، ومؤسسات قوية ومستقلة، وأحزاب سياسية ديمقراطية، وحكومة تستمد قوتها من الإرادة الشعبية والمحاسبة، لا من إعادة تدوير النخب السياسية نفسها. والجزائر بدورها تحتاج إلى انفتاح سياسي حقيقي يسمح لشعبها بالمشاركة في صناعة القرار. فالديمقراطية في البلدين يمكن أن تفتح الطريق أمام الثقة المتبادلة، وتجاوز منطق العداء، وبناء تسوية سياسية تاريخية تحفظ مصالح الشعوب وكرامتها.إن انتظار اعترافات الدول الكبرى، أو التعويل على قرارات مجلس الأمن وحدها، لن ينهي الأزمة. فالاعترافات الدبلوماسية، مهما كانت أهميتها، لا تعوض الإصلاح السياسي ولا تصنع وحدها سلاماً دائماً. كما أن استمرار الرهان على المؤتمرات واللقاءات والوفود الدولية دون معالجة الأسباب السياسية العميقة للنزاع قد يحول القضية إلى ملف دائم يستهلك الميزانيات والطاقات ويمنح الوسطاء الدوليين فرصاً متجددة للتدخل والمساومة.إن الصحراء المغربية ليست مجرد ملف دبلوماسي، بل قضية سياسية وتاريخية تحتاج إلى شجاعة في التفكير وإرادة في الإصلاح. ومن العبث أن ننتظر من الخارج أن يمنحنا ما لم نستطع تحقيقه داخلياً من ديمقراطية وعدالة ومؤسسات قوية. فبناء مغرب ديمقراطي، وقيام جزائر ديمقراطية، وتحرير القرار السياسي من الحسابات الضيقة، هي مداخل أساسية لخلق شروط حل تاريخي للنزاع.إن الشعوب لا تحتاج إلى مزيد من الحروب الباردة، ولا إلى مزيد من الشعارات والمزايدات الوطنية، بل تحتاج إلى فرص الشغل والتعليم والصحة والكرامة وحرية التنقل والتكامل الاقتصادي.فبدل أن نظل أسرى انتظار الفيتو والاعترافات الدولية، علينا أن نمتلك شجاعة بناء الديمقراطية في الداخل. لأن ما عجزت عنه سنوات من المفاوضات والتجاذبات الدولية قد تفتح له الديمقراطية الحقيقية أبواب الحل.
*من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى
*عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي



