*لماذا أحزاب الكتلة الديمقراطية؟ * *هل استحضار للتاريخ أم بحث عن شرعية أم ماذا؟*

*الأستاذ يوسف بوبكري
إن تشكيل الحكومة ليس فقط عملية حسابية، أي جمع عدد المقاعد البرلمانية للوصول إلى أغلبية مريحة. ففي كثير من الأحيان، يكون اختياراً سياسياً يعكس الطريقة التي يريد الحزب المتصدر في الانتخابات أن يحكم بها. كما يبين الشركاء الذين يرى أنهم قادرون على مساعدته في تحقيق برنامجه الانتخابي. ومن هذا المنطلق، يثير التوجه نحو أحزاب الكتلة الديمقراطية التاريخية، وفي مقدمتها حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، سؤالاً يتجاوز حدود المشاورات الحكومية الجارية حول الأحزاب التي ستشكل نواة الأغلبية الحكومية، لماذا هذه الأحزاب تحديداً؟ وما الذي يمكن أن تجده فيها رئيسة الحكومة المكلفة، ولا تجده بالضرورة لدى باقي الأحزاب الممثلة في البرلمان؟قد يبدو الأمر في البداية مجرد اختيار بين حلفاء محتملين. لكن إذا نظرنا بتمعن في خلفياته وأبعاده السياسية، نكتشف ثلاثة رهانات أساسية. أولها رغبة حزب الأصالة والمعاصرة في تجاوز الجدل الذي صاحب نشأته وعلاقته بالسلطة. الثاني هو الاستفادة من الرصيد التاريخي لأحزاب الحركة الوطنية. أما الثالث فهو اللجوء إلى أحزاب تملك تجربة طويلة في وخبرت الحياة السياسية بكل خباياها وأسرارها سواء في دهاليز البرلمان أو في أروقة السلطة التنفيذية لتدبير وإدارة الشأن سواء وطنيا أو محليا.*البام من خطيئة النشأة إلى قيادة حكومة المونديال*منذ تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، لم يقتصر النقاش حوله على برنامجه الانتخابي أو مكانته داخل الخريطة الحزبية الوطنية. بل شمل أيضاً طبيعة نشأته وعلاقته بمراكز النفوذ. هذه الأسئلة بقيت مطروحة في النقاش السياسي والإعلامي، رغم اختلاف التفسيرات حولها.واليوم، وبعد تصدره في الانتخابات التشريعية، يجد الحزب نفسه أمام فرصة حقيقية لتجاوز جزء من هذا الجدل. لن يحدث ذلك من خلال التصريحات أو الدفاع عن تجربته السابقة. بل سيحدث من خلال طريقة تدبيره للشأن العام من خلال قيادته للحكومة وبناء على النتائج التي سيحققها.فتصدر الانتخابات يعطي الحزب حق تشكيل الحكومة حسب القواعد الدستورية والسياسية. لكنه لا ينهي النقاش حول هويته السياسية تلقائياً، ولا يضمن له ثقة المواطنين. هذه الثقة تبنى مع الوقت من خلال وضوح المشروع، واستقلالية القرار، والقدرة على الوفاء بالالتزامات.من يمكن هنا فهم الانفتاح على أحزاب لها جذور تاريخية وتجربة سياسية طويلة كأنه محاولة لتوسيع القاعدة السياسية للحكومة المقبلة. كما تهدف هذه الخطوة إلى الاستفادة من رصيد نضالي لأحزاب شكلته من خلال تجربة دامت لعقود في الحقل السياسي سواء في المعارضة أو في الحكومة.فالقضية ليست مجرد زيادة لعدد مقاعد الأغلبية. بل تتعلق بإمكانية الانتقال من فترة كان حزب الأصالة والمعاصرة فيها محط نقاش بسبب ظروف تأسيسه ونشأته. إلى فترة يصبح فيها تقييم تجربته قائماً أساساً على ما يحققه وما يقدمه للمغاربة. ولعل السؤال الذي يلخص هذا التحول هو: هل يستطيع الحزب أن يثبت أن تأسيسه كان من أجل ممارسة الحكم وتحمل مسؤوليته، لا أن يظل محاصراً بالنقاش حول علاقته بالسلطة؟إن فكرة «الحزب الذي تأسس ليحكم» تلخص طموحاً سياسياً مشروعاً. لكنها تضع صاحبها أيضاً أمام امتحان صعب. فالحكم ليس مجرد وصول إلى مواقع القرار. بل هو مسؤولية عن السياسات العمومية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، واستعداد دائم للمساءلة والمحاسبة.ومع ذلك، يجب ألا نفسر هذا التوجه بشكل مبالغ فيه؛ فالتحالف مع أحزاب تاريخية وحده لا يثبت استقلالية القرار. أيضا، كما أن اختيار شركاء جدد لا يعني دائما قطع الصلة بأساليب الماضي. فما يحدد ذلك هو البرنامج الحكومي، وطريقة اتخاذ القرار، ومدى قدرة الحزب على ممارسة سلطاته السياسية والمؤسساتية بوضوح ومسؤولية.*الكتلة الديمقراطية، عندما يصبح التاريخ جزءاً من الحسابات السياسية*ثمة فرق بين أحزاب تراكم حضورها من خلال الانتخابات وحدها، وأخرى تحمل في ذاكرتها التنظيمية والسياسية فصولا من تاريخ المغرب الحديث؛ حيث تظهر أحزاب الكتلة الديمقراطية في المشهد السياسي كلما دعت الحاجة إلى توحيد صفوف القوى الحية في المجتمع تحت شعار واحد أو مشروع مشترك. لا تتوقف أهميتها عند قدرتها على جمع أطراف مختلفة المجتمع المغربي. فحزب الاستقلال ارتبط بالحركة الوطنية وبالكفاح من أجل الاستقلال، فيما شكل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أحد أبرز عناوين المعارضة والنضال من أجل الديمقراطية والإصلاح السياسي. أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد امتدت جذوره إلى الحركة الشيوعية المغربية، وشارك هو أيضًا في محطات من النقاش السياسي والاجتماعي الذي عرفه المغرب.رغم أن هذه الأحزاب تملك مرجعيات مختلفة ولها مواقف متباينة في مراحل كثيرة، إلا أنها تشترك في أن لها تاريخا لا يمكن تلخيصه فقط في نتائج الانتخابات أو عدد المقاعد التي تحصل عليها الآن.بل هذا الرصيد هو واحد من العناصر التي تمنح العودة إلى أحزاب الكتلة الديمقراطية معنى خاصاً من الناحية السياسة، فالحكومة التي تضم هذه الأحزاب يمكن أن تستفيد من تاريخها الطويل ومن الرمزية التي ما زالت تحتفظ بها عند بعض فئة عريضة من المجتمع المغربي. وهذا ما يمنح الأغلبية عمقاً سياسياً يتعدى الحسابات الانتخابية الحالية.لكن التاريخ مهما كان غنياً لا يعطي صاحبه حصانة دائمة، فالأحزاب التي شاركت في صناعة محطات مهمة من تاريخ المغرب مطالبة اليوم أن تثبت قدرتها على مواكبة مجتمع تغير كثيراً، وواجب عليها أيضاً أن تقدم أجوبة مقنعة عن أسئلة الشغل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.كما أنه يجب ألا يصبح استحضار أحزاب الكتلة الديمقراطية مجرد استغلال للذاكرة. فهذه القيمة لا تقتصر على تكرار الكلام عن تضحيات الماضي. بل تكمن في تحويل المبادئ التي ارتبطت بتلك المرحلة إلى عمل سياسي يحترم الديمقراطية، ويقوي الثقة في المؤسسات، ويجعل المصلحة العامة أولاً قبل المصالح الحزبية الضيقة.ومن هنا، قد يكون التعويل والرهان على أحزاب الكتلة الديمقراطية في محاولة للجمع بين قوة انتخابية تصدرت المشهد ورصيد تاريخي جمعته هاته الأخيرة. غير أن نجاح هذا الخيار يبقى مرتبطاً بقدرة الجميع على الاتفاق حول برنامج عمل حكومي مشترك من أجل مغرب المستقبل؛ فالاكتفاء باستحضار أمجاد الماضي لا يكفي.*الخبرة والكفاءات، لأن إدارة الدولة ليست فقط توزيع للحقائب الوزارية* هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن التاريخ والرمزية. يتعلق الأمر بالخبرة التي اكتسبتها هذه الأحزاب في إدارة الشأن العام.فقد تولى حزب الاستقلال مهمة قيادة الحكومة سنة 2007، كما شارك في عدة حكومات وتولى مسؤولية تدبير العديد من القطاعات الوزارية المهمة من خلال تجاربه الحكومية السابقة، فيما خاض الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تجربة حكومية مهمة خلال مرحلة التناوب التوافقي سنة 1998. بعد ذلك استمر في المشاركة في حكومات أخرى. بالإضافة إلى مشاركة حزب التقدم والاشتراكية أيضاً في عدد من الحكومات التي اكسبته خبرة في إدارة بعض القطاعات الحكومية والمساهمة في إعداد السياسات العمومية.هذه التجارب، بجوانبها الإيجابية والسلبية، تمنح هذه الأحزاب معرفة عملية بكيفية عمل الإدارة، كما تكشف صعوبات تنفيذ البرامج الحكومية، وتوضح أيضاً العلاقة بين القرار السياسي والقدرة على تعبئة الإمكانات المالية، والمعرفة الكاملة والمسبقة للتوازنات التي تحكم عمل المؤسسات.فتدبير الحكومة ليس مهمة سهلة، ولا يكفي أن يملك المسؤول برنامجاً انتخابياً جيداً كي يستطيع تنفيذه وتنزيله على أرض الواقع، بل توجد ميزانيات محدودة مرصودة، وأن للإدارات قواعدها وإكراهاتها في تنزيل المشاريع وتدبير ميزانياتها، بالإضافة إلى تداخل الاختصاصات بين القطاعات، غير أن للمواطنين انتظارات اجتماعية لا تقبل التأجيل أو المماطلة.ومن هذا الجانب، قد يكون الاعتماد على أحزاب لها خبرة في التدبير الحكومي خياراً يهدف إلى الجمع بين القيادة السياسية والخبرة العملية، مما يساعد على تجنب البدء من الصفر عند التعامل مع ملفات معقدة تحتاج إلى معرفة دقيقة بمؤسسات الدولة.لكن الخبرة لا تعني بالضرورة الكفاءة، وطول البقاء في المسؤولية لا يضمن النجاح، فالمطلوب ليس إعادة الوجوه نفسها إلى المواقع نفسها، إنما الاستفادة من التجارب السابقة مع فتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على التجديد والابتكار.يجب أن تكون الكفاءة معياراً أساسياً عند اختيار الوزراء والمسؤولين. لا أن تكون الكفاءة مجرد نتيجة للتوازنات الحزبية أو لمشاورات توزيع الحقائب الوزارية.فالمغاربة لا ينتظرون حكومة تضم أحزاباً ذات تاريخ طويل فقط، بل إنهم يريدون حكومة تستطيع تحسين أوضاعهم المعيشية، وتوفير فرص الشغل، وتطوير المدرسة العمومية والخدمات الصحية، وتقليص الفوارق بين المجالية، وتحويل الوعود الانتخابية إلى إجراءات ونتائج ملموسة؛ فمن هنا يظهر الفرق بين تحالف يستفيد من خبرة الماضي وتحالف يمكنه توظيفها واستخدامها لوضع سياسات عمومية ناجعة وفعالة.*لماذا أحزاب الكتلة وليس غيرها؟*يبقى السؤال مطروحاً: لماذا اتجهت قيادة الحكومة المقبلة نحو هذه الأحزاب بالذات، بدلاً من الاستعانة بأحزاب أخرى تمتلك بدورها حضوراً برلمانياً وتجارب في المشاركة الحكومية؟ربما تكمن الإجابة في الرغبة في جمع عناصر يصعب اختزالها في معيار واحد. فهناك حاجة إلى أغلبية برلمانية متمرسة تستطيع تمرير القوانين، وهناك أيضاً حاجة ملحة إلى شركاء حكوميين لديهم ما يكفي من التجربة والخبرة في التدبير الحكومي، بالإضافة إلى ذلك، توجد حسابات تتعلق بصورة الحكومة وطبيعة الرسالة السياسية التي تريد إرسالها.فالتحالف مع أحزاب الكتلة يوفر هذه العناصر كلها مجتمعة، شريطة نجاح مكونات التحالف في تجاوز الخلافات الإيديولوجية والحسابات المتعلقة بتعظيم المكاسب السياسية وزيادة المناصب الحكومية، كما يجب أيضًا أن تتفق هذه المكونات على برنامج حكومي واضح الأولويات وقابل للتنفيذ.أما استبعاد أحزاب أخرى من هذه الصيغة، إذا تأكد نهائياً، فلا يجب تفسيره مباشرة كحكم على تجربتها أو كفاءاتها. التحالفات السياسية تقوم على عدة عوامل، منها تقاطع البرامج الانتخابية، وتوازنات الأغلبية، وتقديرات القيادة السياسية، والقدرة على التوافق حول أولويات المرحلة. لهذا، لا يكمن الاختبار الحقيقي فقط في معرفة من هو مشارك في الحكومة ومن بقي خارجها. بل في فهم طبيعة المشروع الذي يجمع مكوناتها، ومعرفة ما إذا كان هذا المشروع يستطيع أن يقدم إضافة حقيقية في أسلوب التدبير وفي نتائج ملموسة للسياسات العمومية.إن التاريخ قد يفتح الباب، لكن الإنجاز وحده يحسم الحكم في النهاية، يمكن فهم التوجه نحو أحزاب الكتلة الديمقراطية كمحاولة للجمع بين ثلاثة أهداف؛ أولها تثبيت الشرعية السياسية للحزب الذي تصدر الانتخابات. ثانيها الاستفادة من الرصيد التاريخي لأحزاب الحركة الوطنية. ثالثها توظيف الخبرة والكفاءة التي اكتسبتها هذه الأحزاب في إدارة الشأن العام.لكن هذه الرهانات، مهما بدت متكاملة، لا تضمن وحدها نجاح الحكومة المقبلة. فالشرعية التاريخية لن تعوض أبدا ضعف الأداء، والخبرة لا تغني عن تجديد النخب، والنجاح الانتخابي لا يعفي من مسؤولية العمل على استعادة ثقة المواطنين.والأهم أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام تحد يتعدى تشكيل أغلبية داخل البرلمان. فمعدل المشاركة في الانتخابات، الذي وصل إلى حوالي 38% حسب النتائج المعلنة، يضع الأحزاب أمام سؤال الثقة والتمثيلية، كما يجبرها على أن تثبت أن العمل السياسي يمكن أن يحدث تغييراً يلمس أثره المواطن البسيط في حياته اليومية.لذلك، لن يقاس نجاح هذه التجربة الحكومية بعدد المقاعد التي تجمعها، كما لن يقاس بعدد الأحزاب التي تضمها التحالب أو بثقلها التاريخي. بل سيقاس نجاحها أساساً بقدرتها على إنتاج برنامج حكومي منسجم ومتماسك، واختيار مسؤولين أكفاء، بالإضافة إلى مدى تحقيقها لنتائج ملموسة في ملفات تشغل بال المغاربة بدون استثناء.قد تنجح هذه الأحزاب في بناء تحالف يجمع بين القوة الانتخابية والرصيد التاريخب والخبرةوفي التدبير. لكن التحدي الأكبر هو أن تنجح في تحويل هذا التحالف إلى حكومة يشعر المواطن أن لها معنى وأثر ملموس في معيشه اليومي..



